كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن تشكيل طاقم وزاري مصغر بحكومة نتنياهو، للعمل على تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في غزة، في خطوة تكشف عن تصعيد سياسي داخلي ومناورة خارجية يستخدمها الاحتلال قبل الانتقال إلى أي التزامات جديدة في الاتفاق.
وجاء هذا التطور بالتزامن مع تصريحات جديدة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أعاد فيها التأكيد على شروطه للانتقال إلى المرحلة التالية، وربطها بشكل مباشر باستعادة الجثامين الثلاثة المتبقية من الأسرى المحتجزين في القطاع.
لماذا يهم الأمر؟
لأن تشكيل هذا الطاقم الوزاري لا يعني مجرد استعداد إداري، بل يعكس توجهاً سياسياً لزيادة مستوى التحكم الإسرائيلي في تفاصيل المرحلة الثانية من الاتفاق، وخصوصاً ما يتعلق بمعبر رفح والقوة الدولية وترتيبات نزع سلاح غزة.
كما أن إدخال شخصيات يمينية متطرفة إلى هذا الطاقم يكشف عن محاولة نتنياهو تأمين غطاء سياسي داخلي قبل اتخاذ أي خطوة قد تُقرأ كتنازل، في وقت يتعرض فيه لضغط متصاعد من الشارع الإسرائيلي ومن شركائه في الائتلاف.
الطاقم الوزاري الجديد
ضمّ الطاقم الوزاري الذي أُعلن عنه شخصيات من الجناح الأكثر تشدداً في الحكومة، مثل جدعون ساعر وإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهو ما يعكس إدراك نتنياهو لحساسية المرحلة المقبلة، ومحاولته تحصين قراراته بغطاء يميني يقيه من الاتهامات الداخلية بالمرونة أو التراجع. ويشير إشراك هذه الشخصيات إلى أن المرحلة الثانية لن تكون مجرد استكمال لتعهدات سياسية، بل ساحة جديدة للصراع الداخلي بين اليمين المتطرف والمؤسسة الأمنية حول مستقبل غزة بعد الحرب.
ويقرأ مراقبون هذا التشكيل باعتباره رسالة مزدوجة: الأولى موجّهة إلى الخارج ومفادها أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية في غزة يجب أن تمر عبر حكومة يمينية متماسكة، والثانية إلى الداخل الإسرائيلي لطمأنة المستوطنين والقاعدة اليمينية بأن نتنياهو لن يقدم أي تنازل يتعلق بملفات الأمن والحدود والقوة الدولية. ويأتي ذلك في لحظة ترتفع فيها الضغوط السياسية داخل الائتلاف، خصوصاً مع بروز تيارات تتهم نتنياهو بأنه "لين" أو غير قادر على فرض شروطه على الوسطاء.
شروط نتنياهو المسبقة
قال نتنياهو إن حكومته لم تُنهِ بعد المرحلة الأولى من الاتفاق، وإن الانتقال إلى المرحلة الثانية لن يحدث إلا بعد استعادة الجثامين الثلاثة المتبقية من الأسرى المحتجزين في القطاع. ويأتي هذا الشرط في إطار سعيه لتقديم نفسه داخل إسرائيل باعتباره الطرف الذي يضع "الخطوط الحمراء" ولا يسمح بأي خطوة سياسية قبل استعادة كامل الأسرى والجثامين، وهو خطاب يحاول من خلاله التخفيف من الانتقادات الداخلية حول فشل حكومته في إدارة هذا الملف طوال الحرب.
وفي تصريحاته للقنوات الإسرائيلية، أعاد نتنياهو ربط إعادة فتح معبر رفح باستعادة جميع الأسرى والجثامين، مؤكداً أن هذا المطلب نُقل بشكل واضح إلى جميع الأطراف الدولية. ويحاول من خلال هذه التصريحات إظهار أن السيطرة الإسرائيلية على المعبر لن تكون قابلة للتفاوض، وأن أي ترتيبات مستقبلية ستخضع لشروط الاحتلال، خصوصاً في ظل التنافس بين المؤسستين العسكرية والسياسية على من يملك الكلمة العليا في إدارة هذا الملف.
معبر رفح والضغط الدولي
أوضح نتنياهو أن إسرائيل وافقت على إعادة فتح معبر رفح، لكنها لن تسمح بذلك إلا بعد استعادة جميع المحتجزين. وأكد أن هذا الموقف جرى تمريره للشركاء الدوليين بصيغة "لا لبس فيها"، في محاولة لفرض قواعد اشتباك جديدة على الوسطاء وإعادة موقع الاحتلال باعتباره الطرف الوحيد المخوّل بمنح الموافقات المتعلقة بالمعبر. وترافقت هذه التصريحات مع إشادة من نتنياهو بموافقة مصر على خروج المدنيين من قطاع غزة، وهو خطاب يحاول من خلاله إظهار انسجام شكلي مع القاهرة وسط خلافات حادة حول مستقبل المعبر.
وفي الخلفية، تحاول الحكومة الإسرائيلية ربط أي تقدم في ملف التسهيلات الإنسانية بالتقدم في ملف الأسرى والجثامين، وهو ما يعيد إنتاج سياسة "المقايضة الإنسانية" التي اعتمدتها تل أبيب طوال الحرب. ويأتي ذلك وسط ضغوط أمريكية متزايدة لتسريع المرحلة الثانية من الاتفاق، خصوصاً أن إدارة ترامب تعتبر نجاح القوة الدولية أحد مفاتيح استقرار غزة بعد الحرب، في ظل خطتها التي تشدد على نزع سلاح غزة وحماس.
دور القوة الدولية
أشار نتنياهو إلى أن الخطة الأمريكية المطروحة تطالب بمنح القوة الدولية فرصة لنزع سلاح غزة وحماس، مؤكدًا أن إسرائيل تنتظر قيام هذه القوة بمهمتها، وأن فشلها سيعني العودة إلى القتال. وهذا الشرط يعكس رغبة الاحتلال في إبقاء سلاح الردع مفتوحاً، واستخدام احتمال العودة إلى العمليات العسكرية كورقة ضغط على الأطراف الدولية، خصوصاً أن ملف نزع السلاح يمثل جوهر الخلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة.
وتكشف تصريحات نتنياهو عن امتداد الصراع من الميدان إلى طاولة المفاوضات، حيث يحاول الاحتلال فرض تعريفه الخاص لمفهوم "نزع السلاح"، بما يشمل السيطرة المباشرة على الأمن ومنع أي قوة دولية من تحويل القطاع إلى نموذج مشابه لجنوب لبنان. وبينما تسعى واشنطن لترتيبات أكثر مرونة، يصرّ نتنياهو على أن إسرائيل تحتفظ بحق التدخل العسكري كأداة لضمان تفكيك البنية العسكرية للمقاومة.
المرحلة الأولى والضغط العسكري
قال نتنياهو إن ما تحقق في المرحلة الأولى جاء نتيجة الضغط العسكري المستمر على قطاع غزة، موضحاً أن هذا الضغط هو ما أدى – بحسب وصفه – إلى تحرير نحو 200 من المحتجزين. وأضاف أن دخول قوات الاحتلال إلى مدينة غزة كان "النقطة الحاسمة" في عملية إطلاق سراح الأسرى، في محاولة لإعادة تسويق الرواية التي تربط الإنجازات العسكرية بإدارة ملف الأسرى رغم الانتقادات الواسعة في الداخل الإسرائيلي.
ويعمل نتنياهو عبر هذه السردية على تثبيت قناعة بأن قوة الاحتلال الميدانية هي العامل الوحيد الذي يدفع المقاومة إلى تقديم تنازلات، وهو خطاب يتقاطع مع موقف المؤسسة الأمنية، لكنه يثير في الوقت نفسه انتقادات واسعة من عائلات الأسرى التي تتهم الحكومة بالفشل في إنجاز صفقة شاملة. ويُستخدم هذا الخطاب لتبرير استمرار التدخل العسكري ورفض أي انسحاب كامل من القطاع قبل ضمان تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق بالكامل.
التهديدات الإقليمية
أكد نتنياهو أن سياسة حكومته في المرحلة الراهنة "هجومية ومبادِرة"، وأن الاحتلال لن يسمح بعودة أي تهديدات أمنية. وربط ذلك بمحاولات إيران – وفق ادعائه – إعادة بناء محور التهديد في المنطقة، مشيراً إلى أن إسرائيل تعمل على إحباط هذه الجهود في لبنان وغيرها. ويأتي هذا الخطاب في سياق محاولته دمج ملف غزة ضمن الصورة الأوسع للصراع مع إيران، لتبرير استمرار العمليات العسكرية وتوسيع هامش حرية الجيش.
وفي حديثه عن حزب الله، قال نتنياهو إن التهديد الذي يشكله الحزب اليوم مختلف عمّا كان عليه قبل السابع من أكتوبر، مؤكداً أن "كل شيء تغيّر". ويحاول عبر هذا التوصيف الربط بين معركة غزة ومعركة الشمال، وإظهار أن الحرب أعادت تشكيل قواعد الاشتباك بما يفرض على الجيش الإسرائيلي الاستعداد لسيناريوهات طويلة المدى في أكثر من جبهة، وهو ما يساعده على المحافظة على دعم اليمين المتطرف داخل حكومته.
الواقع:
يُظهر المشهد السياسي أن نتنياهو يدير المرحلة الثانية من الاتفاق بعقلية تقوم على التصعيد المنضبط، مستخدمًا الطاقم الوزاري الجديد كأداة لفرض شروط أكثر تشددًا على الوسطاء، وربط أي تقدم في الملفات الإنسانية باستعادة الجثامين والأسرى. وفي ظل صعود اليمين المتطرف وتراجع الثقة الداخلية بحكومته، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول إطالة أمد التفاوض وضمان ألا ينتج الاتفاق أي مسار سياسي قد يتعارض مع رؤيته لمستقبل غزة بعد الحرب.










