في تطور لافت يعيد فتح ملف الجرائم المرتكبة في ليبيا خلال سنوات الفوضى، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية نقل المشتبه بارتكابه جرائم حرب خالد محمد علي الهشري من ألمانيا إلى لاهاي ووضعه تحت حراستها، بعد اتهامه بالضلوع في انتهاكات جسيمة داخل سجن معيتيقة خلال الحرب الأهلية. وبينما تعتبر المحكمة العملية تقدمًا مهمًا في جهود المساءلة، يتمسك مسؤولون ليبيون برفض تسليم المطلوبين بحجة أن ليبيا ليست عضوًا في المحكمة، ما يطرح أسئلة قانونية معقدة حول الالتزامات الدولية والسيادة، ويكشف توترًا سياسيًا مستترًا بين لاهاي وطرابلس.
أولًا: تفاصيل العملية… من برلين إلى لاهاي
أكدت المحكمة الجنائية الدولية نقل الهشري رسميًا إلى مقرها في لاهاي بعد اعتقاله في ألمانيا، وسط إجراءات أمنية مشددة. وتقول المحكمة إن المتهم: كان عضوًا بارزًا في قوة الردع الخاصة، إحدى أبرز التشكيلات المسلحة خلال الحرب الأهلية، وشغل منصبًا قياديًا داخل سجن معيتيقة سيئ السمعة، يتحمل مسؤولية جرائم التعذيب والاعتداء الجنسي والمعاملة القاسية بين 2015 و2020.
وتعتبر المحكمة أن الهشري يشكل حلقة مهمة في سلسلة من الانتهاكات الواسعة داخل السجون الليبية، ما يجعل اعتقاله خطوة ذات معنى في ملف المساءلة الدولية.
ثانيًا: خلفية الاتهامات… سجن معيتيقة نموذجًا لانهيار منظومة الردع
تستند المحكمة إلى تحقيقات طويلة أجراها مكتب الادعاء، وتؤكد أن: انتهاكات واسعة مورست داخل السجن ضد محتجزين ومختفين قسرًا، الاعتقال والتعذيب كانا يتمّان خارج أي إطار قانوني،الانتهاكات تنوّعت بين تعذيب ممنهج واعتداء جنسي وحرمان من الحقوق الأساسية. هذه المعطيات تضع سجن معيتيقة في صدارة المواقع التي تحولت إلى مراكز قمع خلال الحرب الأهلية، وتجعل الهشري هدفًا رئيسيًا للعدالة الدولية.
ثالثًا: موقف ليبيا… بين سيادة الدولة وقرارات مجلس الأمن
تصريحات حكومية ليبية شددت على أن الدولة غير ملزمة بتسليم مواطنيها للمحكمة الجنائية لأنها ليست طرفًا في نظام روما المؤسس للمحكمة، لكن رد مكتب الادعاء جاء مباشرًا وحاسمًا: ليبيا التزمت رسميًا بقبول اختصاص المحكمة بموجب قرار مجلس الأمن 1970 (2011)، وأن قبول ليبيا يمتد للفترة من 2011 وحتى نهاية 2027. وبالتالي فإن حجة عدم العضوية لا تُسقط الالتزام القانوني لأن القضية محالة من مجلس الأمن وليس من دولة طرف.
هل يحق لليبيا الاعتراض؟
وفقًا للمدعي العام: يحق للحكومة الليبية الطعن في مقبولية القضايا أمام المحكمة. لكن ليبيا لم تقدم أي طعن رسمي حتى الآن، الامتناع عن الطعن مع رفض التسليم يضع الدولة في منطقة رمادية قانونية قد تؤثر على علاقاتها الدولية.
رابعًا: أبعاد سياسية تتجاوز الملف القضائي
1. صراع صلاحيات داخل ليبيا
يسلط ملف الهشري الضوء على: انقسام المؤسسات الليبية بين شرق وغرب، ضعف الدولة في فرض القوانين على الجماعات المسلحة، تأثير الحسابات السياسية على ملف العدالة.
2. ضغط دولي متزايد
المحكمة شددت في تقاريرها الدورية (وخاصة التقرير رقم 29) على ضرورة: دعم المجتمع الدولي لتنفيذ مذكرات التوقيف المعلقة، وفتح المجال أمام المحاكمات المتعلقة بالجرائم ضد المهاجرين والانتهاكات في مراكز الاحتجاز.
3. رسائل إلى القوى المسلحة
عملية التسليم تشكل رسالة مباشرة إلى التشكيلات المسلحة الليبية: لا حماية دولية لمن تورط في جرائم حرب. وإن أفلت بعض المتهمين اليوم، فإن الملاحقة القضائية لا تسقط بالتقادم.
خامسًا: هل يؤدي الملف إلى صدام أم إلى تسوية قانونية؟
حتى الآن، يصرّ مكتب الادعاء على أنه لا يسعى لصدام مع السلطات الليبية، ويؤكد ترحيبه بأي تعاون بهدف إنهاء الإفلات من العقاب. لكن السيناريوهات المحتملة تشمل:
تصاعد التوتر إذا استمرت ليبيا برفض التسليم دون تقديم طعون قانونية.
عودة الضغط الدولي عبر مجلس الأمن لإجبار ليبيا على تنفيذ الالتزامات.
انخراط الحكومة الليبية في مسار قانوني لحماية بعض مسؤوليها عبر الطعن في المقبولية.
إن تسليم الهشري ليس مجرد إجراء قضائي، بل حدث سياسي وقانوني يعيد فتح ملف المحاسبة في ليبيا بعد سنوات من التعطيل. فالخطوة تكشف: هشاشة الموقف الليبي قانونيًا أمام القرارات الدولية، ورغبة المحكمة في إعادة تفعيل ملف الجرائم في السجون ومراكز الاحتجاز، وضغطًا دوليًا متصاعدًا لتقييد نفوذ الجماعات المسلحة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يدفع هذا التطور ليبيا نحو مسار عدالة حقيقية… أم نحو مواجهة سياسية وقانونية جديدة مع المجتمع الدولي؟










