4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

بعد تأثر قضاتها بالعقوبات الأمريكية.. هل يتغير مستقبل المحكمة الجنائية الدولية؟

تظهر العقوبات التي فرضتها واشنطن على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية كأخطر اعتداء مباشر على نظام العدالة الدولية منذ تأسيسه سنة 2002.

بقلم: عمرو المصري
٣ ديسمبر ٢٠٢٥
7 دقائق قراءة
10 مشاهدة
رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني قالت إن الهيئة القضائية لن تقبل أي ضغط من أي نوع كان (الفرنسية)

رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني قالت إن الهيئة القضائية لن تقبل أي ضغط من أي نوع كان (الفرنسية)

تظهر العقوبات التي فرضتها واشنطن على كبار مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية كأخطر اعتداء مباشر على نظام العدالة الدولية منذ تأسيسه سنة 2002. فرغم أن المحكمة هي الهيئة الوحيدة المخوّلة بملاحقة الجرائم الأكثر خطورة—الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية—اختارت أمريكا توظيف قوتها الاقتصادية والسياسية لإسكات القضاة والمدّعين، تحديدًا بعد إصدار مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت على جرائم حرب ارتُكبت بحق الفلسطينيين في غزة.

وتكشف شهادة رئيسة المحكمة القاضية توموكو أكاني، التي أكدت أن العقوبات الأمريكية أثّرت بشكل مباشر على "الحياة الشخصية للقضاة والمستهدفين"، حجم الضرر الفعلي الذي تمارسه واشنطن على عمل مؤسسة يفترض أنها مستقلة وتحظى بحماية القانون الدولي. ورغم ذلك شددت أكاني على أن المحكمة "لن تقبل أي ضغط"، في رسالة صريحة بأن الاستقلالية القانونية باتت مهدَّدة على نحو غير مسبوق.

وفي خلفية هذا المشهد، تتعامل الإدارة الأمريكية مع المحكمة كما لو كانت خصمًا سياسيًا، لا جهة قضائية مستقلة، وهو ما يجعل العقوبات الأخيرة امتدادًا لنهج ثابت يحوّل العدالة الدولية إلى رهينة نفوذ البيت الأبيض.

سلاح العقوبات

استخدمت أمريكا أدواتها المالية والاقتصادية لفرض عقوبات نموذجيّة في القسوة، شملت المدعي العام البريطاني كريم خان ونائبيه وستة قضاة. وبموجب أمر تنفيذي وقّعه الرئيس الحالي دونالد ترامب في 6 فبراير، أصبح هؤلاء ممنوعين من دخول الأراضي الأمريكية، كما جُمّدت أي أصول لهم داخل أمريكا، إضافة إلى توسيع دائرة العقوبات لتشمل أي شخص يشارك أو يساهم في تحقيقات المحكمة.

ويكشف هذا الأمر التنفيذي عن طبيعة العلاقة بين واشنطن والمحكمة: ليست علاقة دولة تدّعي حماية "حقوق الإنسان" و"قيم القانون الدولي"، بل علاقة دولة تستخدم كل أدوات القوة لمنع مساءلة حليفها الاستراتيجي—إسرائيل—عن جرائم موثّقة تتعلق بالتجويع، والتدمير الممنهج للأحياء، واستهداف المدنيين في غزة.

كما يتهم الأمر التنفيذي المحكمة بأنها تتخذ "إجراءات غير قانونية ولا أساس لها ضد أمريكا وحليفتها المقرّبة إسرائيل"، في إشارة إلى التحقيق في جرائم ارتكبها جنود أمريكيون في أفغانستان. بهذا المعنى، تعاقب واشنطن المحكمة لأنها حاولت ببساطة تطبيق القانون على من تعتبرهم أمريكا فوق القانون.

تسييس العدالة الدولية

تؤكد العقوبات الأمريكية أن واشنطن تسعى إلى إعادة صياغة دور المحكمة الجنائية الدولية بحيث تكون أداة لتحقيق مصالحها، لا جهة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الأكثر خطورة. ويأتي ذلك في اللحظة التي أصبحت فيها جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة تحت الضوء العالمي، وتزايدت الضغوط الحقوقية والقانونية للتحقيق فيها.

وفي هذا السياق، يصبح رد واشنطن ليس مجرد موقف سياسي، بل رسالة قانونية مفادها: لن نسمح بمحاكمة إسرائيل، ولن نقبل محاكمة الأمريكيين، وسنؤذي كل من يجرؤ على محاولة فعل ذلك. وهو ما يجعل العقوبات الأمريكية بمثابة إعلان رسمي بأن أمريكا خارج منظومة العدالة الدولية، رغم أنها الأكثر مطالبة بها عندما يتعلق الأمر بخصومها.

وتتزامن هذه التطورات مع التحقيق الداخلي الدائر حول مزاعم الاعتداء الجنسي بحق كريم خان، والذي أدى إلى توقفه عن مهامه. ورغم أنه تحقيق داخلي لا علاقة له بالقضية الفلسطينية، فإن توقيته أثار تساؤلات حول محاولات تفريغ المحكمة من قيادتها بالتوازي مع الضغوط الأمريكية.

دعم دولي متزايد

في مقابل الضغط الأمريكي، برز موقف أوروبي لافت. فقد عبّر وزير العدل الفرنسي جيرالد دارمانان عن "التزام فرنسا الراسخ" تجاه المحكمة، وندد بالإجراءات "القسرية غير المقبولة" التي تستهدف القضاة. وأكد الاتحاد الأوروبي، عبر ممثلة الدنمارك، دعمه القوي للمحكمة في مواجهة التهديدات والعقوبات.

وفي فبراير الماضي، أعلنت 79 دولة دعمها للمحكمة، محذّرة من "خطر الإفلات من العقاب". هذا الدعم يعكس إدراكًا عالميًا بأن ما يجري يتجاوز غزة، ويتعلق بمستقبل النظام القانوني الدولي ذاته.

لكن ورغم هذا الدعم، لا تزال واشنطن قادرة على شلّ المحكمة ماليًا وسياسيًا، في ظل غياب آليات فعّالة لحماية الهيئات القضائية الدولية من الضغط الذي تمارسه القوى الكبرى.

هل يتغير مستقبل المحكمة؟

تكشف هذه المواجهة أن المحكمة الجنائية الدولية تقف اليوم أمام مفترق طرق. فإما أن تُثبت قدرتها على مواجهة دولة بحجم أمريكا، أو تتحول إلى مؤسسة ضعيفة غير قادرة على تنفيذ ولايتها عندما يتعلق الأمر بالدول الأقوى عسكريًا وسياسيًا.

وتعكس العقوبات الأمريكية حقيقة مريرة: القانون الدولي مُباح تطبيقه فقط على الدول الضعيفة أو غير الحليفة للغرب. أما حين يتعلق الأمر بإسرائيل—التي تخضع لتحقيقات واسعة حول المجازر في غزة—فإن واشنطن مستعدة لهدم جزء من النظام القانوني العالمي نفسه لحمايتها.

ولهذا، فإن مستقبل المحكمة يعتمد على ثلاثة عوامل مركزية:

قدرتها على الصمود أمام الضغط الأمريكي،

وإصرار الدول الأعضاء على دعمها ماليًا وسياسيًا،

وإرادتها في المضي قدمًا في إصدار مذكرات توقيف وتنفيذها، حتى لو كان ذلك ضد قادة محميين من قوى عظمى.

وإذا فشلت المحكمة في هذه المهمة، فإن رسالتها للعالم ستكون واضحة: العدالة الدولية ليست سوى أداة انتقائية، تستخدم ضد البعض وتحمي البعض الآخر. وهذا تحديدًا ما تريده واشنطن، التي لا تخشى من انهيار مؤسسات القانون الدولي بقدر ما تخشى من محاكمة إسرائيل على جرائمها في غزة.

ماذا يعني رد واشنطن قانونيًا؟

تعمل واشنطن اليوم على إعادة رسم حدود ما يمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تفعله، بحيث تبقى عاجزة عن محاسبة إسرائيل مهما ارتكبت من جرائم موثقة في غزة منذ أكتوبر 2023. والخطر الأكبر أن ينجح هذا المسار في تحويل المحكمة إلى مؤسسة بلا أنياب، تُطبّق القانون حين تسمح أمريكا، وتتوقف حين تعترض.

قانونيًا، تنطوي العقوبات الأمريكية على عدة دلالات خطيرة:

اعتداء مباشر على استقلال القضاء الدولي
فالعقوبات تستهدف قضاة ومسؤولين أدّوا واجبهم القانوني بناءً على أدلة وتحقيقات، وهو تدخل غير مسبوق في عمل هيئة قضائية مستقلة.

إضعاف آليات المساءلة الدولية
إذ تهدد العقوبات بإغلاق مكاتب المحكمة في بعض الدول، وتعطيل عملها الميداني، وتقليص قدرتها على جمع الأدلة والتحقيق.

تقويض مبدأ عالمية القانون الدولي
فغياب أمريكا وإسرائيل عن عضوية المحكمة لا يعطيهما حق مهاجمة مؤسسة دولية لمجرد أنها تلاحق جرائم موثقة.

تحويل القانون الدولي إلى أداة انتقائية
إذ تُرسل واشنطن رسالة واضحة بأن العدالة الدولية غير مسموح بتطبيقها على الحلفاء، وبالتالي تصبح المساءلة مرتبطة بالقوة لا بالقانون.

حماية فعلية للإبادة الجارية في غزة
فالعقوبات ليست مجرد اعتراض سياسي، بل هي حماية قانونية وسياسية لمرتكبي جرائم حرب، وتعطيل للآليات التي تحاول توثيق المجازر ومحاسبة مسؤوليها.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال الحقيقي: هل يمكن للمجتمع الدولي حماية المحكمة من أمريكا، قبل أن يفقد العالم آخر أداة قادرة على كشف الجرائم الإسرائيلية ومحاسبتها؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

بعد تأثر قضاتها بالعقوبات الأمريكية.. هل يتغير مستقبل المحكمة الجنائية الدولية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°