تشهد غزة واحدة من أخطر أزماتها الإنسانية مع النقص الحاد في الوقود الذي تعتمد عليه المرافق الصحية والخدمات الأساسية. فمع اشتداد الحصار وتعطل المعابر ومنع دخول إمدادات الطاقة، أصبحت المستشفيات ومراكز الإيواء في مواجهة مباشرة مع انهيار وشيك يهدد حياة مئات الآلاف، ويضع المنظمات الدولية أمام واقع غير مسبوق من استنزاف القدرات الطبية والإنسانية في القطاع.
مستشفيات تعمل على حافة الانقطاع
تعتمد المنظومة الصحية في غزة بشكل شبه كامل على الوقود لتشغيل المولدات الكهربائية، بعد تدمير الشبكات العامة وفقدان القدرة على توفير طاقة مستقرة. ومع نفاد المخزون الاحتياطي، بدأت المستشفيات تستخدم آخر ما تبقى من الوقود لتشغيل أقسام حيوية فقط، بينما جرى إيقاف خدمات أخرى بالكامل.
ووفق وزارة الصحة، فإن المستشفيات تعمل اليوم بـ"قدرة قصوى غير قابلة للاستمرار"، إذ تتعرض أقسام العناية المركزة وحضّانات الأطفال وغرف العمليات لخطر الإغلاق، في وقت يتزايد فيه عدد الجرحى والمصابين. وقد حذّرت منظمة الصحة العالمية مرارًا من أن “أي توقف للكهرباء ولو لدقائق يعني وفاة مرضى يعتمدون على أجهزة التنفس الصناعي أو الأطفال الخدّج في الحضّانات”.
كما أشارت المنظمة في بيانات سابقة إلى أن الوضع الصحي في غزة “يقترب من الانهيار التام”، وأن المستشفيات فقدت أكثر من 60% من طاقتها التشغيلية نتيجة نقص الوقود وتدمير البنى التحتية. وفي تقارير أخرى أكدت أن "الأطباء باتوا يعملون في ظروف بدائية"، بسبب توقف أجهزة الأوكسجين وغسيل الكلى والتعقيم.
مراكز الإيواء: حياة عشرات الآلاف معلّقة بقطرة وقود
لا تقتصر آثار أزمة الوقود على المستشفيات فحسب، بل تمتد إلى مراكز الإيواء التي تحتضن مئات الآلاف من النازحين. هذه المراكز تعتمد هي الأخرى على الوقود لتشغيل مولدات الكهرباء التي تؤمّن الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، كتشغيل مضخات المياه ومحطات الصرف الصحي داخل المدارس والمخيمات.
وقد حذرت الأونروا في بيانات سابقة من أن نقص الوقود يهدد “بتفشي الأمراض بصورة غير قابلة للسيطرة” نتيجة تعطّل محطات تحلية المياه والمرافق الصحية. ومع غياب الكهرباء، تتكدس النفايات وتتوقف شبكات الصرف الصحي، ما يؤدي إلى انتشار الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز الهضمي بين الأطفال. كما أشارت المنظمة إلى أن انقطاع الوقود يعني أيضًا “تعطل شاحنات جمع النفايات، وتعطّل خطوط الإمداد للمناطق المكتظة بالنازحين”.
أضف إلى ذلك أن مراكز الإيواء باتت تعتمد على القليل من الوقود المتاح لتشغيل وحدات الإنارة الأساسية، وهو ما يمثل عنصرًا ضروريًا للسلامة داخل هذه الأماكن المزدحمة التي تضم أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال.
تحذيرات الصليب الأحمر والمنظمات الطبية
خلال الأسابيع الماضية، أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر سلسلة تحذيرات من أن تراجع مخزون الوقود سيؤدي إلى “شلل كامل” في القطاع الصحي. وقالت مسؤولة الإعلام في اللجنة، أماني الناعوق، إن الوضع الحالي يجعل “تشغيل المستشفيات أمرًا بالغ الصعوبة”، مؤكدة أنه لا يمكن العمل في غرف العمليات أو وحدات العناية دون تشغيل المولدات.
كما أشارت اللجنة إلى أن نقص الوقود يعقّد أيضًا عمليات البحث وانتشال جثامين الشهداء من تحت الركام، وهي عمليات تتطلّب معدات ثقيلة لا تعمل دون إمدادات طاقة. وأوضحت أن آلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أحبائها، وأن الوقود عنصر أساسي لاستمرار هذه العمليات الإنسانية الحساسة.
الحصار والسياسة: جذور الأزمة تتجاوز الجانب اللوجستي
لا يمكن فهم أزمة الوقود بمعزل عن السياق السياسي المرتبط بالمعابر وسياسات الحصار. فمنذ سيطرة الاحتلال على معبر رفح في مايو 2024 وتقييد حركة معبر كرم أبو سالم، أصبح إدخال الوقود خاضعًا بالكامل للقرار الإسرائيلي، حيث يتم السماح بكميات محدودة لا تغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية والإنسانية.
وقد أكدت الأمم المتحدة سابقًا أن منع دخول الوقود يمثل “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني”، لأنه يهدد حياة المدنيين ويحول المستشفيات ومراكز الإيواء إلى أماكن غير صالحة للحياة. كما أشارت تقارير أممية إلى أن أي فتح محدود للمعابر، مثل فتح معبر رفح لخروج الأفراد فقط، لا يسهم في معالجة جذور الأزمة الصحية.
انهيار متسلسل يخنق القطاع الصحي والإنساني
تكشف المؤشرات الحالية أن نقص الوقود يقود إلى انهيار متسلسل، بدأ بتعطّل المولدات داخل المستشفيات، ويصل إلى شلل خدمات المياه والصرف الصحي في مراكز الإيواء، ويتطور إلى انتشار الأمراض وارتفاع الوفيات.
ومع انعدام قدرة المنظمات الدولية على إدخال إمدادات كافية، وغياب حل سياسي يسمح بفتح المعابر بشكل دائم، باتت صحة السكان في غزة مهددة على مستوى شامل يشمل المرضى والنازحين على حد سواء.
إن الأزمة الراهنة لا تُعد أزمة تقنية أو ظرفًا عابرًا، بل هي أزمة سياسية وإنسانية مركبة تضرب أسس الحياة في القطاع. وما لم يتحرك المجتمع الدولي للضغط من أجل إدخال الوقود بشكل عاجل وكامل، فإن غزة ستشهد كارثة صحية متصاعدة لن يكون من السهل احتواؤها في المدى القريب.










