استغل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مناسبة "يوم ذوي الإعاقة" ليقدم رؤية سياسية واجتماعية واسعة تضع ملف الإعاقة في قلب مشروعه السياسي الأكبر: "القرن التركي". ويكشف تأكيده على تحويله إلى "قرن تركي بلا عوائق" عن محاولة واضحة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والفئات المهمشة، عبر تقديم خطاب يقوم على الدمج والمشاركة وتوسيع الهوية الوطنية لتشمل الجميع دون استثناء. ويركز الرئيس على بناء سردية تربط بين الرفاه الاجتماعي وبين الإرث الحضاري للدولة، حيث يجري تقديم الرعاية الاجتماعية لا كسياسة حكومية فحسب، بل كامتداد لـ"الرحمة" و"الإنسانية" في الثقافة التركية عبر قرون طويلة.
ويستدعي أردوغان في كلمته رموزًا تاريخية ودينية، من التصوف إلى السلاطين العثمانيين، ليدعم بها مشروعه السياسي المعاصر. هذا التكثيف المرجعي ليس مجرد بلاغة خطابية، بل جزء من محاولة لربط الإصلاحات الاجتماعية الحالية بجذور تاريخية تُضفي عليها شرعية ثقافية. وبتأكيده على أن الإنسان هو محور الدولة، يضع ملف الإعاقة ضمن منظومة أخلاقية وطنية يتعهد النظام الحاكم بالاستمرار في خدمتها.
تحويل الملف إلى سياسة دولة
يشدد أردوغان على أن سياسات ذوي الإعاقة تحولت من مبادرات جزئية إلى "سياسة دولة" بُنيت على إصلاحات قانونية ومؤسساتية واسعة خلال العقدين الماضيين. وبحسب ما عرضه في خطابه، فإن هذه التحولات تشمل التعليم الشامل، ورفع نسب التوظيف، وتوسيع مراكز الرعاية، وتطوير البنية القانونية التي تمنع التمييز وتضمن الحقوق الدستورية.
ويظهر من تفاصيل الخطاب أن أنقرة تحاول تقديم هذا الملف كأحد أكثر مسارات الحُكم نجاحًا منذ عام 2002، عبر أرقام ضخمة حول مضاعفة أعداد العاملين من ذوي الإعاقة في القطاع العام، وزيادة خدمات الرعاية المنزلية، وتوسيع الشبكات المجتمعية ومراكز التدريب. ويعطي الرئيس أهمية خاصة للإستراتيجيات الجديدة، وعلى رأسها "رؤية تركيا بلا عوائق 2030"، التي تصوغ أهدافًا طويلة المدى تمتد حتى العقد المقبل، بما يعكس رغبة الحكومة في تثبيت هذا الملف ضمن التخطيط الوطني المستقبلي.
توسيع الشرعية السياسية
يحمل الخطاب بعدًا سياسيًا واضحًا، إذ يستخدم أردوغان ملف ذوي الإعاقة كأداة لتعزيز صورته كرئيس قريب من الفئات الهشة، وكزعيم يقدم خدمات اجتماعية تمس الحياة اليومية للمواطنين. ومن خلال التأكيد المتكرر على "العمل بالحب والإخلاص" و"عدم ترك أي قلب مكسور"، يُعاد تقديم مشروع العدالة والتنمية بوصفه مشروعًا أخلاقيًا بقدر ما هو سياسي، يربط الاستقرار السياسي بالعدالة الاجتماعية.
كما يشير الرئيس إلى أن الإنجازات التي تحققت ليست منّة حكومية بل جزء من هوية تركيا الحديثة، وهو خطاب يعيد موضعة ولاء ذوي الإعاقة وعائلاتهم داخل النسيج السياسي العام المؤيد للحزب الحاكم. وفي هذا السياق، يقدم أردوغان نفسه كضامن لاستمرار هذه السياسات، عبر وعد واضح: "سنواصل دعمكم بأقوى ما نستطيع".
التاريخ كأداة للشرعنة
أحد أبرز عناصر الخطاب هو استدعاء التاريخ العثماني كإطار ثقافي يشرعن السياسات الاجتماعية الحالية. فالإشارة التي يقدمها الرئيس إلى المدارس العثمانية، ورعاية الدولة للمرضى وذوي الإعاقة، وإسهامات العلماء والقادة الأتراك عبر القرون، تأتي في سياق بناء سردية تقول إن تركيا الحديثة ليست بصدد تبني نموذج غربي للرعاية الاجتماعية، بل تستعيد نموذجًا أصيلًا في حضارتها. وهذا التوظيف السياسي للتاريخ يهدف إلى تعزيز الشعور بالفخر الوطني وربط الإصلاحات الاجتماعية بسلسلة طويلة من الممارسات الإنسانية في الذاكرة التركية.
ويهدف هذا الإطار الخطابي إلى خلق شعور بأن دعم ذوي الإعاقة ليس خيارًا أو سياسة حكومية، بل "قدرًا ثقافيًا" للدولة التركية، الأمر الذي يعزز مكانة الحكومة لدى القاعدة المحافظة، ويقدم مشروع "القرن التركي" بوصفه استمرارية طبيعية لمسار حضاري طويل.
إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع
في جوهره، يعكس الخطاب محاولة لصياغة صورة جديدة للدولة الاجتماعية في تركيا؛ دولة تسعى إلى تحويل الفئات الضعيفة من متلقّي رعاية إلى مواطنين فاعلين ومشاركين في التنمية. ويركز الرئيس على محورين: التمكين عبر التعليم والعمل، والدمج المجتمعي عبر الرعاية والدعم اليومي. ويرى أردوغان أن مشاركة ذوي الإعاقة في الحياة الاقتصادية جزء من بناء "تركيا قوية"، وليست مجرد خدمة ذات طابع إنساني.
ويُفهم من ذلك أن أنقرة تحاول عبر هذا الملف كسب شرعية اجتماعية واسعة، وربط سياسات الرعاية بمشروع الهوية الوطنية الشاملة، بما يعزز تماسك المجتمع حول رؤية سياسية تقودها الحكومة الحالية. كما يشير إلى أن ملف الإعاقة بات أحد أهم الأدوات التي تستخدمها الدولة لترسيخ النموذج الاجتماعي الذي تسعى إلى تثبيته خلال "القرن التركي".










