يأتي اليوم العالمي لذوي الإعاقة هذا العام تحت شعار الأمم المتحدة: «حلول تحويلية من أجل تنمية شاملة: دور الابتكار في خلق عالم يسهل الوصول إليه ومنصف». لكن في غزة والسودان، اللتان تحملان جراحًا لا تتوقف – تقف في الضفة الأخرى من العالم، حيث لا مكان للابتكار سوى محاولة النجاة اليومية. فقد جعلت حرب الإبادة الإسرائيلية في غزة، والحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023، من الإعاقة جماعية ومتراكمة، ليس بصفتها حالة فردية، بل نتيجة مباشرة للقصف والتهجير وسحق البنية الصحية. وفي حين تحتفي دول العالم بالدمج، يتعامل عشرات الآلاف من أبناء غزة والسودان مع فقدان أطرافهم، وفقدان أسرهم، وفقدان القدرة على التنقل، في غياب كامل لمنظومة التأهيل.
وفي السودان وغزة معًا، تختفي كل معاني الاحتفاء الأممي، إذ يعيش آلاف المبتورين في ظروف قاسية خلفتها آلة الحرب. ومع الضغط الدولي الهش، تتحوّل هذه المناسبة العالمية إلى كشف إضافي لعمق الفجوة بين الخطاب الأممي والواقع الميداني، حيث يتم استبدال كلمة “حلول” بمحاولة معرفة كيفية البقاء على قيد الحياة بعد أن حُوِّل الجسد إلى ساحة إصابات دائمة.
غزة وكارثة مبتوري الأطراف
أطلقت منظمة «أطباء ضد الإبادة الجماعية» الأمريكية بيانًا شديد اللهجة، دعت فيه العالم إلى الالتفات إلى الكارثة الإنسانية الآخذة بالاتساع في قطاع غزة، مؤكدة أن أكثر من 6,000 مبتور يعيشون اليوم دون أي نظام تأهيل فعّال. وأوضحت المنظمة أن واحدًا من كل أربعة مبتورين هو طفل، ما يجعل الإعاقة في غزة ليست “حدثًا فرديًا” بل نتيجة منهجية للعنف الإسرائيلي المنهجي.
وتشير المنظمة إلى أن الناجين يواجهون صدمات نفسية هائلة وإصابات كارثية، إضافة إلى النزوح القسري وفقدان الأسر، بينما تفتقر غزة نهائيًا إلى الخدمات العلاجية المتخصصة أو الدعم النفسي. وأكدت أن إعادة التأهيل حق إنساني أصيل، وأن حرمان الفلسطينيين منه جريمة مستمرة، مطالبة المجتمع الدولي بتوفير وصول فوري للأطراف الصناعية، والدعم النفسي، وحماية الأشخاص ذوي الإعاقة بموجب القانون الدولي، وتفعيل آليات المساءلة ضد من تسببوا في هذه الإعاقات واسعة النطاق.
أرقام مفزعة
في بيان رسمي بمناسبة اليوم العالمي للإعاقة، قدّمت وزارة الصحة الفلسطينية صورة أكثر قسوة عمّا يجري. فقد سجّلت الوزارة 6,000 حالة بتر تحتاج إلى برامج تأهيل عاجلة وطويلة الأمد، مؤكدة أن 25% من مجموع حالات البتر هم من الأطفال الذين يواجهون إعاقات دائمة في عمر مبكر. وتحدث البيان عن معاناة إنسانية غائرة يعيشها الجرحى وعائلاتهم، في ظل غياب العلاج المتخصص وانهيار الخدمات الطبية بالكامل.
وأضافت الوزارة أن الحاجة إلى خدمات الدعم النفسي والاجتماعي أصبحت ضرورة عاجلة، وأن آلاف الجرحى يواجهون حياة يومية غير قابلة للعيش. ودعت الوزارة المنظمات الدولية إلى تحمّل مسؤولياتها، في ظل استمرار القصف، والحصار، ونقص الأدوية، وتدمير مراكز الأطراف الصناعية. فالجرحى – كما تقول الوزارة – لا يواجهون فقط فقدان أطرافهم، بل يعيشون في بيئة تفتقد أدنى شروط الحياة الصحية.
نساء بلا حماية
نظّمت شبكة «الأجسام الممثلة للإعاقة» مؤتمرًا أمام مركز الأطراف الصناعية في غزة، شارك فيه عشرات من ذوي الإعاقة والبتر. وعلى الرغم من البساطة الظاهرة، حمل المؤتمر صرخة احتجاج على ما وصفه المشاركون بـ«الإبادة المستمرة التي مزّقت الجسد الفلسطيني». حمل الرجال والنساء ملفاتهم الطبية وصور أطرافهم المبتورة في محاولة لإيصال صوتهم إلى عالم، كما يقولون، يتجاهل نزيفهم منذ أكثر من عامين.
وتؤكد أماني الحداد، رئيسة قسم العلاج الطبيعي في المركز، أن النساء ذوات الإعاقة هن الفئة الأكثر تضررًا. فإلى جانب فقدان القدرة على الحركة في بيئة مدمّرة بالكامل، تعيش النساء داخل مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الخصوصية، وتُحرمن من الرعاية الطبية اللازمة بسبب غياب الطواقم النسائية المختصة. وتوضح الحداد أن كثيرًا من النساء يفقدن قدرتهم على الوصول إلى الأطراف الصناعية أو أدوات المساعدة بسبب تدمير المركز ونقص المواد، فيما تتفاقم أوضاعهن مع مشاق النزوح القسري وقطع مسافات طويلة على أطراف متضررة، مما يؤدي إلى تدهور البتر والإصابات الجلدية.
بلسم.. جرح العمر السابع عشر
من بين الشهادات التي خيّمت على المؤتمر، كانت قصة بلسم مصطفى، الفتاة البالغة من العمر سبعة عشر عامًا، والتي استعانت بعكاز معدني بينما تقف على مقربة من المنصة. أصيبت أثناء استهداف منزلها، فبُترت قدمها اليمنى، وتحوّلت أحلامها الدراسية إلى صراع طويل مع الألم. تقول بلسم بصوت ثابت رغم الحزن: “فقدتُ نصف حياتي في لحظة واحدة. كنت أستعد لامتحانات الثانوية العامة، أرتب مستقبلي، وفجأة وجدت نفسي عاجزة عن الذهاب إلى المدرسة”.
وتضيف أنها باتت عاجزة عن الوصول إلى مقاعد الدراسة دون من يساعدها، وأن كل حركة أصبحت معركة جديدة. ومع ذلك، تصرّ على مواصلة تعليمها مهما كان الطريق طويلًا. ورغم الدعم العائلي، فإن انقطاع جلسات العلاج الطبيعي بسبب دمار المراكز وغياب الخبراء جعل حالتها تتدهور، بينما تبقى إرادتها وحدها السند الوحيد أمام عجز طبي يزداد سوءًا.
فاطمة.. سجينة الجسد
قصة أخرى تتصدر الوجع هي قصة فاطمة الحلولي، التي كانت تعتمد على طرف صناعي لقدَمها اليسرى منذ طفولتها. ومع نزوحها القسري في 7 نوفمبر 2023، اضطرت للهرب دون أن تتمكن من ارتداء الطرف الصناعي. عكازها الخشبي لم يصمد أمام القصف والطريق الوعرة، فيما بقي طرفها الصناعي داخل منزلها المدمّر. تقول فاطمة: “خرجت أحمل روحي فقط. وبعد ساعات انهار كل شيء من حولي”.
اليوم، تعيش فاطمة في خيمة مهترئة وتعاني عجزًا شبه تام عن الحركة بعد أن فقدت إمكانية الحصول على طرف بديل. تقول بحرقة: “أشعر بأنني سجينة داخل الجسد. غزة بلا منظومة صحية، بلا علاج طبيعي، بلا أطباء. لم أستطع الوصول إلى المستشفى لمدّة عامين”. وتكشف قصتها – كما قصص أخريات – كيف تستهدف الإعاقة النساء بشكل مضاعف داخل بيئة صحية واجتماعية منهارة بالكامل.
أطفال تحت الركام
الطفلة سيرين، ذات السنوات الست، حلمها الوحيد الحصول على طرف صناعي لتعود للعب مع صديقاتها في الروضة. حضرت سيرين فعالية صغيرة في مركز الأطراف الصناعية، حيث حاول المنظمون تخفيف الألم عن الأطفال عبر الأنشطة الترفيهية البسيطة. حملت سيرين لافتة كتبت عليها: “نعيش حياة مأساوية… من حقنا العيش بكرامة”. حلمها – كما قالت – أن “تجري مثل باقي الأطفال”.

أما الطفل فؤاد، الذي فقد ذراعه، فكان يلوّح بذراعه الصناعية للكاميرا بابتسامة متعبة. يقول إنه لم يعد قادرًا على حمل قربتين من الماء، بل واحدة فقط، وإن حياته أصبحت مليئة بالصعوبات في الاستحمام والدراسة واللعب. والطفل عاصف – الذي بُترت ذراعه اليسرى – لم يستطع إخفاء يأسه: “لا أستطيع اللعب أو ركوب الدراجة أو حمل المياه… أبقى في المنزل”.
معاناة تمتد لسنوات
يقدّم شادي ظهير، الأب لخمسة أبناء، شهادة مختلفة لكنها تكمل الصورة. فقد ساقيه في حرب 2008، ويؤكد أن ذوي الإعاقة كانوا يعانون حتى قبل الحرب الحالية بسبب ضعف البنية التحتية. واليوم، يقول شادي إن الوضع أصبح كارثيًا بمراحل، إذ يعيش الناس في خيام ويعانون للحصول على المياه ومواجهة المطر والشتاء وسوء الطرقات والمواصلات. ويشير إلى أن فقدان الأطراف في غزة لم يعد حدثًا نادرًا، بل أصبح جزءًا من الحياة اليومية.
ويشرح حسني مهنا، مسؤول الإعلام في مركز الأطراف الصناعية، أن الدمار الهائل الذي خلّفته إسرائيل طال كل شيء: الطرق، المنازل، شبكات المياه والصرف الصحي، المرافق الخدمية، ما يفاقم معاناة ذوي البتر ويحرمهم من أبسط حقوق التأهيل. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 42,000 شخص أصيبوا إصابات غيرت مجرى حياتهم، وأن ربع الإصابات بين الأطفال، وهو رقم يكشف بوضوح حجم الفظائع.
دعوات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
في ختام الفعاليات، طالب المشاركون بفتح ممرات آمنة لإخلاء الجرحى، وتوفير أطراف صناعية عاجلة، وإعادة تأهيل المراكز الصحية، وضمان وصول النساء والأطفال ذوي الإعاقة إلى بيئات علاجية تحفظ كرامتهم. وأكد المنظمون أن استمرار الإبادة يجعل إعادة التأهيل شبه مستحيلة، وأن تجاهل هذه الفئة هو امتداد لجريمة تُمارس بحق الجسد الفلسطيني منذ سنوات.
السودان: إعاقات تتسع في صمت
يدخل السودان اليوم العالمي لذوي الإعاقة وقد تحوّل إلى واحدة من أكبر بؤر الطوارئ على مستوى العالم، بعدما أدى الصراع المستمر منذ أبريل 2023 إلى أزمة إنسانية غير مسبوقة. وبحسب تقارير أممية، فإن 30.4 مليون سوداني سيحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في 2025، وهي زيادة قدرها 23% عن العام السابق، وتعبّر عن عمق الانهيار وتلاشي شبكات الرعاية. ويعكس هذا الرقم وحده اتساع رقعة الإصابات والإعاقات والفقر الصحي، حيث أصبح الوصول إلى العلاج ذاته مهمة محفوفة بالخطر نتيجة العنف المتواصل.

وتشير البيانات الميدانية إلى أن الإعاقات الجسدية الناتجة عن الأسلحة التقليدية، القصف الجوي، الألغام، وإصابات العمود الفقري تمثل نسبة متزايدة من الإصابات، لكن حصرها أصبح شبه مستحيل. فالمستشفيات مدمّرة، والطرق مقطوعة، وفرق الرصد تشتغل في ظل تهديد مباشر. ما يجعل الأرقام المتاحة أقل بكثير من الواقع، بينما تستمر الإعاقات في التراكم بصمت داخل مخيمات النزوح، والمناطق المحاصرة، ووسط المحافظات التي تشهد القتال.
إصابات تتجاوز التقدير
تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى تسجيل أكثر من 7,370 إصابة مرتبطة بالصراع حتى ديسمبر 2024، مع تحذيرات من ازدياد العدد خلال 2025 نتيجة التصعيد في ولايتي الجزيرة ودارفور. وتتضمن هذه الإصابات حالات متعددة تؤدي غالبًا إلى إعاقات دائمة مثل الشلل وبتر الأطراف والإصابات الدماغية، بينما تبقى القدرة على متابعة الحالات شبه معدومة بسبب غياب الخدمات المتخصصة وانهيار الاتصال بين المرافق الصحية.
أما اللجنة الدولية للصليب الأحمر، فقد أعلنت أنه تم إدخال 19,506 جرحى سلاح إلى المستشفيات بين يناير ويونيو 2025 فقط، وهو رقم هائل يعكس اتساع نطاق العنف. وتؤكد المنظمة أن كثيرًا من هذه الإصابات تستلزم عمليات جراحية معقدة قد تنتهي ببتر أطراف أو إعاقات حركية طويلة الأمد، لكن غياب سجلات دقيقة للبتر يجعل الصورة غير مكتملة. ورغم ذلك، تبقى المؤشرات واضحة: السودان يقترب من مرحلة يصبح فيها كل رقم معلن جزءًا صغيرًا من جبل ضخم من الإصابات غير الموثّقة.
أطفال يدفعون الثمن
تكشف تقارير آلية المراقبة الأممية عن أكثر من 900 انتهاك جسيم ضد الأطفال بين يونيو وديسمبر 2024، بينها 80% قتل أو تشويه أدى إلى إعاقات جسدية مباشرة. ويعني ذلك أن نحو 720 طفلًا تعرضوا لإعاقات خلال ستة أشهر فقط، وهو رقم صادم يكشف حجم العنف الذي يصيب الصغار في بلد تنهار فيه أبسط آليات الحماية. وتؤدي هذه الإصابات إلى فقدان أطراف، أو إصابات دماغية، أو إعاقات في الحركة، فيما يعاني الأطفال من غياب العلاج الطبيعي وإعادة التأهيل.

وفي مخيمات النزوح داخل السودان وخارجه، تتضاعف الأزمة بسبب الجوع. إذ تشير تقارير اليونيسف إلى أن واحدًا من كل ثلاثة أطفال في مخيمات مثل شرق تشاد والجنينة مصاب بسوء تغذية حاد، ما يزيد من خطر الإعاقات التنموية مثل التأخر العقلي أو الجسدي. ويبلغ عدد الأطفال تحت سن الخامسة المعرّضين لسوء التغذية الحاد 3.2 مليون طفل في 2025، بينهم 770,000 حالة شديدة. وتمثل هذه الأرقام تهديدًا مباشرًا لجيل كامل قد ينشأ بإعاقات مرتبطة بالجوع، لا الحرب فقط.
مرافق مدمّرة بلا بديل
تزامنًا مع ارتفاع الإصابات، يتواصل الانهيار غير المسبوق في المرافق الصحية، حيث تؤكد بيانات المراقبة الصحية أن 38% من وحدات تقديم الخدمات الطبية إما تالفة بالكامل أو غير عاملة حتى ديسمبر 2024. ويشمل ذلك مراكز إعادة التأهيل والعلاج الطبيعي، وهي أساسيات لا يمكن أن يستغني عنها المصابون بإعاقات. وتعرض القطاع الصحي منذ أبريل 2023 إلى 542 هجومًا على منشآت رعاية صحية، أدت إلى 317 وفاة و273 إصابة بين العاملين والمرضى، ما أدى عمليًا إلى شلل كامل في قدرته على تقديم الخدمات.
ولا تعمل اليوم سوى 14% من المستشفيات بطاقة مقبولة، بينما تبقى الغالبية خارج الخدمة نتيجة القصف المباشر، ونهب الأجهزة، وانهيار الكهرباء والوقود. ويجعل ذلك الوصول إلى الأطراف الصناعية أو العلاج الطبيعي مهمة شبه مستحيلة، خاصة في المناطق المتضررة في دارفور والخرطوم والجزيرة. وتحوّلت الإعاقة في السودان إلى عبء مضاعف: إصابة لا تجد من يعالجها، ثم إعاقة لا تجد من يعيد تأهيلها.
آمنة.. الطفولة فوق ساق واحدة
تمثل قصة آمنة آدم، ذات الأربعة عشر عامًا من مدينة الجنينة بغرب دارفور، واحدًا من أبرز الوجوه الإنسانية للمأساة. فقدت آمنة ساقها بعدما انفجرت قذيفة في سوق المدينة في أغسطس 2024، وكانت تبيع الخضار مع والدتها قبل لحظات من الانفجار. اليوم، تعيش في مخيم أدري بتشاد، حيث تتنقل بالعكازات فوق أرض ترابية لا تصلح لحركة ذوي الإعاقة. وتجلس على التراب أثناء الدراسة لعدم توفر كراسٍ أو أدوات مساعدة.
وتقول آمنة في شهادة نقلتها تقارير إعلامية: «أريد أن أعود إلى المدرسة، لكن الطريق مليء بالألغام». وتكشف كلماتها حجم الخوف اليومي الذي تعيشه، فالمسافة القصيرة داخل المخيم قد تعني مواجهة حفر أو شظايا أو طرق غير ممهدة تزيد من تدهور حالتها. وتعاني آمنة من غياب العلاج الطبيعي، ومن ندرة الأطراف الصناعية، إذ تتطلب حالتها طرفًا متخصصًا غير متوفر في المخيم، بينما يستمر النزوح ويبتلع كل محاولات العلاج.
عبد الرحمن.. جسد صغير يزحف للحياة
في ولاية الجزيرة التي شهدت تصعيدًا واسعًا في 2025، يمثل عبد الرحمن، البالغ من العمر سبعة أعوام، وجهًا آخر لمعاناة ممتدة. أصيب الطفل بشلل جزئي بعدما تسبب القصف في إصابة بعموده الفقري، ولم ينجح الأطباء في تثبيت الفقرات بسبب تأخر وصوله إلى المستشفى بعد ساعات طويلة من الحصار. اليوم، يزحف عبد الرحمن للوصول إلى مدرسة مؤقتة أنشأها متطوعون وسط أنقاض المنازل، في ظل غياب كامل لحملات التلقيح والرعاية الصحية الأساسية.
وتحذر منظمات طبية من أن حالته تحتاج إلى علاج طبيعي مكثف لمنع تدهور الإعاقة، لكن جميع مراكز التأهيل في المنطقة متوقفة عن العمل. وتبقى أسرته عاجزة عن نقله إلى مدينة أخرى بسبب القتال وإغلاق الطرق. ورغم صغر سنه، يعي عبد الرحمن صعوبة واقعه، إذ يقول – وفق شهادات ميدانية – إنه “يخاف من السقوط أثناء الزحف”، فيما تصارع أسرته لتوفير له أبسط أدوات المساعدة التي لم تعد موجودة في الأسواق منذ أشهر.
فاطمة.. ترى الحرب ولا ترى الطريق
في مدينة الفاشر التي تعيش حصارًا ممتدًا منذ أكثر من خمسمائة يوم، فقدت فاطمة، ذات الاثني عشر عامًا، جزءًا من بصرها إثر شظايا أصابتها خلال هجوم في نوفمبر 2025. وتعيش اليوم في مخيم نزوح داخل المدينة، حيث تعتمد على اللمس في تحركاتها اليومية، وتسير بخطوات حذرة خوفًا من اصطدامها بالحجارة أو الأسلاك أو الحفر. ومع غياب اختصاصيي الإبصار والعلاج، تحاول فاطمة التأقلم بمفردها مع واقع لم يختره أحد من أطفال الفاشر.
وتوضح تقارير اليونيسف أن حالتها ليست استثناءً، بل واحدة من سلسلة إصابات في العيون بين الأطفال نتيجة القصف والشظايا ونقص العلاج الفوري. وتحتاج فاطمة إلى علاج بصري وإعادة تأهيل عاجلة، لكن الحصار يمنع دخول الأجهزة الطبية اللازمة أو خروج الحالات إلى مناطق أكثر أمانًا. وبين الخوف من الهجمات ونقص الرعاية، تحاول الأسرة أن تبقي على قدرتها على النظر، ولو جزئيًا، وسط حرب تسرق ضوء العيون قبل أن تسرق الطفولة.
أصوات تطالب بالحماية
في ظل هذه الحقائق القاسية، تطالب المنظمات الإنسانية بفتح ممرات آمنة لنقل المصابين، وتوفير أطراف صناعية وبرامج تأهيل نفسي وجسدي للأطفال والبالغين معًا. وتشدد الجهات الطبية على ضرورة إعادة تشغيل المرافق الصحية المدمّرة، وضمان حماية الطواقم الطبية، ومحاسبة المتورطين في الهجمات التي حولت المستشفيات إلى أهداف. وبينما تتزايد الإعاقات، يبقى السودان في أمسّ الحاجة إلى استجابة دولية جادة توقف النزيف وتعيد للمصابين حقهم في العلاج والكرامة.










