تعيش قيادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الخارج حالة استنفار أمني متصاعد، وسط تقديرات داخلية بأن إسرائيل تقترب من تنفيذ عملية اغتيال جديدة تستهدف الصف الأول من قادتها، رغم رسائل التهدئة التي مررتها واشنطن لوسطاء إقليميين، حسبما قالت صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية الصادرة من لندن.
وأشار محللون إلى أن تصاعد القلق داخل "حماس" يعكس تحوّلًا خطيرًا في بيئة الاغتيالات التي تديرها إسرائيل منذ أكتوبر 2023، خصوصًا مع نجاح تل أبيب في تنفيذ عمليات نوعية في بيروت وطهران والدوحة، ما يجعل الحركة تتعامل اليوم مع سيناريو المطاردة العابرة للحدود كواقع ثابت لا يمكن تجاهله.
ما الذي يحدث؟
تشير مصادر كبيرة في "حماس" إلى أن مستوى القلق داخل الحركة ارتفع مجددًا عقب اغتيال القيادي البارز في "حزب الله" هيثم الطبطبائي، معتبرة أن إسرائيل قد تكون بصدد تكرار سيناريو مشابه ضد قادة الحركة خارج فلسطين. وتؤكد هذه المصادر أن رسائل الطمأنة التي نقلها الأميركيون عبر تركيا وقطر ومصر، بعد عملية الدوحة في سبتمبر الماضي، لم تُحدث أثرًا فعليًا على حسابات الحركة، التي ترى أن إسرائيل لا تزال مصممة على تتبع قادتها مهما كانت التبعات.
وتربط مصادر أخرى بين التخوفات الحالية ومحاولات حكومة الاحتلال تعطيل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، عبر الادعاء بأن الحركة غير مستعدة للمضي قدمًا في التفاهمات، الأمر الذي يرفع من احتمالات اللجوء إلى عملية اغتيال تستهدف التأثير على مسار المفاوضات.
ما وراء الكواليس:
تقول مصادر مطلعة إن "حماس" ضاعفت من إجراءاتها الأمنية في الخارج منذ فشل محاولة الاغتيال في الدوحة، حيث باتت قناعة راسخة بأن إسرائيل ستواصل جهود تعقب القيادات باستخدام أدوات تكنولوجية متقدمة وأساليب تشغيل بشرية معقدة. وتشير التقديرات داخل الحركة إلى احتمال تنفيذ عملية اغتيال جديدة داخل دولة غير عربية، دون تحديد تلك الدولة لأسباب أمنية.
وتستند هذه المخاوف إلى سجل عمليات الاغتيال الخارجي منذ بداية الحرب على غزة عام 2023، بدءًا باغتيال صالح العاروري في بيروت، ثم إسماعيل هنية في طهران، وصولًا إلى محاولة تصفية أعضاء المجلس القيادي في الدوحة، وهي العملية التي اضطر نتنياهو للاعتذار عنها لقطر تحت ضغط إدارة الرئيس ترامب.
نظرة قريبة:
اطّلعت صحيفة "الشرق الأوسط" على ورقة تعليمات أمنية داخلية وُزعت على قيادات "حماس" في الخارج، تتضمن إجراءات صارمة لتقليل احتمالات الاغتيال. ومن أبرز تلك الإجراءات إلغاء جميع الاجتماعات الدورية في أماكن ثابتة، وعقد لقاءات متنقلة في مواقع متغيرة، مع فرض فصل تام للهواتف المحمولة عن مكان الاجتماع بما لا يقل عن 70 مترًا.
وتشمل التعليمات أيضًا حظر إدخال الأجهزة الإلكترونية والطبية والساعات الذكية إلى غرف الاجتماعات، ومنع وجود مكيفات الهواء أو أجهزة "راوتر" أو شاشات تلفاز أو حتى أجهزة الإنترفون، باعتبارها أدوات يمكن استغلالها للاختراق. كما شددت الورقة على تفتيش مواقع الاجتماعات باستمرار خشية زرع كاميرات أو أجهزة تجسس خلال أعمال الصيانة في المباني.
ما الذي يدفع الخبر؟
توضح الورقة أن إسرائيل تعتمد على مزيج من المصادر البشرية والتكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك استغلال عمال النظافة أو عناصر داخل الدائرة الأولى للمطلوبين، فضلًا عن تتبع الهواتف والساعات والأجهزة المتصلة بالإنترنت. وتؤكد التعليمات أن إغلاق الهواتف وحده لا يمنع التتبع، نظرًا لوجود قدرات اختراق تستهدف الأجهزة العاملة بنظام "واي فاي".
وتشير الورقة أيضًا إلى امتلاك إسرائيل صواريخ دقيقة قادرة على اختراق الجدران والوصول إلى أهدافها خلال ثوانٍ، وهو ما يعزز الحاجة إلى تقليل أي إمكانية لرصد أماكن وجود القيادات.
نظرة أوسع:
داخل غزة، تتواصل محاولات الاغتيال رغم إعلان إسرائيل سابقًا تفكيك "لواء رفح" بالكامل. فقد نفذت قوات الاحتلال، الأربعاء، غارة استهدفت قياديًا بارزًا في جهاز استخبارات اللواء داخل مواصي خان يونس، لكن العملية فشلت وفق مصادر تحدثت للصحيفة، بعدما نجا المستهدف بينما قُصفت خيمة تقطنها عائلته.
وتثير العمليات المتكررة التي ينفذها مقاتلو "القسام" في مدينة رفح—التي تقول إسرائيل إنها تسيطر عليها بالكامل—شكوكًا متزايدة حول الرواية الإسرائيلية المتعلقة بتفكيك اللواء، خصوصًا بعد إصابة أربعة جنود في اشتباك داخل الأنفاق قبل ساعات من محاولة الاغتيال.
الواقع:
بين اغتيالات الخارج ومحاولات التصفية داخل غزة، تجد "حماس" نفسها في مواجهة معقدة: حماية الصف القيادي، إدارة مفاوضات وقف إطلاق النار، والرد على عمليات إسرائيلية تسعى لإعادة تشكيل موازين القوة سياسيًا وميدانيًا. ورغم رسائل التهدئة الأميركية، تبدو الحركة مقتنعة بأن سباق الاغتيال لم يهدأ، وأن الأسابيع المقبلة قد تحمل فصلاً جديدًا من المواجهة الخفية بين الطرفين.










