تحوّل «الخط الأصفر» داخل غزة من خطّ تموضع عملياتي إلى حدّ فعلي جديد، بعدما أعلن رئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، أنّه بات خطًّا دفاعيًّا أماميًّا وحدًّا هجوميًّا معتمدًا في المرحلة المقبلة.
هذا الإعلان جاء خلال جولة ميدانية في بيت حانون وجباليا، حيث استمع زامير إلى تقارير القادة حول طبيعة الانتشار داخل القطاع، ما يعكس تثبيتًا إسرائيليًّا لواقع ميداني لا يُعامل كإجراء مؤقت بقدر ما يُقدّم كترسيم أمني طويل الأمد. ويكشف هذا التحوّل عن رغبة عسكرية واضحة في بناء خطّ يفصل جغرافيًا بين مناطق السيطرة الفلسطينية ومناطق النفوذ الإسرائيلي، في إطار توسع ميداني يفرض على القطاع مسارات جديدة للتحرك والأمن.
ويأتي هذا الإعلان في لحظة تسعى فيها القيادة العسكرية إلى تحويل الإنجازات العملياتية إلى معادلة سياسية وأمنية ثابتة، إذ اعتبر زامير أنّ السيطرة الواسعة على أجزاء كبيرة من القطاع تمنح الجيش «حرية تصرّف» وتسمح له بمنع إعادة بناء قوة حركة حماس. بهذا التوصيف، يصبح الخطّ الأصفر نقطة ارتكاز في العقيدة القتالية للمرحلة المقبلة، بما يحمله من إيحاءات حدود فعلية تفصل بين ما تعتبره إسرائيل مناطق تهديد ومناطق ينبغي إخضاعها للرقابة الدائمة. هذا التحوّل يفتح الباب أمام مواجهة طويلة مع واقع ميداني جديد، تُصاغ قواعده بالقوة لا بالتفاوض.
الخط الأصفر وخلفيات التحوّل الجديد
يرتبط ترسيم «الخط الأصفر» مباشرة برؤية زامير لمستقبل غزة، إذ أعلن صراحة أنّ الهدف التالي بعد استعادة رفات آخر أسير هو «نزع سلاح غزة وحركة حماس»، معتبرًا هذا الهدف شرطًا أساسيًا لأي ترتيب أمني لاحق.
هذا الربط بين الخط الأصفر الجديد وضرورة تفكيك القوة العسكرية الفلسطينية يضفي على الخطّ بُعدًا استراتيجيًا يتجاوز وظيفته العسكرية، ليصبح أداة ضغط نحو فرض تسوية أمنية تُبقي القطاع منزوع القوة وتحت أعين الجيش. وفي ظل غياب سلطة فلسطينية قوية قادرة على ملء الفراغ، تستثمر إسرائيل هذه الفجوة لتعزيز وجودها العملياتي ومراكمة شرعية الأمر الواقع.
كما أن تصريحات زامير حول «عدم معرفة الجهة التي ستتولى السيطرة على غزة» تشي بحالة فراغ مقصود يتم توظيفها لإطالة زمن السيطرة الإسرائيلية. هذه الضبابية ليست عرضًا جانبيًا، بل عنصرًا فاعلًا في صياغة معادلة تتيح للجيش تثبيت نقاط نفوذ داخل القطاع بذريعة غياب البديل. ومع الترويج لفكرة الاستعداد لـ«حرب مفاجئة» في جميع الجبهات، يكتسب الخطّ الأصفر قيمة ردعية، إذ يُقدَّم كحزام أمني متقدّم يعمل على امتصاص أي تهديد محتمل قبل وصوله إلى المستوطنات، ما يمنح إسرائيل ذريعة دائمة للحفاظ على وجود عسكري ملموس داخل غزة.
تحوّلات في السيطرة الميدانية
إعلان الخط الأصفر كحدّ جديد يعيد صياغة مفهوم السيطرة في القطاع، فوجود قوات الاحتلال على هذا الخطّ يمنح إسرائيل قدرة فعلية على فصل مناطق كاملة داخل غزة وإعادة تعريف حركة السكان بينها. ومن خلال هذه السيطرة التشغيلية، يسعى الجيش إلى خلق واقع يضمن له التدخل اللحظي في أي منطقة يعتبرها بؤرة تهديد، دون الحاجة إلى عمليات واسعة كالتي جرت في مراحل الحرب الأولى. كما يسمح هذا الخطّ بفرض قيود عملية على إعادة الإعمار، وعلى عودة السكان إلى بعض المناطق، ما يخلق حالة ضغط دائم تُستثمر سياسيًا وأمنيًا.
وتشير تصريحات زامير إلى أن الجيش «يعمل على إحباط التهديدات والقضاء عليها في جميع الجبهات»، ما يعكس استعدادًا لمرحلة امتداد زمني طويل تُعَدّ فيها غزة ساحة مفتوحة لعمليات جزئية متكررة.
وفي ظل هذا المنطق، تصبح خطوط السيطرة -خاصة الخط الأصفر- بمثابة تقسيم واقعي داخل القطاع، يسمح بإحكام قبضة الاحتلال على المناطق الأكثر حساسية كالشمال وامتداداتها، ويُبقيها تحت مراقبة صارمة. هذا التمركز يعزز منطق «الاحتلال المقنن» الذي يجري تثبيته خطوة بعد خطوة بعيدًا عن الإعلان الرسمي، وباستخدام خطاب أمني يتجاوز السياسة ويستثمر في الخوف والتهديد.
أبعاد سياسية وإنسانية
على المستوى السياسي، يشكّل تحويل الخط الأصفر إلى حدّ جديد تمهيدًا لإعادة صياغة مستقبل القطاع وفق رؤية أمنية إسرائيلية صرفة، إذ يُقدّم الخط الأصفر كأساس لأي نقاش لاحق حول «مرحلة ما بعد الحرب». وبما أنّ زامير يربط نجاح أي ترتيب أمني بنزع سلاح غزة، فإن الخطّ يتحول إلى أداة فرض مسبقة على أي جهة تتولى الحكم، ما يجعل أي إدارة مستقبلية مشروطة بالالتزام بمعايير الاحتلال. هذا الواقع يهدد بإنتاج فراغ سياسي طويل المدى تبقى فيه إسرائيل اللاعب الوحيد القادر على فرض الحلول.
أما إنسانيًا، فإن وجود خطّ حدودي داخل قطاع محاصر يعاني من دمار واسع سيؤدي إلى مزيد من المعاناة للسكان، إذ يُعيد تشكيل حركة الناس والسلع، ويُعمّق العزل الداخلي بين المناطق.
القيود المتوقعة على الانتقال والخدمات ستفاقم الأزمة التي أنتجتها سنوات الحرب والمجازر منذ أكتوبر 2023، ما يضع السكان أمام واقع مزدوج: غياب سيادة فلسطينية من جهة، وتشديد عسكري إسرائيلي من جهة أخرى. وفي ظل غياب إطار دولي صارم يفرض على الاحتلال احترام القانون الدولي، قد يتحول الخطّ إلى أداة لخنق القطاع وتحويله إلى كانتونات معزولة تحت إدارة أمنية مشددة.
مستقبل السيطرة على غزة
الأسئلة الكبرى المرتبطة بمستقبل غزة تتجه كلها نحو نقطة مركزية: هل يصبح الخطّ الأصفر حدودًا دائمة تُقنَّن مع الزمن؟ السيناريو الأول يتمثل في تثبيت الخطّ باعتباره محورًا أمنيًا طويل الأمد، ما يعني استمرار وجود قوات الاحتلال داخل القطاع وصياغة ما يشبه «حدودًا داخلية» تتعامل معها إسرائيل كواقع لا رجعة فيه.
هذا المسار سيقود عمليًا إلى احتلال ممتدّ بأشكال جديدة، يتخفى وراء مصطلحات أمنية لكنه يُبقي القطاع تحت قبضة إسرائيلية مباشرة.
السيناريو الثاني يفترض أن يصبح الخط الأصفر جزءًا من صفقة أوسع ذات بُعد دولي، تتضمن ترتيبات أمنية وإدارية تُسند إلى أطراف خارجية، لكن هذا السيناريو يصطدم بانعدام التوافق حول الجهة التي يمكن أن تتولى السيطرة.
ومع استمرار إسرائيل في إعلان غياب «البديل»، يبقى السيناريو الثالث الأكثر خطورة: فراغ سيادي تتخلله عمليات عسكرية متقطعة ومعادلات أمنية هشة، تُبقي غزة في حالة عدم استقرار دائم. في جميع الحالات، تؤشر تصريحات زامير إلى مرحلة حساسة يتم فيها تكريس واقع جديد، سيحتاج الفلسطينيون والمجتمع الدولي إلى أدوات مختلفة تمامًا لمواجهته أو الحد من تمدده.










