تُظهر المؤشرات الدولية الحديثة تحوّلًا لافتًا في موازين القوة بالشرق الأوسط، حيث تكشف تقييمات Global Firepower لعام 2025 عن صعود واضح لتركيا إلى رأس هرم القوة العسكرية الإقليمية. وتأتي هذه النقلة في سياق تنافس متجدد بين أنقرة وتل أبيب، تغذّيه التطورات الجيوسياسية ودور الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في إعادة صياغة التحالفات الإقليمية. وتشير التحليلات إلى أنّ تركيا لم تعد تُقاس فقط بحدودها التقليدية، بل أصبحت لاعبًا مركزيًا في ترتيبات القوة، مستفيدة من قدراتها الصناعية والعسكرية المتنامية.
وترى مصادر متعددة أنّ هذا الصعود التركي فرض نفسه في لحظة إقليمية مضطربة، إذ يتزامن مع تراجع قدرة إسرائيل على فرض هيمنتها القديمة، خاصة بعد اتساع الفجوات الداخلية والانتقادات الدولية على خلفية الحرب على غزة منذ أكتوبر 2023. وتوضح المؤشرات أن أنقرة، رغم خلافاتها مع تل أبيب، باتت شريكًا اضطراريًا في بعض المسارات السياسية، لكنها منافس مباشر في ميزان القوة.
تفوق تركيا في مؤشرات القوة
وفقًا للتقييم السنوي لـGlobal Firepower، تتصدر تركيا المرتبة الأولى عسكريًا في الشرق الأوسط لعام 2025، متقدمة على إسرائيل وإيران ومصر والسعودية. ويكشف التقرير أن تركيا استطاعت دخول نادي العشر الكبار عالميًا، محتلة المرتبة التاسعة بين 145 دولة، وهو موقع يعكس استقرارًا في تصنيفها مقارنة بالسنوات الماضية.
ويشير التحليل الفني للمؤشر إلى أنّ صعود تركيا يستند إلى منظومة متعددة الأبعاد تشمل قوة الصناعات الدفاعية، والطائرات المسيّرة، وتحديث أنظمة الدروع، وتطوير البحرية، وهو ما منحها قدرة تنافسية عالية أمام قوى إقليمية اعتمدت لعقود على الدعم الأمريكي المباشر مثل إسرائيل. وتستند هذه المنهجية إلى أكثر من 60 عاملًا، تشمل القدرات البشرية، والجاهزية اللوجستية، والوضع المالي، والظروف الجغرافية، ما يمنح الدول ذات التطور التكنولوجي مساحة للتفوق حتى على جيوش أكبر حجمًا.
تراجع إسرائيلي رغم الدعم الأمريكي
تضع المؤشرات إسرائيل في المركز الثاني إقليميًا والمرتبة 15 عالميًا، وهي مرتبة تُظهر —بحسب التحليلات— ميولًا للارتفاع مقارنة بالسنوات السابقة، لكنّها لا تعكس واقع التصدعات الداخلية ولا تكاليف حرب غزة المستمرة. ورغم محاولة إسرائيل إظهار نفسها كقوة متعاظمة، إلا أن الحرب الشرسة منذ أكتوبر 2023 وما صاحبها من انتهاكات موثقة أفقدت جيشها قدرًا من الردع الذي لطالما تباهت به.
وتشير الصحيفة العبرية إلى أنّ إسرائيل “في مسار تقوية”، إلا أن الوقائع على الأرض تكشف أزمة عميقة في القدرة على إدارة الجبهات المتعددة، إلى جانب اتساع اعتمادها على الدعم العسكري والمخازن الأمريكية. كما تظهر المؤشرات أن إسرائيل، رغم احتفاظها بالمركز الثاني إقليميًا، أصبحت في منافسة مباشرة مع إيران التي حلّت في المرتبة الثالثة في الشرق الأوسط والمرتبة 16 عالميًا.
تأثير الحرب الإقليمية على إيران ومصر
تؤكد التقارير أنّ إيران تراجعت في المؤشر نتيجة ما تسميه الصحيفة “حرب 12 يومًا”، وهي توصيفات إسرائيلية تستهدف إعادة صياغة وقائع المواجهة. لكنّ القراءة غير المنحازة تشير إلى أنّ طهران، رغم الضغوط، حافظت على موقع متقدم عالميًا، وحافظت على قوّتها الصاروخية وبرامجها العسكرية العابرة للحدود، ما يجعل تصنيفها المتقارب مع إسرائيل عنصر قلق واضح للأخيرة.
أما مصر، فحلّت في المرتبة 19 عالميًا ضمن مسار تراجع وفق المؤشر، وهو ما يرتبط —بحسب التحليلات الدولية— بتحديات اقتصادية وضغوط مالية أثّرت على قدرات التحديث العسكري. وتأتي السعودية في المرتبة 24 عالميًا ضمن مسار تراجع أيضًا، مع ملاحظة أنّ المؤشر، وفق التقرير، لم يحتسب أثر صفقة محتملة لطائرات F-35.
إعادة ترتيب القوة الدولية
عالميًا، تحافظ أمريكا على المرتبة الأولى، تليها روسيا والصين، ثم الهند وكوريا الجنوبية. وتسبق المملكة المتحدة وفرنسا واليابان تركيا مباشرة، فيما تغلق إيطاليا قائمة العشر الأوائل. أما ألمانيا فجاءت في المركز 14، متقدمة على إسرائيل بمركز واحد، في حين احتلت أوكرانيا المركز 20 في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
وتبرز أهمية هذه التصنيفات في زمن تتغيّر فيه البنى الجيوسياسية بسرعة غير مسبوقة، حيث أصبح الانزياح نحو النظام متعدد الأقطاب واقعًا يفرض نفسه، مع بروز لاعبين غير غربيين في مراكز متقدمة. وهذه البيئة الجديدة تمنح تركيا قدرة أكبر على المناورة، بينما تُقيد الحركة الإسرائيلية التي تعتمد على الدعم الأمريكي والغطاء السياسي من الرئيس ترامب، خاصة بعد توسع الانتقادات الدولية لسلوكها في غزة.
تقييم منهجية المؤشر
يعتمد مؤشر Global Firepower على صيغة تجمع أكثر من 60 معيارًا لتقدير قوة الدول العسكرية. وتتيح هذه المنهجية لدول متوسطة الحجم ومتقدمة تكنولوجيًا —مثل تركيا— منافسة دول أكبر حجمًا لكن أقل تطورًا. وتشمل المعايير عدد الوحدات القتالية، والقدرات اللوجستية، والوضع الاقتصادي، والمساحة الجغرافية، إضافة إلى مزيج من القدرات الدفاعية والهجومية.
ومن المهم التنبيه إلى أنّ المؤشر لا يعكس دائمًا فعالية القيادة العسكرية، ولا ميزان الردع الحقيقي على الأرض، ولا آثار الحروب المفتوحة مثل حرب غزة التي كشفت جانبًا من هشاشة الجيش الإسرائيلي رغم تصنيفه المرتفع.










