معاداة السامية ليست موقفًا سياسيًّا عابرًا، بل جريمةٌ أخلاقيّةٌ وإنسانيّةٌ ودينيّةٌ مرفوضةٌ بكلّ المعايير. فكلُّ دعوةٍ إلى الكراهية، أو التحريض على أساس العِرق أو الدّين، تُشكّل اعتداءً صريحًا على جوهر الإنسان، وعلى القيم التي بُني عليها الضمير البشري عبر التاريخ. غير أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة لا تكمن في رفض معاداة السّاميّة بحدّ ذاتها، بل في كيفيّة تحويل هذا المفهوم إلى أداةٍ سياسيّةٍ وقانونيّةٍ انتقائيّة، تُستخدم لحماية طرفٍ معيّن، لا لحماية الإنسان كإنسان.
إنّ إصدار الولايات المتّحدة قانونًا يُجرّم ما تُسمّيه "معاداة السامية" لم يأتِ في سياقٍ إنسانيٍّ شامل، بل نتيجة مسارٍ سياسيٍّ وتاريخيٍّ معقّد. فقد جرى توظيف الإرث المرتبط بالمحرقة النازيّة بوصفه ذنبًا تاريخيًّا جماعيًّا للغرب، ثمّ جرى استثماره لاحقًا لتبرير حمايةٍ استثنائيّةٍ لليهود، لا بوصفهم جماعة دينيّة فحسب، بل ككيانٍ سياسيٍّ مرتبط بدولة الاحتلال. ومع مرور الزمن، لعب نفوذ اللوبي الصهيوني داخل المؤسّسات الأميركيّة دورًا حاسمًا في صياغة هذا القانون، وفي توسيع تعريفه إلى حدّ بات فيه أيّ نقدٍ لإسرائيل أو لسياساتها يُصنَّف تلقائيًّا ككراهيةٍ عنصريّة.
وهنا يظهر الخلل الجوهريّ والخطير. فالسّاميّة، تاريخًا ولغةً، لا تنحصر باليهود وحدهم. العرب، والفلسطينيّون، والسّريان، والآشوريّون، والآراميّون، وسواهم، هم شعوبٌ ساميّةٌ بلا أدنى شكّ. والمفارقة الصادمة أنّ عددًا كبيرًا من ضحايا السياسات الصهيونيّة اليوم هم شعوبٌ ساميّةٌ تُقتل وتُهجَّر وتُحاصَر، بينما يُجرَّم الدفاع عنها، أو توصيف جلّادها، تحت ذريعة “معاداة السّاميّة”. أيُّ منطقٍ أخلاقيٍّ يقبل بأن يُمنَع السّاميّ من الدفاع عن نفسه باسم حماية السّاميّة؟
لقد تحوّل هذا القانون، في جوهره، من أداةٍ لمكافحة الكراهية إلى أداةٍ لإسكات الضمير. لم يعد قانونًا يحمي الإنسان من العنصريّة، بل بات قانونًا يُعاقب الإنسان لأنّه يرفض الظلم. وعندما يُجرَّم وصف الاحتلال احتلالًا، وتُدان الإبادة بوصفها “تحريضًا”، ويُخنَق الصوت الأخلاقيّ في الجامعات والإعلام، يصبح القانون معاديًا للعدالة، ومعاديًا للأخلاق، ومعاديًا للتاريخ، بل ومعاديًا للإنسانيّة نفسها.
إنّ القيم الإنسانيّة لا تُجزّأ، والضحايا لا يُصنَّفون وفق الهويّة السياسيّة لجلّادهم. فإمّا أن يكون القانون درعًا لحماية كرامة كلّ إنسان، أو يتحوّل إلى أداة قمعٍ مُقنَّعة بلغة الحقوق. ومن هذا المنطلق، فإنّ ما يُسمّى “قانون معاداة السّاميّة”، بصيغته الحاليّة، ليس قانونًا ضدّ الكراهية، بل قانونٌ ضدّ القيم الأخلاقيّة، وضدّ العدالة، وضدّ التاريخ البشري.
نعم، يجب تجريم العنصريّة بكلّ أشكالها، ومن أيّ جهة صدرت، لكن لا يجوز احتكار مفاهيم إنسانيّة كالسّاميّة، ولا تحويلها إلى سلاحٍ سياسيٍّ لحماية الاحتلال، ولا مصادرة حقّ الشعوب في النقد والمساءلة. وأيّ قانونٍ لا يُساوي بين الضحايا، ولا يُدين الجريمة أيًّا كان مرتكبها، هو قانونٌ فاقدٌ للشرعيّة الأخلاقيّة، ويجب إلغاؤه أو إعادة تعريفه جذريًّا، بما ينسجم مع كرامة الإنسان، ومع القيم الإنسانيّة الكونيّة.
فالعدالةُ لا تُنتقى، والإنسانيّةُ لا تُحتكَر، والتاريخُ لا يُزوَّر إلى الأبد.










