4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

معصوب العينين… بين باب الزنزانة وطابور القمع

يوميات القمع خلف القضبان.. كيف يحوّل معتقل عوفر العسكري الحياة إلى عاصفة دائمة من القهر؟

بقلم: د. رامي أبو زبيدة
١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
2 دقائق قراءة
37 مشاهدة
يوميات القمع خلف القضبان

يوميات القمع خلف القضبان

من بين جدران معتقل عوفر العسكري، عشت واحدًا من أكثر الفصول قسوة في حياتي… فصلٌ كانت فيه “القمعات” طقسًا يوميًا تقريبًا، يأتي بلا موعد، ويهبط على القسم كعاصفة ليلية لا ترحم.

كان القسم يضم عشر غرف إسمنتية، وفي كل غرفة يقيم عشرون معتقلًا. ومع حلول الليل، غالبًا بعد العاشرة، يبدأ كل شيء فجأة: خطوات سريعة، أبواب تُطرق بقوة، أصوات صارمة تعرف من نبرتها أن “الاقتحام” بدأ. أكثر من خمسين من عناصر وحدة القمع يندفعون إلى الداخل، ملثمون، مدججون بالقوة، كأنهم يدخلون ساحة معركة لا غرفًا يسكنها معتقلون أنهكهم التعب.

 

كنا نشعر بحركتهم قبل أن يصلوا إلى الغرفة المستهدفة. النداءات ترتفع، الأوامر تتطاير، والكل يُجبر على الانبطاح على بطنه أرضًا، الأيدي فوق الرأس والوجوه نحو الأرض. ثم تُفتح أبواب الغرف واحدة تلو الأخرى، ويُطلب منا التقدّم نحو الباب فردًا فردًا، رؤوسنا منحنية وظهورنا مقوسة. وبعدها يبدأ التفتيش، بتشدّد وقسوة ظاهرة وطرق الراس على الخائط وركلات في كل مكان، وكأن الهدف ليس مجرد تفتيش بل كسر لإرادة الإنسان.

 

لكن الأصعب لم يكن التفتيش ذاته… بل الطريق الذي نسير فيه بعدها. ممرّ طويل على امتداد القسم، نصطفّ فيه محاطين بجنود يقفون على الجانبين، نمرّ بينهم معصوبي الأعين ومكبّلين، نحاول فقط أن نعبر إلى الزنزانة الضيّقة التي تُحشر فيها الأجساد فوق قدرتها، وكأن المكان نفسه يضيق بنا عمدًا.

 

كانت هذه “القمعات” تتكرر مرارًا، أيامًا متتالية أحيانًا، بلا تفسير ولا توقف. ستة اشهر قضيتها في عوفر تحت وطأة هذا الروتين القاسي؛ روتين لا يترك في الذاكرة صورًا بقدر ما يترك إحساسًا مستمرًا بأنك تعيش في حالة استنفار لا تنتهي، وأن الليل يمكن أن ينقلب في لحظة إلى امتحان جديد.

 

ورغم كل ذلك، بقي داخلنا شيء لا يمكن للممارسات أن تنتزعه: إحساسنا بأننا صامدون، وأن الروح أقوى من الجدران والأقفال والصراخ.


#مشاهد_من_معتقلات_الجحيم

د. رامي أبو زبيدة

رامي أبو زبيدة هو باحث ومحلل فلسطيني مختص في الشؤون العسكرية والأمنية، ويُعد من الوجوه البارزة في تحليل الصراعات الميدانية والتكتيكات العسكرية في المنطقة.

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

معصوب العينين… بين باب الزنزانة وطابور القمع - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°