4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تركيا ودورها في غزة هو البوصلة.. مسار العلاقات التركية الإسرائيلية وتوازناتها

تركيا لن تتهرب أبدا من مسؤولياتها بهذا الصدد.. بهذه الكلمات علق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ ساعات على موقفه من قضية غزة باعتباره أحد الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار أو ما يسمى خطة ترامب للسلام في غزة، كما طالب إسرائيل بان تفي بتعهداتها في الاتفاق وأن تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى غزة.

بقلم: محمد أبو غالي
١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
13 مشاهدة
تركيا ودورها في غزة هو البوصلة.. مسار العلاقات التركية الإسرائيلية وتوازناتها

تركيا ودورها في غزة هو البوصلة.. مسار العلاقات التركية الإسرائيلية وتوازناتها

تركيا لن تتهرب أبدا من مسؤولياتها بهذا الصدد.. بهذه الكلمات علق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منذ ساعات على موقفه من قضية غزة باعتباره أحد الضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار أو ما يسمى خطة ترامب للسلام في غزة، كما طالب إسرائيل بان تفي بتعهداتها في الاتفاق وأن تسمح بعودة الحياة الطبيعية إلى غزة.

قال الرئيس التركي، إنه أوصل رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قطاع غزة خلال اجتماع على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، وإنها تركت أثرا لديه.

وعلى الرغم من أن موقف تركيا من إسرائيل بعد حرب غزة انسجم كلياً مع الموقف العربي، لكن تعتبر العلاقات التركية- الإسرائيلية علاقات تاريخية استراتيجية، فتركيا كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة إسرائيل، وطوال العقود الماضية شهدت العلاقات بين الطرفين تباينات عدة، تراوحت ما بين التقارب والتوتر، وكانت تتوتر غالباً كلما وسعت إسرائيل من عدوانها في الأراضي الفلسطينية.

لا شك أن تقارب تركيا والولايات المتحدة الأمريكية عبر العلاقة الشخصية بين الرئيسين رجب طيب أردوغان وترامب، هو ما منح أنقرة دورا أكبر في الملفات العربية ومنها ملف غزة وخطة السلام التي تتابع تركيا تنفيذها وتلح على إسرائيل عبر تصريحاتها اليومية للوفاء بتعهداتها تجاه غزة والانتقال إلى المرحلة الثانية لخطة ترامب.

وتؤكد دراسة سمير صالحة في مركز الدراسات الفلسطينية تحت عنوان: الموقف التركي من حرب غزة واتجاهاته المستقبلية، أن العلاقات التركية - الإسرائيلية تعاني جرّاء العديد من التحديات، إذ ثمة ملفات ثنائية كثيرة تحدد أطر هذه العلاقة، وترسم للبلدين شكل خطوط التواصل السياسي والاقتصادي والشعبي وحدودها، وكذلك كان للبعد الإقليمي، بتعقيداته وتوازناته الصعبة على الجانبين، تأثيره الأكبر في تحديد خيار هذه العلاقات ومعالمها.

فيما ترفض إسرائيل بشدة وجود أي تدخل لتركيا في ملف غزة، إذ يعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن مرحلة ما بعد حرب غزة سيكون لها تأثيرها في الجغرافيا السياسية في المنطقة، ويلوّح أعوانه في الحكومة باللجوء إلى استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد الشعب الفلسطيني؛ إلى مَن توجَّه هذه الرسالة وما المقصود بها؟ ولماذا كان أردوغان الأسرع في الرد على هذه التصريحات والمواقف؟.

وتتابع الدراسة، أنه لا حدود جغرافية تجمع بين تركيا وإسرائيل، لكن خرافة "من الفرات إلى النيل" التي يرددها بعض المتطرفين اليهود، والتي يواجهها حديث كثيرين في الداخل التركي عن تحريك تل أبيب لأكثر من ورقة استراتيجية ضد أنقرة للوصول إلى هذا الهدف، بينها المياه والأقليات العرقية المنتشرة على ضفاف دجلة والفرات وخطوط التواصل التجاري والروابط التاريخية التي يبحث عنها خبراء إسرائيل وكبار مؤرخيها في مناطق "ميزوبوتاميا العليا"، كلها مسائل قائمة حتى اليوم كعوامل ضغط وتحكّم في تحديد مسار ومصير العلاقات بينهما.

غزة الامتحان الصعب

وتؤكد أن نسب الشحن والتعبئة السياسية والإعلامية والشعبية المضادة في العلاقات التركية - الإسرائيلية ترتفع وتهبط تحت تأثير عوامل ثنائية وإقليمية تصل أحياناً إلى درجة استدعاء السفراء وقطع العلاقات الدبلوماسية، كما يجري اليوم بعد انفجار الوضع في قطاع غزة، لكن الأمور تعود إلى حالتها الطبيعية ما إن تهدأ الأجواء، لأن مصالح البلدين التجارية والشراكات السياسية المتداخلة والحسابات المتشابكة، كما رأينا في جنوب القوقاز، تحتّم ذلك.

وترى أن إن أزمة مهاجمة أسطول الحرية في عرض المتوسط عام 2010 كان لها ارتداداتها على الطرفين، كذلك باعد ملف غزة أكثر من مرة بين البلدين، لكن متطلبات التوازنات الثنائية والإقليمية كانت تستدعي في النهاية الوصول إلى تفاهمات وتسويات وصفقات تفرضها الواقعية السياسية والمصالح وحسابات الربح والخسارة

كيف سيكون شكل ارتدادات العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة على مسار العلاقات بين أنقرة وتل أبيب؟ وهل تضحي أنقرة بما شيدته في العامين الأخيرين من جسور تواصل وعلاقات انفتاح في اتجاه تل أبيب؟ وكيف ستحدد تركيا خياراتها أمام تعقيدات المشهد الإقليمي واحتمالات تفاقمه وتوسع رقعة انتشاره في المنطقة، وذهاب الأمور في اتجاه سيناريوهات المواجهة الإيرانية - الإسرائيلية ودخول أميركي عسكري مباشر على الخط؟

قبل السابع من أكتوبر الماضي كانت أنقرة تستعد لاستقبال رئيس الحكومة الإسرائيلية لتتويج صفحة جديدة من العلاقات حسمتها مصافحة نيويورك بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة. وكانت الزيارة ستتم لولا العملية الجراحية الطارئة لنتنياهو، لكنها لم تكن لتقطع الطريق على ما وصلت إليه الأمور اليوم، كما تؤكد ذلك حالات سابقة مشابهة مرتبطة بثوابت أنقرة ورؤيتها للملف الفلسطيني.

راهن البعض في تركيا وخارجها على نجاح الدبلوماسية التركية في التوصل إلى ما يُقنع إسرائيل وقيادات "حماس" بوقف إطلاق النار، والتهدئة في غزة، وفتح الطريق أمام القنوات السياسية لتدخل على الخط. إن فرص أنقرة في القرم والدخول على خط الوساطة بين موسكو وكييف لتسهيل الإفراج عن ملايين الأطنان من الحبوب الأوكرانية تختلف عن فرصها في غزة، كذلك تختلف معادلات وتوازنات علاقاتها بروسيا وأوكرانيا كلياً عن تركيبة علاقاتها بإسرائيل ونظرتها وطريقة تعاملها مع الملف الفلسطيني

تركيا والغرب في امتحان غزة

إن إعلان وزير الخارجية التركية هاكان فيدان أن معايير الغرب الأخلاقية هي اليوم في بئر بلا قعر، يعكس حجم التباعد التركي الغربي في التعامل مع موضوع غزة وإمكان وقف العدوان الإسرائيلي. وتواجه أنقرة معضلة أُخرى ترتبط بحظوظها ونجاح فرصها في التوسط بين طرفي الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في غزة، تتمثل في ضرورة إقناع إدارة بايدن بتبديل سياستها الإقليمية والتخلي عن دعمها لإسرائيل وتبني ما تقوم به في غزة، قبل محاولة إقناع نتنياهو وحكومته بالتراجع عن سياسة الحصار والتدمير الشامل للشعب الفلسطيني في القطاع

في المقابل، هناك حقيقة أُخرى تقول إن قرار وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن زيارة المنطقة أكثر من مرة والاجتماع بقيادات عربية وخليجية وإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة، من دون أن يقصد العاصمة التركية إلاّ بعد أسابيع من اندلاع المعارك في غزة، مكتفياً بالاتصالات الهاتفية، سببه انزعاج واشنطن من مواقف أردوغان المبكرة حيال ما يجري، وتصعيده ضد قرار البنتاغون إرسال سفنه الحربية إلى شرق المتوسط، والانحياز الأميركي الكلي إلى الجانب الإسرائيلي.

ويعكس خيار واشنطن لَعِب أوراق عواصم عربية بدلاً من التنسيق مع تركيا تراجع فرص أنقرة في الدخول على خط الوساطة والتهدئة.

ليس من مصلحة أنقرة توتير علاقاتها مع تل أبيب من جديد، وهي التي بذلت جهداً كبيراً في سبيل إعادتها إلى سابق عهدها، والمشهد الإقليمي يحتّم ذلك أيضاً، في ضوء الحراك الواسع من أجل بناء معادلات تجارية وأمنية وسياسية جديدة، فالتصعيد التركي الإسرائيلي سيتفاعل على أكثر من جبهة، وسينتقل حتماً إلى أكثر من مكان. لكن بدا واضحاً منذ البداية استحالة نجاح وساطة تركية بين طرفي الصراع في غزة مقارنة بحظوظ وفرص أطراف أُخرى، لا لأن الجانب التركي لا يملك الخبرات والطاقات والقدرات التي تمكّنه من ذلك، وإنما بسبب التباعد التركي وتضارب المواقف والسياسات مع تل أبيب وحليفها الأميركي، والتصعيد التركي المبكر ضد الغرب بسبب انحيازه إلى المجازر التي ترتكبها القوات الإسرائيلية في قطاع غزة أو صمته حيالها، وتهميش الدور التركي وتجاهله.

وثمة مؤشر آخر على حجم الانسداد والتباعد بين أنقرة من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أُخرى، قد يكون له ارتداداته على العلاقات في الملف الفلسطيني، ويتمثل في الرد التركي العسكري الواسع ضد مجموعات قسد ومسد في شمال سورية بعد مهاجمة الجنود الأتراك في شمال العراق؛ فضرب البنى التحتية ومخازن الطاقة هناك رسالة موجهة إلى أمريكا وإسرائيل قبل أن تكون موجهة إلى المجموعات الكردية، وخصوصاً أن تل أبيب تبنت الدفاع عن هذه المجموعات في مواجهة ما تقوم به أنقرة ضدها.

 

 

محمد أبو غالي

صحفي بموقع 180 تحقيقات

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

تركيا ودورها في غزة هو البوصلة.. مسار العلاقات التركية الإسرائيلية وتوازناتها - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°