كشفت وسائل إعلام أمريكية، الجمعة، أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي سيزور واشنطن الشهر الحالي؛ لإجراء محادثات مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب. تتضمَّن مجموعةً من القضايا الإقليمية الرئيسية، بما في ذلك العلاقات بين مصر وإسرائيل في أعقاب الحرب على غزة، وقضية «سد النهضة» الإثيوبي، وفق ما نشره موقع «ذا ناشيونال».
تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس السيسي إلى واشنطن في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها ملفات الحرب على غزة، ومستقبل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وأزمة سدّ النهضة، مع محاولات أمريكية لإعادة ترتيب الإقليم وفق مقاربة أمنية وسياسية جديدة. فالزيارة، التي أُجّلت سابقًا بسبب رفض القاهرة القاطع لمشروعات التهجير والتطهير العرقي في غزة، تعود اليوم في سياق مختلف، تحكمه معادلة فشل العدوان الإسرائيلي في تحقيق أهدافه، وتآكل الرهان على الحلول العسكرية، مقابل تصاعد الحاجة الأمريكية إلى شريك إقليمي قادر على ضبط الإيقاع.
وفي هذا المشهد، لا تدخل مصر بوصفها طرفًا يبحث عن تفاهمات جزئية، بل كفاعل مركزي يسعى إلى تثبيت ثوابت واضحة: لا تسوية على حساب الفلسطينيين، لا شرعنة لسياسات الاحتلال، ولا استقرار إقليمي دون احترام الأمن القومي المصري.
زيارة السيسي لواشنطن.. دلالات التوقيت
بدورها، قالت مونيكا وليم، الباحثة في العلاقات الدولية، إنه في ضوء السوابق التاريخية التي حكمت علاقة القاهرة بالولايات المتحدة، لا سيما رفض الرئيس عبدالفتاح السيسي تلبية ثلاث دعوات أمريكية لزيارة البيت الأبيض خلال عام 2025، يصبح من الأكثر دقة اختزال المشهد في سيناريوهين رئيسيين. بالنظر إلى أن هذا التحفظ لم يكن موقفًا عابرًا، بل نمطًا سياسيًا يعكس حرص الدولة المصرية على عدم الانخراط الرئاسي في مسارات رمادية أو توظيف سياسي لا يحقق عائدًا مباشرًا للمصالح المصرية.
اقرأ ايضا: زيارة السيسي إلى واشنطن: غزة ومعاهدة السلام وسدّ النهضة على طاولة ترامب
وأوضحت "وليم"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"، أن السيناريو الأول وهو الأرجح يتمثل في قبول محسوب لزيارة الرئيس السيسي باعتبارها أداة لضبط مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، لا تغييرًا في النهج. منوهة أن مصر تميز بوضوح بين اللقاء مع دونالد ترامب بوصفه راعي الاتفاق وضامن استمراريته، وبين الرفض القاطع لأي سياسات من شأنها تعزيز الانتهاكات الميدانية المستمرة. في هذا الإطار، تُستخدم الزيارة لإعادة تثبيت موقع مصر كفاعل إقليمي مستقل يمتلك هامش قرار ذاتي.
قالت الباحثة مونيكا وليم، إن زيارة الرئيس #السيسي لواشنطن، تُفهم أساسًا باعتبارها أداة احتواء للأزمات القائمة، لا بوصفها مدخلًا لاختراق سياسي واسع؛ إذ أن الولايات المتحدة تركّز حاليًا على منع انهيار وقف إطلاق النار، والحفاظ على الدور المصري، وتجنّب سقوط المسار الأمريكي نفسه. pic.twitter.com/QyLdpKgFdj
— 180 درجة - تحقيقات (@180news180) December 16, 2025
وأشارت "وليم" إلى أن السيناريو الثاني يستند هو الآخر إلى نفس الخلفية التاريخية، ويفترض استمرار التحفظ المصري إذا استمر الوضع الخاص بوقف إطلاق النار الذي لا يترجم إلى التزامات ميدانية حقيقية. مضيفة: "هنا قد تلجأ الدولة المصرية إلى تأجيل الزيارة أو تخفيض مستوى التمثيل، في رسالة واضحة بأن الزيارات الرئاسية ليست إجراءً بروتوكوليًا رمزيا خاصة في هذه النوعية من الملفات الحرجة، بل أداة سياسية مشروطة بسقف من النتائج، وأن مصر لن تمنح شرعية سياسية لمسار لا يحقق تقدمًا فعليًا على الأرض".
وأكدت الباحثة في العلاقات الدولية أنه في الوقت نفسه يكتسب توقيت زيارة الرئيس السيسي لواشنطن حساسية استثنائية؛ بالنظر إلى طبيعة شخصية دونالد ترامب بوصفه فاعلًا يسعى دومًا لإعادة إنتاج “اللحظة الرمزية” في العلاقات الدولية، عبر إعلان سياسي كبير. غير أن الواقع الراهن لا يسمح بمشهد رمزي، بل يفرض مقاربة أمنية-سياسية معقدة. وعليه، تُفهم الزيارة أساسًا باعتبارها أداة احتواء للأزمات القائمة، لا بوصفها مدخلًا لاختراق سياسي واسع؛ إذ أن الولايات المتحدة تركّز حاليًا على منع انهيار وقف إطلاق النار، والحفاظ على الدور المصري، وتجنّب سقوط المسار الأمريكي نفسه.
وتابعت: "في هذا السياق، يُعاد تعريف الدور المصري بوصفه ضامنًا سياسيًا وأمنيًا لتنفيذ الاتفاق، لا شريكًا في نزع سلاح غزة".
موقع غزة في أجندة اللقاء
أشارت مونيكا وليم إلى أنه في ظل الخروقات الإسرائيلية المتواصلة والنظر اليها باعتبارها لا تُسقط الاتفاق رسميًا، لكنها تهدد جدواه السياسية، يُطرح مسار متكامل يشمل حل أزمة المقاتلين في رفح، وتثبيت الانسحاب التدريجي، وإطلاق مسار قوة الاستقرار الدولية عبر مجلس الأمن.
وأكدت "وليم" أن غزة تحتل موقع الصدارة في أجندة اللقاء المرتقب بين السيسي وترامب، لكن ليس من زاوية الحل النهائي للصراع، بل من زاوية الإدارة الانتقالية له. فالولايات المتحدة قد دفعت باتجاه إطار أممي لنشر قوة استقرار دولية،وذلك لضمانة المضي قدما في تنفيذ المرحلة الثانية مع منع انهيار الاتفاق، ومدخلًا لعقد مؤتمر دولي للمانحين يضبط مسار إعادة الإعمار سياسيًا وأمنيًا.
اقرأ أيضا: السيسي في واشنطن: تأكيد الثوابت المصرية وكبح هندسة الشرق الأوسط
في المقابل، تُعد المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار مصدر القلق الأكبر لإسرائيل، كونها تُقيّد حرية الحركة العسكرية، وتفرض انسحابات واضحة، وبذلك تفقد إسرائيل عنصر التحكم المركزي داخل القطاع وتفتح الباب أمام ترتيبات سياسية لاحقة، وفقا لـ"وليم". وزادت: "لهذا تتكثف العمليات الميدانية في خان يونس ورفح، وجباليا وبيت لاهيا وخلف مناطق الخط الأصفر ويتواصل التدمير المنهجي للبنية التحتية، مع تثبيت واقع أمني في “المنطقة الصفراء” التي تشكّل نحو 53% من مساحة القطاع. الهدف هنا هو خلق استحالة ميدانية لعودة المدنيين، بما يجعل أي انسحاب إسرائيلي لاحقًا أقرب إلى إجراء شكلي منه إلى تحول حقيقي".
أما “خطة ترامب للسلام”، فترى "وليم" أنها لم تعد مشروعًا متكاملًا بقدر ما تحولت إلى مظلّة اسمية تُستخدم لتبرير الانتقال نحو إدارة دولية-أمنية لغزة. وفي هذا الإطار، يظل الدور المصري حاسمًا؛ فمصر تمثل صمام الأمان لأي ترتيبات محتملة، كونها ترفض بشكل قاطع أن تكون غطاءً لواقع احتلالي جديد، أو شريكًا في نزع أحادي لسلاح المقاومة دون أفق سياسي واضح.
ملفات حرجة.. ماذا يريد ترامب؟
شددت الباحثة في العلاقات الدولية على أن إدراج ملفات حرجة في التغطيات الإعلامية الأمريكية لا يمكن فصله عن كونه ورقة مساومة سياسية.
ولفت إلى أن الهدف هو أن نصبح أمام مقايضة غير مُعلنة تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، ونشر قوة دولية، ومنع انهيار “خطة ترامب”، بينما تعمل إسرائيل على كسب الوقت وفرض وقائع ميدانية تُفرغ المرحلة الثانية من مضمونها.
وختمت مونيكا وليم تصريحا بالقول: "في المقابل، تتحرك مصر لحماية دورها الإقليمي، ومنع تهجير الفلسطينيين، وضمان ألا تم تصفية القضية، في حين ترى روسيا وأطراف دولية أخرى في مجلس الأمن ساحة لموازنة النفوذ الغربي".







