21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

توم باراك في تل أبيب: جس نبض حول تعطيل سلاح المقاومة بدلا من نزعه

لم يحمل توم باراك معه وثيقة نهائية تُطرح على القيادة الإسرائيلية بصيغة القبول أو الرفض، بل مجموعة أفكار ومقاربات هدفها الأساسي اختبار المواقف الإسرائيلية، وتحديد الخطوط الحمراء

بقلم: عمرو المصري
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
19 مشاهدة
توم باراك ونتنياهو - أرشيفية

توم باراك ونتنياهو - أرشيفية

وُصفت زيارة السفير الأمريكي لدى تركيا ومبعوث الإدارة إلى سوريا، توم باراك، إلى إسرائيل، بعبارات إعلامية لافتة، تراوحت بين كونها «حسّاسة ومليئة بالدلالات»، وصولًا إلى تصويرها في بعض المنصات العبرية على أنها «رسالة تهديد وإنذار» موجّهة إلى تل أبيب. وذهب هذا الخطاب إلى حدّ المبالغة، باعتبار الزيارة خطوة أولى نحو فرض خطة أمريكية جاهزة تتعامل مع ثلاث ساحات في آن واحد: غزة ولبنان وسوريا.

غير أنّ القراءة المتأنية لمسار الزيارة وسياقها السياسي تُظهر أنها لا تخرج عن النمط التقليدي للزيارات الأمريكية إلى إسرائيل، والتي تقوم أساسًا على الاستطلاع وجسّ النبض، لا الإملاء أو فرض الوقائع. فبعيدًا عن السرديات الإعلامية المتضخّمة، لم يحمل توم باراك معه وثيقة نهائية تُطرح على القيادة الإسرائيلية بصيغة القبول أو الرفض، بل مجموعة أفكار ومقاربات هدفها الأساسي اختبار المواقف الإسرائيلية، وتحديد الخطوط الحمراء، ومعرفة أين يمكن التفاوض أو المناورة، وأين يمكن ممارسة ضغط سياسي محسوب.

ديبلوماسية التقدير لا الفرض

وبحسب صحيفة "الأخبار" اللبنانية"، فإن الأسلوب الذي اتّبعه المبعوث الأمريكي توم باراك يندرج ضمن ما يمكن وصفه بـ«ديبلوماسية التقدير والتكيّف»، لا «ديبلوماسية القوّة». فالولايات المتحدة، في تعاملها مع إسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًا، تدرك أن فرض الإملاءات المباشرة ليس خيارًا عمليًا، خاصة في ملفات شديدة الحساسية تمسّ الأمن القومي الإسرائيلي.

وعليه، جاءت زيارة توم باراك ذات طابع تشاوري واضح، تهدف إلى تهيئة الأرضية السياسية للقاء الحاسم المرتقب بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في نهاية الشهر الجاري. هذا اللقاء يُنظر إليه باعتباره المحطة التي ستُطرح فيها القرارات الكبرى، بعد استكمال مرحلة الاستطلاع وتدوير الزوايا.

مقاربة إقليمية واحدة

ورغم الطابع التشاوري لزيارة توم باراك، فإنها تحمل دلالات استراتيجية عميقة، تعكس تحوّلًا لافتًا في طريقة تفكير إدارة ترامب. فواشنطن لم تعد تتعامل مع غزة ولبنان وسوريا كملفات منفصلة، بل باتت تنظر إليها كمنظومة إقليمية واحدة ضمن رؤية شاملة لإعادة ترتيب المشهد الأمني في غرب آسيا.

وفق هذه المقاربة، لا يقتصر الهدف الأمريكي على معالجة ملف غزة بمعزل عن غيره، بل يمتد إلى ضبط التوازنات في لبنان، ومنع انزلاقه إلى تصعيد مفتوح، وفتح الطريق أمام تسوية أمريكية–إسرائيلية مطلوبة في الملف السوري. كل ذلك يصبّ في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف الأطراف المناوئة لواشنطن، وترسيخ ترتيبات إقليمية طويلة الأمد تخدم المصالح الأمريكية.

نزع السلاح بصيغة جديدة

في قلب هذه الرؤية، تبرز «براغماتية» أمريكية بملامح ترامبية واضحة، عنوانها إعادة تعريف مفهوم «نزع السلاح». فالمسؤولون الأمريكيون، وعلى رأسهم توم باراك، باتوا يدركون أن تفكيك حركتي «حماس» و«حزب الله» عسكريًا في الظروف الراهنة ليس خيارًا واقعيًا، وفقا للصحيفة اللبنانية.

بناءً على ذلك، تحوّل التركيز من شعار «إزالة السلاح» إلى مقاربة أكثر مرونة تقوم على «منع استخدامه». ورغم ما تحمله هذه الصيغة من غموض، فإنها تعكس اعترافًا أمريكيًا بتعقيدات الواقع الميداني، وسعيًا لبناء آليات ردع ورقابة تقلّص قدرة هذه القوى على استخدام السلاح، بدل السعي إلى انتزاعه بالقوة.

واشنطن تحت ضغط الواقع

هذه المقاربة تُظهر الولايات المتحدة، على نحو غير مباشر، بوصفها طرفًا يخضع لضغط الواقع، لا العكس فقط. فبعد استخدام أقصى درجات التهديد والتهويل، لا تنتقل واشنطن بالضرورة إلى تنفيذ تهديداتها حين يرفض الطرف المقابل الخضوع، بل تلجأ إلى استيعاب نتائج هذا الرفض والتكيّف معها، حتى وإن لم تحقّق الأهداف التي كانت تطمح إليها.

هذا النمط من السلوك السياسي يعبّر عن إدراك أمريكي بأن ميزان القوى على الأرض يفرض حدودًا واضحة للنفوذ، ويجعل من إدارة الأزمات خيارًا أكثر واقعية من حسمها عسكريًا.

عقدة المرحلة الثانية في غزة

في ساحة غزة تحديدًا، تثير هذه المقاربة قلقًا بالغًا لدى تل أبيب، خاصة في ما يتعلّق بالمرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار. فإسرائيل تربط انسحابها من نحو نصف مساحة القطاع، شرق «الخط الأصفر»، ونجاح نشر قوة دولية، بمدى فاعلية نزع سلاح «حماس».

غير أن الفصل بين مساري الانسحاب ونزع السلاح، كما تطرحه واشنطن عبر توم باراك، يضع الاحتلال أمام معضلة حقيقية. فمن جهة، يرفض الاحتلال البدء بالانسحاب دون ضمانات تتعلّق بسلاح المقاومة، ومن جهة أخرى، لا تستطيع الولايات المتحدة تمكين القوة الدولية من أداء دورها دون هذا الانسحاب. هذا التناقض البنيوي لا يبدو قابلًا للحل عبر مبعوث أمريكي، مهما علا شأنه، بل يُرجّح أن يُرحّل إلى طاولة اللقاء المرتقب بين ترامب ونتنياهو.

سوريا في صدارة الاهتمام

الملف السوري يحضر في زيارة توم باراك بأهمية لا تقل عن باقي الملفات، بل قد يتقدّمها في بعض جوانبه. فالمبعوث الأمريكي حمل رسالة واضحة مفادها أن إدارة ترامب ترفض فصل سوريا عن المعادلة الإقليمية، وترى في استقرار النظام الجديد برئاسة أحمد الشرع عنصرًا محوريًا في أي تسوية مستقبلية.

وقد عبّرت واشنطن، في أكثر من مناسبة، عن قلقها من التوغّلات الإسرائيلية المتكرّرة جنوب سوريا، لما تحمله من مخاطر تقويض جهود تثبيت الدولة السورية الجديدة. وهنا يتبلور جوهر الخلاف بين الطرفين: ففي حين تنظر الولايات المتحدة إلى الشرع كشريك محتمل في الاستقرار، ترى إسرائيل أن هذا النظام لا يزال عاجزًا، وربما غير راغب، في منع ما تعتبره تهديدات أمنية على حدودها الشمالية، وهو ما تستخدمه ذريعة لتبرير استمرار «العمليات الوقائية».

بهذا المعنى، تكشف زيارة توم باراك عن فجوة متزايدة بين الرؤية الأمريكية والإسرائيلية في أكثر من ساحة، وتؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد صراع مقاربات لا يقل تعقيدًا عن الصراع على الأرض.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

توم باراك في تل أبيب: جس نبض حول تعطيل سلاح المقاومة بدلا من نزعه - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°