شهدت محافظة السويداء، مساء الاثنين، خرقًا جديدًا لاتفاق وقف إطلاق النار، بعدما استهدف مسلحون مواقع تابعة لقوى الأمن السوري بقذائف الهاون في منطقة تل حديد بريف المحافظة الغربي، وفق ما أفادت به قناة «الإخبارية السورية» نقلًا عن مصدر أمني. القصف، الذي لم تُعلن نتائجه حتى الآن، جاء ليؤكد هشاشة الترتيبات الأمنية السارية منذ يوليو 2025، والتي وُقعت عقب اشتباكات دامية بين عشائر بدوية ومجموعات درزية مسلحة أسفرت عن مئات القتلى والجرحى.
هذا التطور لا يمكن فصله عن سلسلة اعتداءات سبقت الحادث، شملت استهداف نقاط أمنية بطائرات مسيّرة انتحارية، وقصف سيارات للأمن الداخلي في بلدات المزرعة وريف السويداء، ما يعكس نمطًا تصاعديًا من العمل المسلح المنظم، يتجاوز حوادث فردية أو انفلاتًا عابرًا.
طبيعة الفاعلين المسلحين
تشير الوقائع الميدانية إلى أن الفاعلين في السويداء ليسوا كتلة واحدة متجانسة، بل خليط من فصائل محلية مسلحة، وعصابات جريمة منظمة، وفلول أجهزة أمنية للنظام السابق، تعمل أحيانًا تحت عناوين دينية أو اجتماعية. ويبرز في هذا السياق «الحرس الوطني» المرتبط بشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، بوصفه فاعلًا مركزيًا يمتلك السلاح والنفوذ، ويمارس دورًا أمنيًا موازيًا للدولة.
الاتهامات الموجهة للحرس الوطني لا تقتصر على استهداف قوى الأمن، بل تمتد إلى تصفية معارضين محليين، كما في اغتيال الشاعر والناشط السياسي أنور فوزات الشاعر في قرية بوسان، وسط اتهامات مباشرة من مدير الأمن الداخلي في السويداء سليمان عبد الباقي للحرس بالمسؤولية عن الجريمة، على خلفية مواقف نقدية كان الضحية قد عبّر عنها ضد الفصائل المسلحة المحلية وارتباطاتها الأمنية السابقة.

السويداء وهشاشة الترتيبات الأمنية
تكشف أحداث السويداء أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يكن سوى تسوية هشة، فُرضت لاحتواء انفجار مؤقت، دون معالجة الجذور البنيوية للأزمة. فغياب سلطة أمنية موحدة، ووجود قوى مسلحة تفرض أمرًا واقعًا، جعلا التهدئة رهينة توازنات محلية قابلة للانهيار مع أي احتكاك سياسي أو أمني.
كما أن سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، رغم كونه تحولًا تاريخيًا، ترك فراغًا أمنيًا في مناطق عدة، أبرزها الجنوب السوري، حيث أعادت شبكات المصالح القديمة إنتاج نفسها بأشكال جديدة، مستفيدة من حساسية التركيبة الاجتماعية، ورفع شعارات «الحماية الذاتية» لتبرير احتكار السلاح.
تداعيات الفوضى على الجنوب
لا تقتصر تداعيات الانفلات الأمني في السويداء على حدود المحافظة، بل تمتد إلى كامل الجنوب السوري، الذي يشكل عقدة جغرافية وأمنية حساسة. استمرار الفوضى يهدد بفتح مسارات تهريب، وتنامي نفوذ جماعات الجريمة المنظمة، ويمنح أطرافًا إقليمية، وعلى رأسها إسرائيل، فرصًا للتدخل غير المباشر تحت عناوين «حماية الأقليات» أو «منع الفوضى».
في الوقت نفسه، يفاقم الوضع من معاناة المدنيين، الذين عانوا موجات نزوح، وعمليات تصفية واعتقال، ويجدون أنفسهم عالقين بين سلطة الدولة الحذرة من الاقتحام، وسلطة السلاح المحلي الذي يفرض طوقًا أمنيًا ويمنع الحركة، كما حدث في بلدة بوسان عقب اغتيال الشاعر أنور الشاعر.
صراع على القرار المحلي
تُظهر التطورات أن السويداء باتت ساحة صراع على القرار المحلي، بين الدولة الساعية لاستعادة سيادتها دون الانزلاق إلى حرب أهلية مصغرة، وفصائل مسلحة تحاول تكريس استقلال أمني وسياسي، وصل حد التلويح بالانفصال وطلب «حكم ذاتي»، مع تلميحات بدعم إسرائيلي، وفق تصريحات منسوبة لحكمت الهجري.
هذا الصراع مرشح للتصعيد ما لم تُحسم مسألة السلاح خارج إطار الدولة، وتُفكك شبكات النفوذ المرتبطة بالنظام السابق، ويُفتح مسار سياسي وأمني يعيد دمج السويداء في الدولة السورية على أسس جديدة، تضمن الأمن والعدالة، وتمنع تحويل الجنوب إلى بؤرة فوضى مفتوحة.










