رحّب قادة أوروبيون بما وصفوه بـ«تقدم ملموس» في الجهود التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى «سلام عادل ودائم في أوكرانيا»، وذلك وفق بيان مشترك صدر يوم الإثنين في برلين. ويعكس هذا الترحيب الأوروبي محاولة لإعادة التموضع السياسي في ظل تطورات دبلوماسية تقودها واشنطن، وسط حرب لا تزال مفتوحة على احتمالات التصعيد.
البيان المشترك حمل نبرة دعم حذرة، إذ أشار إلى أن هذا التقدم لا يزال مرتبطًا بسلسلة من الشروط السياسية والأمنية، وعلى رأسها ضمانات أمنية واضحة لأوكرانيا، بما يحفظ التوازن الأمني الأوروبي ويمنع أي تغيير قسري في الحدود الدولية.
تنسيق عبر الأطلسي
حمل البيان توقيع عدد من أبرز القادة الأوروبيين، بينهم المستشار الألماني فريدريش ميرتس، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين. وأكد الموقعون وجود «عمل مكثف» جرى خلال الأيام والأسابيع الماضية بين فريقي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والرئيس ترامب، إلى جانب فرق أوروبية.
ويعكس هذا التنسيق المتعدد الأطراف سعيًا أوروبيًا للانخراط المباشر في صياغة أي تسوية محتملة، خشية أن تنفرد أمريكا بتفاهمات قد لا تراعي بالكامل الهواجس الأمنية والسياسية للقارة الأوروبية.
تقاطع المواقف الدولية
أوضح القادة أنهم اتفقوا على العمل المشترك مع ترامب وزيلينسكي «للوصول إلى سلام دائم يحفظ سيادة أوكرانيا وأمن أوروبا»، مشيرين إلى وجود «تقارب قوي» بين أمريكا وأوكرانيا وأوروبا في هذه المرحلة. ويُنظر إلى هذا التقارب بوصفه محاولة لإظهار جبهة غربية موحدة في مواجهة روسيا.
ويأتي هذا التأكيد في سياق سياسي حساس، حيث تسعى العواصم الأوروبية إلى منع أي انقسامات داخل المعسكر الغربي، خصوصًا في ظل اختلاف المقاربات السابقة بين أوروبا وواشنطن حول إدارة الحرب ومسارات إنهائها.
أمن أوكرانيا وأوروبا
شدد البيان على أن «ضمان أمن أوكرانيا وسيادتها وازدهارها يُعد عنصرًا أساسيًا للأمن الأورو-أطلسي الأوسع»، معتبرًا أن أوكرانيا تستحق «مستقبلًا مزدهرًا ومستقلًا وذا سيادة، خاليًا من الخوف من أي عدوان روسي مستقبلي».
ويعكس هذا الطرح استمرار ربط الملف الأوكراني بالأمن الأوروبي الشامل، في محاولة لتبرير الانخراط العميق في دعم كييف سياسيًا وعسكريًا، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد.
ضمانات أمنية وعسكرية
ضمن أي اتفاق محتمل لإنهاء الحرب، أشار البيان إلى التزامات أمريكية وأوروبية بتقديم «ضمانات أمنية قوية وتدابير دعم للتعافي الاقتصادي». وتشمل هذه الالتزامات دعمًا مستدامًا لبناء القوات المسلحة الأوكرانية، على أن «تبقى عند مستوى سلمي قوامه 800 ألف جندي».
كما تضمن المقترح إنشاء «قوة متعددة الجنسيات بقيادة أوروبية» تحت مسمى «القوة متعددة الجنسيات لأوكرانيا»، تعمل ضمن إطار «تحالف الراغبين»، وبدعم مباشر من أمريكا، في خطوة تعكس سعي أوروبا للعب دور أمني ميداني أكثر فاعلية.
آليات رقابة وردع
يتضمن التصور المطروح أيضًا إنشاء «آلية أمريكية لقيادة مراقبة وقف إطلاق النار والتحقق منه، بمشاركة دولية». ويهدف هذا الإطار إلى ضمان الالتزام بأي تهدئة محتملة، ومنع الانزلاق مجددًا نحو المواجهة العسكرية المفتوحة.
كما تحدث البيان عن التزام قانوني مُلزم بالرد على أي هجوم مسلح مستقبلي، وقد يشمل ذلك «استخدام القوة المسلحة، وتقديم الدعم الاستخباراتي واللوجستي»، وهو ما يفتح الباب أمام تدخلات عسكرية مباشرة في حال انهيار أي اتفاق.
إعادة الإعمار والعقوبات
أكد القادة الأوروبيون أنهم سيستثمرون في تعافي أوكرانيا وإعادة إعمارها، في وقت أشار فيه البيان إلى أن «الأصول السيادية الروسية داخل الاتحاد الأوروبي قد جرى تجميدها». ويُنظر إلى هذه الأصول بوصفها ورقة ضغط اقتصادية وسياسية في أي تسوية قادمة.
ويأتي هذا التأكيد في ظل نقاش أوروبي متصاعد حول كيفية استخدام هذه الأموال، سواء لدعم أوكرانيا مباشرة أو لتمويل عمليات إعادة الإعمار، وسط مخاوف قانونية وسياسية من تبعات هذه الخطوة.
الانضمام للاتحاد الأوروبي
أعلن القادة دعمهم القوي لانضمام أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل جزءًا من الضمانات السياسية طويلة الأمد لمستقبل البلاد. ويُعد هذا الموقف رسالة سياسية مباشرة إلى موسكو، بأن أوكرانيا تُدفع باتجاه الاندماج الكامل في الفضاء الأوروبي.
غير أن هذا الدعم، رغم رمزيته السياسية، لا يلغي التعقيدات القانونية والاقتصادية المرتبطة بعملية الانضمام، والتي قد تستغرق سنوات طويلة حتى في حال انتهاء الحرب.
الحدود والسيادة
جدّد البيان التأكيد على أن «الحدود الدولية لا يجوز تغييرها بالقوة»، وأن «القرارات المتعلقة بالأراضي تعود للشعب الأوكراني»، وذلك بعد توفير الضمانات الأمنية اللازمة. ويهدف هذا النص إلى نزع الشرعية عن أي مكاسب إقليمية تحققت بالقوة العسكرية.
وفي هذا السياق، شدد القادة على مبدأ أن «لا شيء متفق عليه حتى يتم الاتفاق على كل شيء»، في إشارة إلى أن أي تسوية جزئية لن تكون نهائية قبل التوصل إلى اتفاق شامل.
الضغط على روسيا
حمّل البيان روسيا مسؤولية إظهار الجدية في مسار السلام، معتبرًا أن الكرة باتت في ملعب موسكو، عبر الموافقة على خطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب، والالتزام بوقف إطلاق النار. ويعكس هذا الخطاب محاولة غربية لإعادة توجيه الضغوط السياسية نحو روسيا.
ويأتي ذلك في وقت تستمر فيه العمليات العسكرية، ما يجعل أي حديث عن سلام مشروطًا بمدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات فعلية على الأرض.
مباحثات برلين الأوروبية
انطلقت، يوم الأحد، محادثات في برلين بمشاركة ممثلين عن أمريكا وأوكرانيا وعدد من الدول الأوروبية، في إطار مشاورات مكثفة حول سبل إنهاء الحرب. واستمرت هذه المشاورات على أعلى المستويات السياسية في وقت لاحق من اليوم نفسه.
ومن المقرر أن يعقد الاتحاد الأوروبي، يوم الخميس المقبل، قمة خاصة لبحث مسألة استخدام الأصول الروسية المجمدة لدعم أوكرانيا، في خطوة قد تشكل محطة مفصلية في المسار الاقتصادي والسياسي للحرب.







