21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

محمد الصاوي يكتب: من سيدني إلى غزة: كيف تُعاد صياغة أولويات الخطاب الدولي بعد الهجمات الأمنية؟

في سياق الخطاب الدولي المحتدم، يعود هجوم بوندي بيتش في أستراليا ليطرح أسئلة أوسع حول كيفية توظيف الحوادث الأمنية في إعادة تشكيل أولويات الخطاب العالمي

بقلم: د. محمد الصاوي
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥
8 دقائق قراءة
7 مشاهدة
محمد الصاوي يكتب عن الخطاب الدولي

محمد الصاوي يكتب عن الخطاب الدولي

في سياق الخطاب الدولي المحتدم، يعود هجوم بوندي بيتش في أستراليا ليطرح أسئلة أوسع حول كيفية توظيف الحوادث الأمنية في إعادة تشكيل أولويات الخطاب العالمي، وكيف يتراجع النقاش حول الحروب والانتهاكات – وفي مقدمتها حرب غزة – لصالح سرديات الخوف والأمن والهوية.


وفي لحظة دولية شديدة الحساسية، جاء الهجوم المسلح الذي شهدته منطقة بوندي بيتش في مدينة سيدني الأسترالية ليُعيد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا–جديدًا حول العلاقة بين الأمن، والهوية، والسياسة الدولية. لم يكن الحدث في ذاته مجرد واقعة عنف مأساوية، بل تحوّل سريعًا إلى نقطة ارتكاز في خطاب سياسي وإعلامي أوسع، تجاوز حدود أستراليا ليُستثمر ضمن نقاشات عالمية متشابكة، تتقاطع فيها قضايا الإرهاب، ومعاداة السامية، والحرب الجارية في غزة.

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: ماذا حدث؟


بل: كيف أُعيد تعريف ما حدث داخل الفضاء الدولي؟

الخطاب الدولي.. من الواقعة الأمنية إلى الإطار الرمزي

بحسب المعلومات الأولية التي أعلنتها السلطات الأسترالية ووكالات أنباء دولية، وقع إطلاق نار استهدف تجمعًا خلال مناسبة دينية يهودية في محيط شاطئ بوندي، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، في واحد من أعنف الهجمات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. وقد وصفت الشرطة الأسترالية الهجوم بأنه فعل عنيف ذي دوافع كراهية معادية للسامية، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد الخلفيات والدوافع النهائية، دون تأكيد ارتباط المنفذين بأي تنظيم خارجي.

 

غير أن سرعة انتقال الحدث من نطاقه المحلي إلى الفضاء السياسي والإعلامي الدولي كانت لافتة. ففي غضون ساعات، لم يعد النقاش مقتصرًا على تفاصيل الجريمة أو أبعادها الجنائية، بل أُعيد تأطيرها ضمن سردية أوسع عن “التهديدات الأيديولوجية” و”التطرف العابر للحدود”، وهو ما يعكس آلية معروفة في دراسات الأمن تُعرف بـتسييس الأمن (Securitization)، حيث تتحول الحوادث الفردية إلى رموز تُحمَّل دلالات تتجاوز سياقها المباشر.

 

 الخطاب الدولي.. خطاب الإدانة: إجماع أخلاقي أم رسالة سياسية؟

أعقب الهجوم سيل من بيانات الإدانة الصادرة عن قادة دول غربية، أكدت جميعها على رفض معاداة السامية، وضرورة مواجهة الكراهية والعنف. هذا الإجماع الخطابي، من حيث المبدأ، يعكس موقفًا أخلاقيًا مفهومًا تجاه استهداف مدنيين على أساس ديني أو هوياتي.

 

لكن اللافت أن هذا الخطاب جاء متزامنًا مع تركيز سياسي وإعلامي متزايد على قضايا “التطرف الداخلي”، وتشديد السياسات الأمنية، في مقابل غياب أي ربط مباشر – أو حتى نقاش موازٍ – حول السياقات الدولية الأوسع التي تُسهم في تصاعد التوترات والهويات المتصادمة، وعلى رأسها الحرب في غزة وما تثيره من انقسامات حادة في الرأي العام الغربي نفسه.

 

هنا لا يمكن الحديث عن “مؤامرة” أو “تنسيق مسبق”، لكن يمكن – من منظور تحليلي – رصد نمط متكرر في كيفية توظيف الخطاب الأمني لإعادة ترتيب الأولويات السياسية والإعلامية.

 

 من العنف الفردي إلى التهديد الحضاري

رغم عدم ثبوت أي ارتباط تنظيمي دولي للهجوم حتى لحظة كتابة هذه السطور، فإن بعض التغطيات والتعليقات السياسية ذهبت إلى ما هو أبعد من توصيف الحدث، عبر إدراجه ضمن خطاب أوسع عن “الخطر الأيديولوجي” و”التهديد الثقافي”.

هذا الانتقال من توصيف فعل عنيف محدد إلى تعميم حضاري ينطوي على مخاطر متعددة، أبرزها:
-    تسييل المسؤولية من الفاعل الفردي إلى جماعات أوسع.
-تعزيز مناخ الخوف داخل المجتمعات المتعددة ثقافيًا.
-تبرير سياسات استثنائية باسم الأمن، غالبًا على حساب الحريات المدنية.

 

وهو مسار حذّرت منه مرارًا دراسات غربية صادرة عن مراكز أبحاث مرموقة، اعتبرت أن تحويل الخوف إلى أداة سياسية يُفضي، على المدى الطويل، إلى نتائج عكسية تمس التماسك الاجتماعي ذاته.

 

حين تُربك الوقائع السردية الجاهزة

من بين أكثر المشاهد دلالة في هجوم بوندي بيتش، لم يكن فعل العنف ذاته، بل الفعل الذي واجهه من داخل الحدث. فقد أظهرت مقاطع موثّقة وتقارير إعلامية دولية أن أحد المدنيين الذين تصدّوا للمهاجمين وانتزعوا سلاح أحدهم كان أحمد الأحمد، وهو مسلم من أصول سورية، بحسب ما نقلته وسائل إعلام غربية عدة. هذا التدخل الفردي، الذي حظي بإشادة رسمية أسترالية بوصفه مساهمة في الحد من سقوط ضحايا إضافيين، شكّل في لحظته سردية مضادّة تلقائية أربكت محاولات التعميم التي رافقت الساعات الأولى للهجوم.

 

تكمن أهمية هذه الواقعة ليس فقط في بعدها الإنساني، بل في أثرها الرمزي والسياسي. فبينما اندفع جزء من الخطاب الإعلامي والسياسي نحو إعادة استدعاء قوالب جاهزة تربط العنف بهويات دينية بعينها، جاءت هذه اللحظة لتكشف هشاشة هذا الربط، وتُظهر كيف يمكن لحدث واحد داخل المشهد نفسه أن يقيّد فاعلية الخطاب الذي يصوّر المسلمين بوصفهم مصدر التهديد. هنا لا يعود “الأمن” توصيفًا محايدًا للواقع، بل يتحول إلى ميدان تتصارع فيه السرديات، وقدرة الوقائع غير المتوقعة على تقويضها.


غزة في الخلفية: صراع السرديات لا يتوقف

لا يمكن عزل التفاعل الدولي مع هجوم بوندي بيتش عن السياق العالمي الأوسع، حيث تتصاعد منذ أشهر الضغوط القانونية والسياسية على إسرائيل بسبب حربها على قطاع غزة، بما في ذلك قضايا مرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، ونقاشات متزايدة حول التناسب، والمسؤولية، والقانون الإنساني الدولي.

 

في هذا المناخ، تبرز الحوادث الأمنية داخل الدول الغربية – خاصة حين تُربط بمعاداة السامية – كعناصر فاعلة في إعادة توجيه النقاش العام:


من مساءلة الخطاب الدولي وسلوكها العسكري، إلى التركيز على الأمن الداخلي، والخوف، والتهديدات المجتمعية.

 

هذا التحول في زاوية النظر لا يلغي فداحة أي اعتداء على مدنيين، لكنه يُظهر كيف تتنافس السرديات على احتلال مركز الاهتمام العالمي.

 

 المفارقة المعيارية: عنف يُبرَّر وآخر يُعمَّم

تكشف هذه اللحظة عن مفارقة أخلاقية عميقة في النظام الدولي المعاصر. فبينما يُنظر إلى العنف الذي تمارسه دول قوية في سياقات معينة بوصفه “دفاعًا عن النفس” أو “ضرورة أمنية”، يُحمَّل العنف الفردي – حين يقع داخل مجتمعات غربية – دلالات ثقافية ودينية أوسع، تُستخدم أحيانًا لتبرير تضييق سياسي واجتماعي.

 

هذه الازدواجية لا تُضعف فقط مصداقية الخطاب الغربي حول حقوق الإنسان، بل تُغذي أيضًا شعورًا متزايدًا بالظلم والانتقائية في تطبيق المعايير الدولية.

 

الحدث ليس بريئًا من معناه

هجوم بوندي بيتش مأساة إنسانية بكل المقاييس، ولا يمكن التقليل من فداحته أو من حق الضحايا في العدالة. لكنه في الوقت ذاته مثال حيّ على الكيفية التي تتحول بها الأحداث الأمنية إلى أدوات في صراع أوسع على المعنى والسرد.

في عالم تحكمه سرعة الخبر وقوة الصورة، لم يعد السؤال الأهم هو ما الذي وقع فقط، بل: كيف يُروى؟ ولمصلحة أي سردية؟


-  المصادر

 

( أولًا: وكالات أنباء دولية
    •    رويترز (2025): ارتفاع حصيلة القتلى بعد إطلاق نار جماعي في شاطئ بوندي بسيدني.
متاح على:
‏https://www.reuters.com/world/asia-pacific/death-toll-climbs-16-after-mass-shooting-sydneys-bondi-beach-2025-12-14
    •    رويترز (2025): نتنياهو يتهم رئيس الوزراء الأسترالي بتأجيج معاداة السامية بعد هجوم سيدني.
متاح على:
‏https://www.reuters.com/world/asia-pacific/israels-netanyahu-accuses-australian-pm-fuelling-antisemitism-2025-12-14

 ثانيًا: وسائل إعلام دولية
    •    الجزيرة نت (2025): أستراليا تعلن تفاصيل بشأن منفذي هجوم بوندي بيتش.
‏https://www.aljazeera.net/news/2025/12/15
    •    يورونيوز (2025): قادة العالم يدينون هجومًا معاديًا للسامية في أستراليا.
‏https://www.euronews.com/2025/12/14/world-leaders-condemn-antisemitic-terror-after-deadly-bondi-beach-shooting

 ثالثًا: تصريحات رسمية غربية
    •    ألبانيز، أنتوني (2025): بيان رئيس الوزراء الأسترالي حول الهجوم ومعاداة السامية.
(نقله موقع يورونيوز)
‏https://www.euronews.com/2025/12/14/world-leaders-condemn-antisemitic-terror-after-deadly-bondi-beach-shooting
    •    ماكرون، إيمانويل (2025): بيان الرئاسة الفرنسية بشأن الهجوم في سيدني.
المصدر نفسه.
    •    ميرتس، فريدريش (2025): تصريح حكومي ألماني حول الهجوم.
‏https://www.masrtimes.com/634908
    •    ترامب، دونالد (2025): تصريحات حول حادث سيدني.
‏https://www.masrawy.com/news/news_publicaffairs/details/2025/12/15/2907899

 

رابعًا: مراكز أبحاث وفكر غربية (Strategic Think Tanks)
    •    Foreign Affairs (2024):
The West’s Narrative War: How Security Discourse Shapes Global Politics
https://www.foreignaffairs.com
 
    •    Brookings Institution (2024):
Terrorism, Political Violence, and the Weaponization of Fear in Western Democracies
https://www.brookings.edu
 
    •    Chatham House (RIIA) (2024):
Israel–Palestine, Global Opinion, and the Crisis of Moral Consistency
https://www.chathamhouse.org

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

محمد الصاوي يكتب: من سيدني إلى غزة: كيف تُعاد صياغة أولويات الخطاب الدولي بعد الهجمات الأمنية؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°