رحّبت مصر باعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية ساحقة، قرارين يؤكدان الحقوق المشروعة وغير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، في خطوة عكست اتساع دائرة الإجماع الدولي حول عدالة القضية الفلسطينية، وضرورة احترام قواعد ومبادئ القانون الدولي في مواجهة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي. وجاء الترحيب المصري بوصف القرارين تطورًا سياسيًا وقانونيًا مهمًا يعيد تثبيت الحقوق الفلسطينية في المحافل الدولية.
القرار الأول يتصل بالسيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، فيما يؤكد القرار الثاني حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بما يشكل رسالة سياسية واضحة بأن المجتمع الدولي، رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، لا يزال متمسكًا بجوهر القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني وحقوق غير قابلة للتصرف.
أسس قانونية راسخة
أكدت مصر أن القرارين يستندان إلى مرجعيات قانونية دولية صلبة، في مقدمتها انطباق اتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على الأرض الفلسطينية المحتلة، وهو ما يضع ممارسات الاحتلال تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية. ويعني ذلك أن إسرائيل، كقوة احتلال، ملزمة قانونًا بحماية السكان المدنيين وعدم استغلال الأرض أو الموارد.
كما شددت القاهرة على أن القرارين يستندان إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في 19 يوليو 2024، والذي أكد عدم مشروعية استمرار الاحتلال الإسرائيلي وما يرتبط به من سياسات وممارسات، وعلى رأسها الاستيطان، وبناء الجدار العازل، والاستغلال غير القانوني للموارد الطبيعية الفلسطينية. ويُعد هذا الرأي أحد أخطر الضربات القانونية التي وُجهت للاحتلال منذ عقود.
مصر تدعم السيادة الفلسطينية
أبرزت مصر أن السيادة الدائمة للشعب الفلسطيني على أرضه وموارده الطبيعية تمثل حقًا أصيلًا وغير قابل للتصرف، ولا يمكن تقييده أو الانتقاص منه تحت أي ذريعة أمنية أو سياسية. ورفضت القاهرة بشكل قاطع كل الممارسات الإسرائيلية التي تستهدف تقويض هذه الحقوق، سواء عبر نهب الموارد أو فرض وقائع استيطانية جديدة على الأرض.

وجددت مصر مطالبتها بوقف الاستغلال الإسرائيلي للموارد الفلسطينية، وتحميل إسرائيل مسؤولياتها القانونية الكاملة، بما في ذلك التعويض عن الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني جراء هذه السياسات، وما تسببه من تدمير واسع للبيئة الفلسطينية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني والبيئي.
التصويت وعزلة الاحتلال
حظي القرار الخاص بحق تقرير المصير بتأييد 164 دولة، في مقابل معارضة ثماني دول فقط، من بينها إسرائيل وأمريكا، وهو ما اعتبرته القاهرة مؤشرًا إضافيًا على العزلة السياسية المتزايدة للاحتلال وحلفائه. ويكشف هذا التصويت حجم الهوة بين الموقف الدولي العام وبين السياسات الأمريكية المنحازة لإسرائيل.
ويمثل هذا الدعم الكاسح إحراجًا سياسيًا متجددًا لتل أبيب، ويعزز المسار القانوني والدبلوماسي الفلسطيني في مواجهة محاولات طمس الحقوق أو فرض تسويات قسرية تتجاهل جوهر الصراع.
حل الدولتين والتمييز القانوني
أكدت مصر أهمية ما ورد في القرارين من دعوة صريحة لالتزام الدول بقرار مجلس الأمن رقم 2234، وضرورة التمييز الواضح بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة. واعتبرت القاهرة أن هذا التمييز يشكل ركيزة أساسية للحفاظ على حل الدولتين ومنع تكريس واقع الاحتلال أو شرعنة أي أوضاع غير قانونية فرضها بالقوة.
ويعكس هذا الموقف تمسك مصر بالإطار القانوني الدولي باعتباره السبيل الوحيد لحماية الحقوق الفلسطينية، في مواجهة محاولات الاحتلال فرض حلول أحادية الجانب أو إعادة تعريف الصراع خارج مرجعياته القانونية.
دعم سياسي ودبلوماسي مستمر
جددت مصر دعمها الكامل للشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، مؤكدة استمرار جهودها السياسية والدبلوماسية الهادفة إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف، وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
ويأتي هذا التأكيد في سياق دور مصري نشط إقليميًا ودوليًا، يسعى إلى منع تصفية القضية الفلسطينية أو تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية.
غزة ووقف النار
في السياق نفسه، شدد وزير الخارجية المصري على أهمية ضمان استدامة وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، بما يسهم في تثبيت التهدئة ومنع تجدد العدوان الإسرائيلي على القطاع.
وخلال اتصال هاتفي مع نظيره المجري بيتر سيارتو، أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ضرورة التنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 2803، والإسراع في نشر قوة الاستقرار الدولية المؤقتة لمراقبة وقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وتهيئة بيئة آمنة داخل القطاع، في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية والمجازر التي يتعرض لها الفلسطينيون منذ أكتوبر 2023.
ويعكس هذا الموقف المصري محاولة لربط المسار السياسي والقانوني بالمسار الميداني، في مواجهة سياسة إسرائيل القائمة على فرض الوقائع بالقوة، بدعم أمريكي مباشر، على حساب القانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني.








