4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

واشنطن تضغط لإقحام باكستان في غزة: قوة عسكرية بأهداف سياسية ملتبسة

هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام ارتدادات داخلية حادة في باكستان، في بلد يتمتع فيه الشارع بحساسية عالية تجاه أي دور يُفهم باعتباره يخدم إسرائيل أو الرؤية الأمريكية للصراع.

بقلم: عمرو المصري
١٧ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
باكستانيون يحملون صورا لقائد الجيش عاصم منير - رويترز

باكستانيون يحملون صورا لقائد الجيش عاصم منير - رويترز

يواجه أقوى قائد عسكري في باكستان منذ عقود، المشير عاصم منير، أخطر اختبار فعلي لصلاحياته الواسعة التي راكمها مؤخرًا، مع تصاعد الضغوط الأمريكية لدفع إسلام آباد إلى المساهمة بقوات عسكرية ضمن ما يُعرف بـ«قوة تثبيت الاستقرار في غزة». ووفق تقديرات محللين، فإن هذه الخطوة قد تفتح الباب أمام ارتدادات داخلية حادة، في بلد يتمتع فيه الشارع بحساسية عالية تجاه أي دور يُفهم باعتباره يخدم إسرائيل أو الرؤية الأمريكية للصراع.

وبحسب مصدرين تحدثا لوكالة «رويترز»، من المتوقع أن يتوجه منير إلى واشنطن خلال الأسابيع المقبلة للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ثالث اجتماع بينهما خلال ستة أشهر فقط. ومن المرجح أن يتركز اللقاء على ملف غزة، خصوصًا مسألة مساهمة باكستان بقوات ضمن الترتيبات الأمنية التي تسعى واشنطن لفرضها على القطاع بعد الحرب.

خطة ترامب لغزة

تنص خطة ترامب ذات النقاط العشرين على تشكيل قوة من دول ذات أغلبية مسلمة، تتولى الإشراف على مرحلة انتقالية في غزة، تمهيدًا لإعادة الإعمار والانتعاش الاقتصادي في القطاع الذي دمرته أكثر من عامين من القصف العسكري الإسرائيلي المتواصل. وتقدّم الخطة هذا الترتيب بوصفه مسارًا «أمنيًا وتنمويًا»، لكنها في جوهرها تعيد تعريف السيطرة على غزة تحت مظلة دولية تقودها واشنطن.

غير أن دولًا عديدة تبدي حذرًا شديدًا من الانخراط في هذه المهمة، لا سيما أنها تتضمن عمليًا نزع سلاح حركة «حماس»، وهو ما قد يجر هذه الدول إلى قلب الصراع، ويشعل غضب قواعدها الشعبية المؤيدة لفلسطين والمعادية لإسرائيل.

منير وترامب

رغم هذه التعقيدات، نجح عاصم منير في بناء علاقة وثيقة مع ترامب، في محاولة لترميم سنوات من عدم الثقة بين واشنطن وإسلام آباد. وفي يونيو الماضي، تُرجمت هذه العلاقة بلقاء لافت في البيت الأبيض، حيث استضاف ترامب قائد الجيش الباكستاني على مأدبة غداء خاصة، في سابقة هي الأولى من نوعها، إذ لم يسبق لرئيس أمريكي أن استقبل قائد الجيش الباكستاني منفردًا دون حضور مسؤولين مدنيين.

ويرى مايكل كوغلمن، الباحث البارز في شؤون جنوب آسيا في «المجلس الأطلسي» بواشنطن، أن امتناع باكستان عن المساهمة في قوة غزة قد يثير غضب ترامب، «وهو أمر لا يمكن التقليل من شأنه بالنسبة لدولة تبدو حريصة للغاية على البقاء ضمن دائرة رضاه، خاصة لضمان الاستثمارات الأمريكية والمساعدات الأمنية».

باكستان قوة عسكرية معتبرة

تُعد باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، كما يتمتع جيشها بخبرة قتالية واسعة، بعد خوضه ثلاث حروب مع الهند، إضافة إلى نزاع قصير هذا الصيف. كما واجه الجيش تمردات مسلحة في أقاليم بعيدة، ويخوض حاليًا مواجهة قاسية مع جماعات إسلامية مسلحة تقول إسلام آباد إنها تنطلق من الأراضي الأفغانية.

هذه الخلفية العسكرية الثقيلة تضع، بحسب الكاتبة والمحللة الدفاعية عائشة صديقية، «ضغطًا أكبر على منير لإثبات قدرته على توظيف هذه القوة»، معتبرة أن مكانة الجيش الباكستاني تجعله مرشحًا دائمًا لأدوار إقليمية تتجاوز حدوده.

ورغم ذلك، امتنعت وزارة الدفاع والخارجية ووزارة الإعلام الباكستانية عن الرد على استفسارات «رويترز»، كما لم يصدر تعليق عن البيت الأبيض. في المقابل، قال وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار الشهر الماضي إن بلاده قد تنظر في إرسال قوات لحفظ السلام، لكنه شدد على أن «نزع سلاح حماس ليس من مهامنا».

سلطة غير مسبوقة

في وقت سابق من هذا الشهر، جرى تعيين منير قائدًا عامًا لقوات الدفاع، ليشرف على القوات الجوية والبحرية إلى جانب الجيش، مع تمديد ولايته حتى عام 2030. وسيحتفظ بلقب المشير مدى الحياة، فضلًا عن تمتعه بحصانة دائمة من أي ملاحقة جنائية، بموجب تعديلات دستورية دفعتها الحكومة المدنية عبر البرلمان أواخر الشهر الماضي.

ويعلق كوغلمن على ذلك بالقول إن «قليلين في باكستان يملكون رفاهية المجازفة أكثر من منير. إنه يمتلك سلطة مطلقة، محمية دستوريًا». ويضيف: «في نهاية المطاف، ستكون هذه قواعد منير، وقواعده وحده».

مخاطر الداخل في باكستان

خلال الأسابيع الماضية، عقد منير لقاءات مع قادة عسكريين ومدنيين من دول مثل إندونيسيا وماليزيا والسعودية وتركيا والأردن ومصر وقطر، وفق بيانات الجيش الباكستاني. وترى عائشة صديقية أن هذه اللقاءات تبدو جزءًا من مشاورات حول تشكيل قوة غزة وتوزيع أدوارها.

لكن التحدي الأكبر يظل داخليًا. فإشراك قوات باكستانية في غزة ضمن خطة مدعومة أمريكيًا قد يعيد إشعال احتجاجات واسعة تقودها أحزاب إسلامية معادية بشدة لأمريكا وإسرائيل، وتمتلك قدرة حقيقية على حشد الآلاف في الشارع.

وقد حظرت السلطات في أكتوبر الماضي حزبًا إسلاميًا متشددًا معروفًا بعدائه العنيف لإسرائيل، واعتقلت قياداته وأكثر من 1500 من أنصاره، وصادرت أصوله المالية، وفق مسؤولين حكوميين. ورغم الحظر، فإن الأيديولوجيا التي يمثلها الحزب لا تزال حاضرة بقوة في المجتمع.

إلى جانب ذلك، يقف حزب رئيس الوزراء السابق عمران خان، المسجون حاليًا، في موقع خصومة مفتوحة مع منير. ورغم اعتقال قياداته، فإن أنصاره فازوا بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات 2024، ويتمتعون بقاعدة شعبية واسعة.

تحذيرات مبكرة

يحذر عبد الباسط، الباحث في كلية إس. راجاراتنام للدراسات الدولية في سنغافورة، من أن أي تصعيد ميداني بعد نشر قوة غزة سيؤدي سريعًا إلى أزمة داخلية في باكستان. ويضيف: «سيقول الناس إن عاصم منير ينفذ أجندة إسرائيل. ومن السذاجة ألا يتوقع أحد ذلك».

بهذا المعنى، لا تبدو مسألة مشاركة باكستان في «قوة تثبيت الاستقرار» مجرد قرار أمني أو التزام دولي، بل مقامرة سياسية كبرى، قد تعيد رسم موقع إسلام آباد إقليميًا، وتضع توازنها الداخلي على المحك، في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

واشنطن تضغط لإقحام باكستان في غزة: قوة عسكرية بأهداف سياسية ملتبسة - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°