20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قلق إسرائيلي من هجرة الأدمغة: عدد الأكاديميين المهاجرين أكبر من القادمين

للمرة الأولى منذ تأسيس كيان الاحتلال، تجاوز عدد الأكاديميين المهاجرين عدد القادمين، في مؤشر صريح على اختلال عميق في قدرة إسرائيل على الاحتفاظ برأسمالها البشري الأكثر حساسية.

بقلم: عمرو المصري
١٨ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
16 مشاهدة
موظف في مطار بن غوريون الإسرائيلي يجلس في صالة الوصول في يونيو 2025 (رويترز)

موظف في مطار بن غوريون الإسرائيلي يجلس في صالة الوصول في يونيو 2025 (رويترز)

كشفت معطيات رسمية صادرة عن «دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية» عن تفاقم غير مسبوق في ظاهرة هجرة الأدمغة منذ اندلاع الحرب على غزة، إلى حد بات يُشكّل تهديدًا استراتيجيًا مباشرًا للمؤسسات الأكاديمية والبحثية في إسرائيل. وللمرة الأولى منذ تأسيس كيان الاحتلال الإسرائيلي، تجاوز عدد الأكاديميين المهاجرين عدد القادمين، في مؤشر صريح على اختلال عميق في قدرة إسرائيل على الاحتفاظ برأسمالها البشري الأكثر حساسية.

ووفقًا للبيانات، فإن نحو ربع الأكاديميين الحاصلين على شهادة الدكتوراه غادروا إسرائيل للعمل والعيش في الخارج خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مع تسجيل قفزة واضحة في معدلات الهجرة بعد اندلاع الحرب على غزة. وتؤكد هذه الأرقام أن الظاهرة لم تعد هامشية أو مؤقتة، بل تحولت إلى مسار هيكلي متصاعد يهدد مستقبل البحث العلمي والاقتصاد المعرفي الإسرائيلي.

خصائص الهجرة الأكاديمية

تُظهر المعطيات أن هجرة الأدمغة لا تقتصر على فئات هامشية أو مناطق طرفية، بل تطال بالأساس الأكاديميين الشبان المنحدرين من بلدات مستقرة اقتصاديًا واجتماعيًا، وعلى رأسها تل أبيب ووسط إسرائيل. ويُلاحظ أن الغالبية الساحقة من المغادرين هم باحثون في ذروة قدرتهم الإنتاجية، ممن يُفترض أن يشكلوا العمود الفقري لتطوير الاقتصاد والبحث العلمي.

معهد «وايزمان» للعلوم في إسرائيل إثر تضرره من قصف إيراني يونيو 2025 (نيويورك تايمز).jpeg
معهد «وايزمان» للعلوم في إسرائيل إثر تضرره من قصف إيراني يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

 

وتشير الإحصاءات إلى ارتفاع لافت في هجرة الباحثين القادرين على الاندماج السريع في مؤسسات بحثية دولية، مستفيدين من الطلب العالمي المتزايد على الكفاءات العلمية، مقابل بيئة محلية باتت أقل جذبًا، وأكثر اضطرابًا سياسيًا واقتصاديًا وأكاديميًا.

التخصصات الأكثر تضررًا

بحسب التقرير المفصل الصادر عن دائرة الإحصاء، سجلت أعلى نسب الهجرة بين حملة الدكتوراه في التخصصات الدقيقة والحساسة. فقد بلغت نسبة المهاجرين من حملة الدكتوراه في الرياضيات 25.4 في المائة، تلتها علوم الحاسوب بنسبة 21.7 في المائة، ثم علم الوراثة بنسبة 19.4 في المائة.

كما شملت الظاهرة 17.3 في المائة من المتخصصين في علم الأحياء الدقيقة، و17 في المائة من الفيزياء، و14 في المائة من الكيمياء، إضافة إلى 14 في المائة من حملة الدكتوراه في هندسة الكهرباء والبيولوجيا. وتؤكد هذه الأرقام أن النزيف يتركز في القطاعات التي تعتمد عليها إسرائيل تقليديًا في التفوق التكنولوجي والعسكري والاقتصادي.

جامعات إسرائيل الأكثر فقدانًا للكفاءات

تكشف الإحصاءات أيضًا عن تفاوت في نسب الهجرة بين خريجي المؤسسات الأكاديمية. فقد انتقل 23 في المائة من خريجي الدكتوراه من معهد وايزمان للعلوم في رحوفوت للعيش والعمل خارج إسرائيل، و18.2 في المائة من خريجي التخنيون في حيفا، و15 في المائة من خريجي الدكتوراه في العلوم من جامعة تل أبيب.

كما شملت الظاهرة 10 في المائة من خريجي الدكتوراه من جامعة مستوطنة «أريئيل»، و7 في المائة من خريجي جامعة بار إيلان. وبصورة عامة، تشير المعطيات إلى أن 11.9 في المائة من حملة الدكتوراه الإسرائيليين يعيشون ويعملون حاليًا خارج البلاد، إضافة إلى 8.1 في المائة من حملة الماجستير الذين تخرجوا بين أعوام 1990 و2018، يُرجح أنهم غادروا إسرائيل بشكل دائم.

مؤشرات زمنية للتراجع

تُظهر البيانات أن التحول الحاد في مسار الهجرة الأكاديمية بدأ يتبلور منذ عام 2022، حيث طرأ تراجع ملحوظ في أعداد الأكاديميين العائدين إلى إسرائيل بعد إقامات طويلة في الخارج. وفي المقابل، شهد عام 2023، الذي انتهى باندلاع الحرب على غزة، ارتفاعًا واضحًا في عدد الأكاديميين الذين انتقلوا للعيش والعمل في الخارج لفترات طويلة.

كما تكشف المعطيات عن ارتفاع نسبة الباحثين الشبان من حملة الدكتوراه الذين أنهوا دراستهم بين أعوام 2014 و2018، وانتقلوا مباشرة إلى الخارج. ووفقًا لبيانات عام 2024، فإن 14.9 في المائة من الباحثين الشبان في العلوم الدقيقة والهندسة يعيشون ويعملون خارج إسرائيل، مقارنة بـ13.4 في المائة من خريجي أعوام 2011–2013.

الحرب ليست العامل الوحيد

ورغم أن الحرب على غزة شكّلت محفزًا مركزيًا لتسارع هجرة الأدمغة، إلا أن المعطيات تشير إلى أسباب أعمق وأكثر تراكمًا. من بين هذه الأسباب خطة الحكومة للانقلاب على نظام الحكم وجهاز القضاء، وما رافقها من أجواء عدم استقرار سياسي، إضافة إلى الهجوم المتواصل من حكومة بنيامين نتنياهو الحالية على الجامعات ومؤسسات البحث العلمي.

كما يُسجَّل تراجع حاد في ظروف العمل الأكاديمي، سواء من حيث الاستقلالية البحثية أو المكانة المجتمعية، بالتوازي مع تقليص ممنهج لميزانيات التعليم العالي، في مقابل تخصيص موارد ضخمة لمصالح فئوية لأحزاب الائتلاف الحاكم.

التمويل تحت الحصار

تتفاقم الأزمة مع تقليص الدعم الخارجي، إذ يُعد صندوق الأبحاث الأوروبي الممول الرئيسي للأبحاث في إسرائيل، وقد قلّص دعمه بشكل ملموس بسبب الحرب وتصاعد المقاطعة الأكاديمية. وفي الوقت ذاته، تعرض جامعات ومراكز أبحاث في الخارج رواتب أعلى وميزانيات دعم أوسع، ما يدفع الأكاديميين الإسرائيليين إلى تفضيل الاستقرار المهني خارج البلاد دون نية للعودة.

ميزانية تتآكل

بحسب المعطيات الرسمية، بلغت ميزانية التعليم العالي في إسرائيل لعام 2025 نحو 14 مليار شيقل، ومن المتوقع أن تبقى عند المستوى نفسه في 2026، رغم الانخفاض الواضح في مداخيل منح الأبحاث الخارجية. وخلال السنوات الخمس الأخيرة، خُفّضت ميزانية التعليم العالي بنحو 700 مليون شيقل نتيجة اقتطاعات متتالية.

ومؤخرًا، ومع افتتاح السنة الأكاديمية قبل أقل من شهرين، صادقت الحكومة على خفض إضافي قدره 40 مليون شيقل لتمويل زيادة مخصصة لوزارة الأمن القومي، وقبل ذلك بشهر، جرى خفض نحو 150 مليون شيقل أخرى من ميزانية التعليم العالي لصالح نفقات دعائية لوزارة الخارجية، في خطوة تعكس بوضوح أولويات الحكومة على حساب مستقبل البحث العلمي.

بهذا المشهد، تتقاطع الحرب، والسياسة، والاقتصاد، لتُنتج واحدة من أخطر الأزمات البنيوية التي تواجه إسرائيل، حيث يتحول التفوق الأكاديمي من مصدر قوة تاريخي إلى نقطة ضعف تتسع رقعتها عامًا بعد عام.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

قلق إسرائيلي من هجرة الأدمغة: عدد الأكاديميين المهاجرين أكبر من القادمين - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°