في مشهد سياسي أمريكي يزداد تعقيداً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتصاعد الأزمات الدولية، تبرز تصريحات دونالد ترامب حول "نجاحات ولايته السابقة" وقدرته على "إنهاء الحرب في غزة بلمحة بصر" كعنصر محوري في خطابه السياسي.
حيث يرتكز ترامب في سرده على ثنائية "القوة مقابل الفوضى"، مدعياً أن الأزمات العالمية الحالية، وعلى رأسها حرب غزة، ما كانت لتقع لو كان هو في البيت الأبيض.
الخطاب السياسي مقابل الوقائع
ويروج ترامب لخطاب "صانع السلام القوي" الذي يعتمد على علاقاته الشخصية وضغوطه الاقتصادية، لكن تحليل هذا الخطاب أمام الوقائع يكشف عن تعقيدات بنيوية:
"صفقة القرن" وإرث التوتر
كما يدعي ترامب أن "اتفاقيات أبراهام" كانت حجر الزاوية لاستقرار المنطقة، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن تجاوز القضية الفلسطينية في تلك الاتفاقيات ساهم في حالة الاحتقان التي أدت لاحقاً إلى انفجار الأوضاع.
حيث أن سياسة "الضغط الأقصى" التي انتهجها ترامب، ونقله السفارة الأمريكية إلى القدس، قوضت دور واشنطن كـ "وسيط نزيه"، مما يجعل ادعاءه بالقدرة على الحل السريع يصطدم بجدار فقدان الثقة لدى الطرف الفلسطيني والإقليمي.
إنهاء الحرب "بسرعة": الشعار مقابل الآلية
وقال مراقبون إن هذا الخطابيفقتر إلى آلية تنفيذية واضحة. فبينما يطالب إسرائيل بـ "إنهاء المهمة بسرعة"، فإنه لا يوضح ما إذا كان ذلك يعني وقف إطلاق النار أم منح الضوء الأخضر لعملية عسكرية كاسحة وشاملة تقضي على ما تبقى من غزة، وهو ما يتناقض مع ضغوط المجتمع الدولي والواقع الإنساني الكارثي.
توظيف السياسة الخارجية لتعزيز الشرعية الداخلية
ولا يخاطب ترامب بتصريحاته حول غزة والشرق الأوسط المجتمع الدولي بقدر ما يخاطب "القاعدة الناخبة" في الولايات المتحدة و يمثل دعم إسرائيل المطلق حجر زاوية في كسب تأييد اليمين المسيحي والمانحين الكبار (مثل عائلة أديلسون). تصريحاته حول نجاحاته السابقة تهدف لإعادة تذكير الناخبين بقراراته التاريخية (القدس، الجولان) و تصوير إدارة بايدن كإدارة "ضعيفة" تسببت في تآكل الهيبة الأمريكية.
"أمريكا أولاً" والهروب من التكاليف
ويوظف ترامب الحرب في غزة لتعزيز أجندة "الانعزالية المشروطة". فهو يروج لفكرة أن الحروب الخارجية هي "نزيف للأموال الأمريكية"، وأن نجاحه في ولايته السابقة كان يكمن في عدم توريط أمريكا في حروب جديدة.
هذا الخطاب يلقى رواجاً كبيراً لدى الطبقة العاملة الأمريكية التي تشعر بوطأة التضخم وتفضل توجيه المساعدات للداخل بدلاً من الحروب الخارجية.
"نجاحات الولاية السابقة" في ميزان النقد
عندما يتحدث ترامب عن ولايته، فإنه ينتقي "الانتصارات الرمزية" ويتجاهل "الإخفاقات الهيكلية" منها اتفاقيات أبراهام حيث نجحت في التطبيع الإقليمي لكنها فشلت في نزع فتيل الصراع المباشر والملف الإيراني يرى فيه ترامب أن انسحابه من الاتفاق النووي أضعف أذرع إيران، بينما يرى الواقع أن طهران أصبحت أقرب لتخصيب اليورانيوم بنسب عسكرية عقب هذا الانسحاب، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني في غزة ولبنان.
التداعيات السياسية
إن خطورة خطاب ترامب تكمن في كونه يرفع سقف التوقعات الشعبية في أمريكا بحلول سحرية، بينما الواقع الجيوسياسي يشير إلى أن الحرب في غزة أفرزت تعقيدات قانونية وإنسانية (في محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية) لا يمكن حلها بمجرد "اتصال هاتفي" أو "صفقة تجارية".
يستخدم ترامب السياسة الخارجية كمرآة يعكس فيها صورة القائد القوي لجمهوره المحلي. إن حديثه عن غزة ليس خطة سلام، بل هو "مانشيت انتخابي" يهدف لتعزيز شرعيته الداخلية عبر شيطنة الخصم وتجميل الماضي، متجاهلاً أن "الحسم" الذي ينادي به قد يؤدي إلى انفجار إقليمي أوسع لا تستطيع سياسة "أمريكا أولاً" احتواءه.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، انتقلت السياسة الخارجية الأمريكية من نهج "إدارة النزاعات" الدبلوماسي إلى منطق "الحسم عبر الصفقات".
حيث استند ترامب في خطابه السياسي إلى إرث "اتفاقيات أبراهام" ونجاحات ولايته الأولى، مروجاً لخطة سلام شاملة من 20 نقطة تم إعلانها في سبتمبر 2025 لإنهاء حرب غزة.
و اعتمدت هذه الاستراتيجية على الضغط المباشر لإعادة الرهائن، وتشكيل لجان تكنوقراطية لإدارة القطاع، مع تهميش الأدوار التقليدية للسلطة الفلسطينية وحماس.
وفي حين صوّر ترامب هذه التحركات كنجاحات غير مسبوقة لتعزيز شرعيته الداخلية أمام قاعدة ناخبة ترفع شعار "أمريكا أولاً"، يرى المحللون أن هذا الخطاب يواجه فجوة عميقة أمام تعقيدات الواقع الميداني ومخاطر التهجير، مما يضع النظام العالمي أمام اختبار "الواقعية السياسية" في مواجهة الحقوق التاريخية.










