4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

غزة تصنع الحياة من الركام.. إعادة تأهيل "مجمع الشفاء" وسط حصار الأدوية

في مشهد يجسد إرادة البقاء الفلسطيني، وفي قلب المساحات التي شهدت أفظع فصول حرب الإبادة الجماعية، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، اليوم الخميس 18 ديسمبر 2025، عن خطوة استراتيجية جديدة في مسار ترميم الوجع الفلسطيني.

بقلم: محمد خميس
١٨ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
14 مشاهدة
غزة تصنع الحياة من الركام

غزة تصنع الحياة من الركام

في مشهد يجسد إرادة البقاء الفلسطيني، وفي قلب المساحات التي شهدت أفظع فصول حرب الإبادة الجماعية، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، اليوم الخميس 18 ديسمبر 2025، عن خطوة استراتيجية جديدة في مسار ترميم الوجع الفلسطيني. 

فخلال مراسم رسمية لإعادة تأهيل وترميم أحد مباني "مجمع الشفاء الطبي"، أكد وكيل الوزارة الدكتور يوسف أبو الريش أن المنظومة الصحية، رغم الدمار الشامل ونقص الإمدادات، لا تزال تصر على "صناعة الحياة" وتقديم الرعاية الطبية لآلاف الجرحى والمرضى.

 مجمع الشفاء الطبي.. العودة من تحت الرماد      

يعتبر مجمع الشفاء الطبي الرمز الأكبر للمنظومة الصحية في غزة، وقد تعرض خلال حرب الإبادة (التي بدأت في 7 أكتوبر 2023) لعمليات تدمير ممنهجة وحصار مطبق أخرجه عن الخدمة تماماً في عدة مناسبات.

 الاستمرار تحت القصف والترميم تحت النار

كشف الدكتور أبو الريش عن حقيقة مذهلة خلال كلمته، وهي أن أعمال الترميم والتأهيل في بعض أقسام المجمع "لم تتوقف حتى خلال ذروة حرب الإبادة". هذه التصريحات تسلط الضوء على جنود مجهولين من الطواقم الهندسية والطبية الذين خاطروا بحياتهم لإبقاء الحد الأدنى من الخدمات متاحاً.

وقال إن  إعادة افتتاح مبنى في الشفاء هي رسالة تحدٍ واضحة للاحتلال بأن سياسة "محو المؤسسات" قد فشلت أمام إصرار الكوادر الوطنية وتشمل أعمال التأهيل الحالية ترميم غرف العمليات، أقسام الطوارئ، ووحدات العناية المركزة التي تعرضت للقصف المباشر والجرف.

 خطة التعافي الصحية.. استراتيجية وزارة الصحة 2026

مع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي (2025)، بدأت وزارة الصحة في تنفيذ "خطة التعافي"، وهي خطة طموحة تهدف إلى إعادة هيكلة القطاع الصحي المنهار.

تعتمد الخطة التي أعلن عنها أبو الريش على عدة ركائز أساسية إعادة بناء المستشفيات المدمرة و البدء بالمستشفيات المركزية (الشفاء، ناصر، الإندونيسي) لضمان توزيع جغرافي للخدمة و إعادة فتح المراكز الطبية في الأحياء والمخيمات لتخفيف الضغط عن المستشفيات الكبرى و إعادة تأهيل الكوادر الطبية التي تعرضت لضغوط نفسية وجسدية هائلة، وتدريب متطوعين جدد لسد العجز الناتج عن استشهاد المئات من الأطباء والممرضين.

 "القتل غير المباشر".. الحصار كبديل للقنابل

رغم توقف المدافع، حذر الدكتور أبو الريش من استمرار وسيلة أخرى للقتل يمارسها الاحتلال، وهي "القتل غير المباشر" لا تزال قوات الاحتلال الإسرائيلي تسيطر على المعابر، وتمنع وصول قائمة طويلة من المستلزمات الضرورية و تعاني مخازن الصحة من نفاد أكثر من 45% من قائمة الأدوية الأساسية، خاصة أدوية السرطان، الفشل الكلوي، والأمراض المزمنة وهناك نقص حاد في الخيوط الجراحية، المطهرات، والمعدات المخبرية البسيطة ومنع دخول الجراحين والخبراء الدوليين يعني حرمان آلاف الجرحى من عمليات دقيقة لترميم الأطراف أو الأعصاب، مما يضاعف أعداد ذوي الإعاقة الدائمة.

حصاد الإبادة الجماعية.. أرقام تقشعر لها الأبدان

تأتي تصريحات أبو الريش في وقت لا تزال فيه غزة تلملم جراحها بعد حرب دامت أكثر من عامين، بدعم أمريكي وأوروبي غير محدود، وتجاهل تام لقرارات محكمة العدل الدولية.

الفاتورة البشرية والمكانية

خلفت الحرب أكثر من 239 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح، وهي نسبة تمثل أكثر من 10% من سكان القطاع و ما زال هناك 11 ألف مفقود تحت الأنقاض، وهو ما يمثل تحدياً بيئياً وصحياً هائلاً و تسببت سياسة التجويع في استشهاد عشرات الأطفال بسبب سوء التغذية الحاد والجفاف، وهو جرح لا يزال ينزف رغم وقف إطلاق النار بسبب بطء دخول المساعدات الغذائية النوعية و محو مدن كاملة من الخريطة، وتدمير 80% من البنية التحتية، مما يجعل مهمة التعافي الصحي مرتبطة عضوياً بإعادة الإعمار الشامل.

اختتم الدكتور يوسف أبو الريش كلمته بالتأكيد على أن غزة ليست مجرد ساحة للموت، بل هي نموذج للصمود. إن نجاح الطواقم المحلية في إعادة تشغيل قسم غسيل الكلى أو غرفة عمليات في مستشفى مدمر، هو بحد ذاته انتصار لثقافة الحياة على آلة الدمار.

دور المجتمع الدولي والنداء العاجل

تطالب وزارة الصحة بغزة عبر هذا التقرير بضرورة السماح بدخول الإمدادات الطبية دون قيود "الاستخدام المزدوج" التي يتذرع بها الاحتلال و مطالبة منظمة الصحة العالمية واليونسيف بتمويل مباشر لإعادة بناء المستشفيات واعتبار منع الدواء جريمة حرب مستمرة حتى في وقت السلم الظاهري.

الطريق نحو الشفاء لا يزال طويلاً

إن إعادة تأهيل مجمع الشفاء الطبي هي "خطوة الألف ميل" في رحلة التعافي. ورغم توقف القصف المباشر منذ 10 أكتوبر الماضي، إلا أن معركة المنظومة الصحية في غزة انتقلت من "طب الحروب" إلى "معركة البقاء" وسط أنقاض الإبادة ونقص الدواء. يبقى مجمع الشفاء شاهداً على الجريمة، ولكنه اليوم وبفضل سواعد أبنائه، يتحول إلى منارة للأمل بأن غزة قادرة على النهوض مجدداً.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

غزة تصنع الحياة من الركام.. إعادة تأهيل "مجمع الشفاء" وسط حصار الأدوية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°