وقّعت شركة «بايت دانس» الصينية، المالكة لتطبيق «تيك توك»، صفقة لبيع وحدتها العاملة في الولايات المتحدة إلى مشروع مشترك تسيطر عليه مجموعة من المستثمرين الأمريكيين، في خطوة تمثل تتويجًا لسنوات من الضغوط السياسية والتشريعية التي مارستها واشنطن لإجبار الشركة الصينية على التخارج من أحد أكبر أسواقها العالمية.
وبحسب مذكرة داخلية صادرة عن الرئيس التنفيذي لتطبيق «تيك توك»، شو تشو، واطلعت عليها وكالة «رويترز»، من المقرر إتمام الصفقة في 22 يناير، بما يضع حدًا نهائيًا للصراع المفتوح بين الإدارة الأمريكية وشركة التكنولوجيا الصينية، والذي اتخذ منذ بداياته طابعًا أمنيًا واستراتيجيًا أكثر منه اقتصاديًا.
"تيك توك" جديد بهوية أمريكية
وأفادت تقارير نشرتها شبكة «بلومبيرغ» وموقع «أكسيوس»، نقلًا عن المذكرة الداخلية، أن «تيك توك» ومالكتها «بايت دانس» وافقتا على إنشاء كيان أمريكي جديد يضم في هيكله الاستثماري شركات «أوراكل» و«سيلفر ليك» و«إم.جي.إكس» التي تتخذ من أبوظبي مقرًا لها، كمستثمرين رئيسيين.
ويأتي هذا الترتيب بما يضمن السيطرة الأمريكية الفعلية على عمليات التطبيق داخل الولايات المتحدة، سواء على مستوى البنية التحتية التقنية أو إدارة البيانات والخوارزميات، وهو المطلب الذي تمسكت به واشنطن لسنوات باعتباره شرطًا أساسيًا للسماح للتطبيق بالاستمرار في العمل.
سقف الملكية الصينية
وبحسب ما أوضحه شو تشو للموظفين، ستحتفظ شركة «بايت دانس» بحصة تقدر بنحو 20% فقط من الكيان الجديد، وهي النسبة القصوى المسموح بها قانونيًا لأي شركة صينية، بما يعكس حجم القيود التي فرضها التشريع الأمريكي على الوجود الصيني داخل المنصات الرقمية المؤثرة.
ويهدف هذا السقف إلى تقليص أي نفوذ محتمل لبكين على إدارة التطبيق أو توجيه خوارزمياته، في انسجام واضح مع الخطاب الأمريكي الذي يربط بين التكنولوجيا الصينية ومخاطر الأمن القومي.
قانون بايدن وضغوط الدولة العميقة
ويأتي هذا التحول استجابة مباشرة لقانون صدر خلال ولاية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، يلزم «بايت دانس» ببيع عمليات «تيك توك» في الولايات المتحدة أو مواجهة الحظر الكامل داخل السوق الأمريكي، وهو ما مثّل ذروة التصعيد التشريعي ضد الشركة.
وكان مسؤولون أمريكيون، من بينهم الرئيس الحالي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، قد حذروا مرارًا من أن الصين قد تستخدم التطبيق لجمع بيانات المستخدمين الأمريكيين أو للتأثير في الرأي العام من خلال خوارزمياته المتقدمة، في سياق أوسع من الصراع التكنولوجي بين واشنطن وبكين.
أوراكل في قلب الصفقة
وأوضح شو تشو في مذكرته، التي نقلتها «بلومبيرغ»، أنه عقب إتمام الصفقة سيعمل المشروع المشترك الأمريكي ككيان مستقل يخضع لقواعد حماية البيانات الأمريكية، وضمان أمن الخوارزميات، ومراقبة المحتوى، بما يتوافق مع المعايير التي تفرضها السلطات الأمريكية.
وكان ترمب قد أشار في سبتمبر الماضي إلى اسم لاري إليسون، مؤسس شركة «أوراكل» ورئيسها التنفيذي، بوصفه مستثمرًا رئيسيًا في هذا الترتيب، في دلالة على الدور المحوري الذي تلعبه الشركة الأمريكية في ضمان السيطرة التقنية على التطبيق.
شبكة المصالح حول ترامب
ويُعد لاري إليسون من الحلفاء القدامى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وعاد اسمه بقوة إلى واجهة المشهد السياسي والاقتصادي من خلال شراكات واسعة في مجال الذكاء الاصطناعي، برعاية مباشرة من ترمب، مع شركة «أوبن آي».
كما موّل إليسون مؤخرًا استحواذ ابنه ديفيد على شركة «باراماونت»، ويخوض في الوقت ذاته صراعًا استثماريًا مع شركة «نتفليكس» للاستحواذ على «وارنر براذرز»، ما يعكس اتساع شبكة النفوذ الاقتصادي المرتبطة بدوائر القرار في واشنطن.
بهذا الترتيب، لا تمثل صفقة «تيك توك» مجرد عملية بيع تجارية، بل تعكس نموذجًا صارخًا لكيفية توظيف الدولة الأمريكية لأدوات التشريع والأمن القومي لإعادة هندسة ملكية الفضاء الرقمي، في إطار صراع استراتيجي طويل الأمد مع الصين على السيطرة التكنولوجية والبيانات.










