في خطوة وصفها مسؤولون إسرائيليون بأنها «لحظة تاريخية»، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، في 17 ديسمبر، المصادقة على اتفاق ضخم لتصدير الغاز الطبيعي إلى مصر، بقيمة تقديرية تبلغ 35 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 112 مليار شيكل. الاتفاق، الذي يمتد حتى عام 2040، يقوم على تزويد مصر بالغاز من حقل «ليفياثان» البحري الخاضع لسيطرة الاحتلال، ويُعد الأكبر من نوعه في تاريخ صادرات الطاقة الإسرائيلية.
نتنياهو، الذي ظهر في خطاب متلفز إلى جانب وزير الطاقة إيلي كوهين، ركّز على العائد المالي، مؤكدا أن نحو 58 مليار شيكل ستدخل مباشرة إلى خزينة دولة الاحتلال على مدار عمر الاتفاق، معتبرا أن هذه الأموال «ستعزز التعليم والصحة والبنية التحتية والأمن ومستقبل الأجيال القادمة»، بحسب تعبيره، ومشددا على أن الصفقة «تعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في مجال الطاقة وتسهم في الاستقرار الإقليمي».
امتداد شراكات قائمة
الاتفاق الجديد لا ينطلق من فراغ، بل يبني على علاقات طاقة قائمة بين الجانبين، إذ سبق للاحتلال أن صدّر إلى مصر نحو 23.5 مليار متر مكعب من الغاز حتى سبتمبر 2025، وفق ترتيبات سابقة. الصفقة الحالية تقودها شركة «شيفرون ميديتيرينيان ليميتد» الأمريكية بالشراكة مع شركات إسرائيلية، أبرزها «نيوميد إنرجي»، وتهدف إلى زيادة الإمدادات لتلبية الطلب المصري المتنامي، بما قد يغطي ما يصل إلى 25% من احتياجات مصر الكهربائية.
الرئيس التنفيذي لـ«نيوميد»، يوسي أبو، اعتبر أن المصادقة على الاتفاق «تضمن استمرار الاستثمار في إسرائيل وتوفر استقرارا تنظيميا لسنوات طويلة»، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، في تأكيد على البعد الاستثماري الذي تراهن عليه حكومة الاحتلال.
أزمة مصرية خانقة
تأتي هذه التوسعة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لمصر، التي تواجه أزمة طاقة حادة نتيجة تراجع إنتاج حقل «ظهر» العملاق، بسبب مشكلات فنية تتعلق بتسرب المياه وسوء الإدارة، ما أجبر القاهرة على الاعتماد المتزايد على الاستيراد لتجنب انقطاعات كهربائية واسعة وللحفاظ على استقرار الشبكة.
تقارير صحفية أشارت إلى أن هذا الوضع حوّل الغاز الإسرائيلي إلى شريان إنقاذ مؤقت للاقتصاد المصري، لكنه في الوقت ذاته عمّق حالة الاعتماد على مصدر خارجي مرتبط سياسيا وأمنيا بالاحتلال، في ظل سياق إقليمي مشحون بسبب حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023.
خلافات داخلية إسرائيلية
رغم الإعلان الاحتفالي، لم يكن مسار المصادقة سهلا داخل دولة الاحتلال. وسائل إعلام عبرية، بينها «تايمز أوف إسرائيل» و«يسرائيل هيوم»، كشفت عن اعتراضات قادها وزير الطاقة إيلي كوهين خلال أكتوبر 2025، حيث رفض التوقيع دون ضمانات تحمي السوق المحلية من نقص محتمل أو ارتفاع الأسعار.
هذه التحفظات، التي أطلق عليها محللون «عقيدة كوهين»، استندت إلى تحذيرات من وزارة المالية الإسرائيلية بشأن احتمال حدوث عجز في الغاز خلال الـ25 عاما المقبلة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، وتوسع قطاع التكنولوجيا، والالتزامات التصديرية المتزايدة. كوهين شدد على أن الغاز «أصل استراتيجي» لا يجوز التفريط به على حساب الأمن الاقتصادي، مطالبا بأولوية التزويد وتسعير تفضيلي للسوق المحلية، وهو ما قال نتنياهو لاحقا إنه جرى تضمينه عبر إلزام الشركات بالبيع «بسعر عادل».
العقدة الأمنية الإقليمية
إلى جانب الخلافات الاقتصادية، برزت اعتبارات أمنية معقدة. تقارير «الجزيرة» و«أكسيوس» أوضحت أن نتنياهو اشترط موافقته الشخصية على الصفقة، في ظل اتهامات إسرائيلية لمصر بانتهاك اتفاقية السلام لعام 1979 عبر تعزيز وجودها العسكري في سيناء دون تنسيق كامل.
الاحتلال تحدث عن قوات زائدة، وأنفاق تخزين سلاح، ومدارج جوية ممتدة، مع اتهامات بأن سيناء تحولت إلى «ممر للطائرات المسيّرة» المستخدمة في تهريب السلاح إلى مجموعات مقاومة في الضفة الغربية، حيث سُجلت مئات محاولات التسلل خلال أشهر قليلة. القاهرة نفت هذه المزاعم، لكن الخلاف امتد إلى محور فيلادلفيا على حدود غزة، حيث يتهم الاحتلال مصر بغض الطرف عن إعادة تسليح حماس.
صحيفة «يسرائيل هيوم» أشارت إلى أن الاتفاق تضمن آليات حوار أمني جديدة، دون أن يصل إلى حد فرض انسحاب مصري من مواقع خلافية، ما أبقى جزءا من التوتر دون حل جذري.
ضغط أمريكي مباشر
خلف الكواليس، لعبت أمريكا دورا محوريا في دفع الصفقة. فقد تحدث تقرير لموقع «أكسيوس» الأمريكي عن تأخير دام خمسة أشهر بعد موافقة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في يوليو 2025، بسبب تردد حكومة الاحتلال. هذا التباطؤ أثار استياء واشنطن، وبلغ ذروته حين ألغى وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت زيارة كانت مقررة إلى تل أبيب في أكتوبر.
إدارة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، بحسب مصادر دبلوماسية، نظرت إلى الاتفاق كأداة استراتيجية لمواجهة النفوذ الصيني في المنطقة، ودعم الاقتصاد المصري، وخلق ترابط مصالح يمنع انفجارات عسكرية جديدة. واشنطن ضغطت على «شيفرون» وعلى القيادة الإسرائيلية، مقدمة الصفقة بوصفها ركيزة لـ«سلام دافئ»، فيما سعى نتنياهو إلى توظيفها كإنجاز سياسي في مرحلة انتقالية حساسة في العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية.
تفاعلات متباينة
داخليا، روّج نتنياهو للاتفاق باعتباره «معجزة حانوكا»، فيما انضم إيلي كوهين إلى موجة الإشادة واصفا إياه بأكبر صفقة تصدير في تاريخ الدولة. في المقابل، أشارت «هآرتس» إلى مخاوف كامنة بشأن استنزاف الاحتياطات وارتفاع أسعار الكهرباء مستقبلا.
في مصر، سارع رئيس الهيئة العامة للاستعلامات ضياء رشوان إلى التأكيد أن الاتفاق «تجاري بحت» ولا يحمل أبعادا سياسية، في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي المتصاعد بسبب حرب غزة.
وأكد "رشوان" أن الاتفاق محل النقاش هو صفقة تجارية بحتة أُبرمت وفق اعتبارات اقتصادية واستثمارية خالصة، ولا تنطوي على أي أبعاد أو تفاهمات سياسية من أي نوع. وأشار إلى أن ما جرى هو تعاقد تجاري يخضع لقواعد السوق وآليات الاستثمار الدولي، بعيدًا عن أي توظيف أو تفسير سياسي.
وشدد رشوان على أن أطراف الاتفاق هي شركات تجارية دولية معروفة تعمل في قطاع الطاقة منذ سنوات، من بينها شركة «شيفرون» الأمريكية، إلى جانب شركات مصرية مختصة باستقبال ونقل وتداول الغاز، وذلك دون أي تدخل حكومي مباشر في إبرام هذه التعاقدات.
كما أعلن أن الاتفاق يأتي في إطار مصلحة استراتيجية واضحة لمصر، تتمثل في تعزيز موقعها باعتبارها المركز الإقليمي الوحيد لتداول الغاز في شرق المتوسط، اعتمادًا على بنية تحتية متقدمة واستثمارات ضخمة في محطات الإسالة وشبكات النقل، وبما يضمن استدامة تشغيل هذه الأصول وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها.
وأضاف رئيس الهيئة العامة للاستعلامات أن مصر تمتلك بنية تحتية متكاملة ومتقدمة في قطاع الغاز الطبيعي، تتيح لها تنويع مصادر استقبال الغاز من أكثر من مسار وأكثر من شريك، دون التعرض لأي ضغوط أو قيود، وتوفر لها مساحات واسعة من المناورة والمرونة في إدارة هذا الملف. وتشمل هذه البنية محطات الإسالة، وشبكات النقل، وقدرات التخزين والتداول، بما يرسخ قدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الاقتصادية وفق مصالحها الوطنية الخالصة.
قراءات نقدية متعارضة
تحليلات الخبراء انقسمت بوضوح. الباحث أمين أيوب، في «منتدى الشرق الأوسط»، وصف الصفقة بأنها «فشل في إدارة الدولة»، محذرا من ربط الاقتصاد الإسرائيلي باقتصاد مصنف ائتمانيا عند درجة B، ومن تكرار سيناريو توقف الإمدادات كما حدث عام 2012. ودعا إلى تضمين بنود «ارتداد فوري» توقف التصدير إذا استمر تهريب السلاح عبر سيناء، قائلا إن «تدفق الغاز يجب أن يقابله تدفق للأمن».
في المقابل، اعتبرت «يسرائيل هيوم» الصفقة ورقة ضغط استراتيجية تمنح الاحتلال نفوذا على القاهرة، وتضعف أدوارا إقليمية منافسة، مع فتح الباب أمام خطوط أنابيب جديدة داخل الأراضي المحتلة. لكن تحذيرات وزارة المالية الإسرائيلية، التي نقلتها «تايمز أوف إسرائيل»، ظلت حاضرة بشأن مخاطر استنزاف الموارد على المدى الطويل.
تداعيات سياسية محتملة
أبعد من الاقتصاد، يُنظر إلى الصفقة كمدخل لإعادة تنشيط القنوات السياسية المجمدة. تقارير صحفية تحدثت عن ربط أمريكي غير معلن بين توقيع الاتفاق وترتيب قمة محتملة تجمع ترامب ونتنياهو والسيسي، ربما في منتجع مارالاغو.
غير أن الحماس المصري يبقى محدودا في ظل استمرار الحرب على غزة، حيث تشترط القاهرة خطوات إسرائيلية ملموسة، بينها تثبيت وقف إطلاق النار. مصدر دبلوماسي نقلته «هآرتس» أكد أن العلاقات بين نتنياهو والسيسي ظلت فاترة منذ اندلاع الحرب، وأن صفقة الغاز تُستخدم كـ«تنازل ضروري» لإعادة فتح الأبواب، دون ضمانات بأن تتحول إلى اختراق سياسي فعلي.









