4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

واشنطن تحمي مجرمي الحرب: عقوبات أمريكية ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية

في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من التواطؤ السياسي مع الاحتلال الإسرائيلي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أن واشنطن ستفرض عقوبات على قاضيين في المحكمة الجنائية الدولية.

بقلم: عمرو المصري
١٩ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
14 مشاهدة
المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي - أرشيفية

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي - أرشيفية

في خطوة تعكس مستوى غير مسبوق من التواطؤ السياسي مع الاحتلال الإسرائيلي، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الخميس، أن واشنطن ستفرض عقوبات على قاضيين في المحكمة الجنائية الدولية، بذريعة «استهداف إسرائيل»، في موقف يؤكد انحياز الإدارة الأمريكية الكامل ضد أي مسار دولي يسعى لمساءلة الاحتلال عن جرائمه.

وجاء إعلان روبيو في توقيت بالغ الدلالة، إذ يتزامن مع رفض المحكمة الجنائية الدولية الطعون الإسرائيلية الرئيسية ضد مذكرات الاعتقال الصادرة بحق رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، ما يكشف أن العقوبات الأمريكية ليست سوى أداة ضغط سياسية لإفشال عمل القضاء الدولي وحماية قادة الاحتلال من أي تبعات قانونية.

معاقبة المحكمة الجنائية الدولية

برر روبيو القرار بالقول إن المحكمة الجنائية الدولية «تواصل الانخراط في أعمال مسيّسة تستهدف إسرائيل»، في خطاب يعيد إنتاج الرواية الإسرائيلية ذاتها، ويتجاهل أن المحكمة تستند إلى تحقيقات قانونية مفتوحة منذ عام 2021، تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية موثقة ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في غزة.

وادعى وزير الخارجية الأمريكي أن واشنطن «لن تتسامح» مع إخضاع مواطنين أمريكيين وإسرائيليين لولاية المحكمة، في موقف يكشف بوضوح أن الولايات المتحدة لا تعارض تسييس العدالة، بل ترفضها فقط عندما تقترب من حلفائها، مؤكدة عمليًا أن القانون الدولي يُطبّق على الضعفاء فقط، بينما يُعطَّل حين يتعلق الأمر بالاحتلال الإسرائيلي.

تهديد القضاء الدولي

لم يكتفِ روبيو بإعلان العقوبات، بل لوّح بمزيد من الإجراءات العقابية، قائلاً إن الولايات المتحدة «ستواصل الرد بعواقب وخيمة وملموسة» على ما وصفه بـ«تجاوزات المحكمة». وهو تهديد مباشر لاستقلال القضاء الدولي، ومحاولة فجة لترهيب القضاة والمؤسسات القضائية، في سابقة تؤسس لتحويل العدالة الدولية إلى رهينة بيد القوة السياسية والاقتصادية الأمريكية.

هذا الخطاب لا يمكن فصله عن الدور الأمريكي الممتد في تعطيل أي مسار مساءلة حقيقي للاحتلال، سواء عبر استخدام حق النقض في مجلس الأمن، أو عبر الضغط على المؤسسات الدولية، أو من خلال توفير الغطاء السياسي والعسكري لحرب الإبادة المتواصلة في غزة منذ أكتوبر 2023.

رفض دولي صريح

في المقابل، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية بيانًا واضحًا نددت فيه بالعقوبات الأمريكية، مؤكدة رفضها القاطع لاستهداف أعضائها، في موقف يعكس إدراك المحكمة لخطورة ما تمثله هذه العقوبات على منظومة العدالة الدولية برمتها، وليس على قضية بعينها.

ويأتي هذا التصعيد الأمريكي بعد أيام من قرار المحكمة، الذي أكد سريان مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت، ورفضها الطعن الإسرائيلي الهادف إلى تعطيل الإجراءات القضائية ووقف التحقيق في الجرائم المرتكبة في غزة، بحسب ما أوردته القناة 12 العبرية.

ملف مفتوح بلا سقف

أوضحت المحكمة أن التحقيق الذي فُتح عام 2021 يشمل جرائم حرب ارتُكبت منذ 13 يونيو 2014، من دون تحديد تاريخ انتهاء، ما يمنح الأساس القانوني لمذكرات التوقيف الصادرة في نوفمبر 2024 بحق نتنياهو وغالانت، المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق الشعب الفلسطيني.

وأكد القضاة أنه لا يوجد «وضع جديد» يبرر إعادة إطلاق الإجراءات أو إخطار الاحتلال مجددًا، في رد صريح على محاولات إسرائيل المستمرة لكسب الوقت وتعطيل المسار القضائي، وهي محاولات تجد في واشنطن حليفًا جاهزًا لتقويض أي مساءلة.

تواطؤ مكشوف

ما تكشفه هذه التطورات هو أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بدعم الاحتلال سياسيًا وعسكريًا، بل انتقلت إلى مرحلة الهجوم المباشر على مؤسسات العدالة الدولية، دفاعًا عن قادة متهمين بارتكاب مجازر موثقة في غزة، في مشهد يفضح ازدواجية الخطاب الأمريكي حول «القانون الدولي» و«حقوق الإنسان».

وبينما تُبقي المحكمة الجنائية الدولية ملف الجرائم الإسرائيلية مفتوحًا، تصر واشنطن على لعب دور الحارس السياسي لإفلات الاحتلال من العقاب، في تواطؤ صارخ يعمّق أزمة النظام الدولي، ويؤكد أن العدالة، حين تقترب من إسرائيل، تتحول في نظر أمريكا إلى «خطر» يجب معاقبته.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

واشنطن تحمي مجرمي الحرب: عقوبات أمريكية ضد قضاة المحكمة الجنائية الدولية - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°