4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد خليل مصلح يكتب: التصدعات البنيوية والتحول الجيوسياسي في الكيان الصهيوني

يتعرض الكيان الإسرائيلي إلى تهديدات حرجة تصل الى التهديد الوجودي، فالتصدعات البنيوية تعكس تحولات عميقة في البنية الداخلية خاصة فيما يتعلق بالعقد الاجتماعي وايضا موقعها الإقليمي والدولي يواجه ازنة شرعية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023.

بقلم: د. محمد خليل مصلح
٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
التصدعات البنيوية والتحول الجيوسياسي في الكيان الصهيوني

التصدعات البنيوية والتحول الجيوسياسي في الكيان الصهيوني

يتعرض الكيان الإسرائيلي إلى تهديدات حرجة تصل الى التهديد الوجودي، فالتصدعات البنيوية تعكس تحولات عميقة في البنية الداخلية خاصة فيما يتعلق بالعقد الاجتماعي وايضا موقعها الإقليمي والدولي يواجه ازنة شرعية بعد أحداث 7 أكتوبر 2023. 

في تحليلنا سنعتمد مستويين مترابطين في قراءة هذه المرحلة

أولا: المستوى الداخلي : أزمة المشروع الصهيوني "إسرائيل " من الداخل

1. تفكك السردية التأسيسية:

   تفكك الخطاب الأيديولوجي  "السردية الصهيونية" التقليدية القائمة على فكرة "تجمع الشتات" و"الدولة الملاذ الآمن" قادرة على اذابة التناقضات الهيكلية والفروقات العرقية صراع الهوية التي تفكك النسيج الاجتماعي؛ فالمجتمع الإسرائيلي يعاني من شرخ وجودي بين:

   1.هوية دينية تستند إلى تفسيرات تلمودية متطرفة تتعارض مع مبادئ الدولة الحديثة دولة المؤسسين الاشتراكية الليبرالية.
   2.هوية قومية علمانية فقدت بريقها الأيديولوجي وتحولت إلى ليبرالية استهلاكية تفتقر للرؤية الجماعية.
    3.هوية مدنية تعاني من التمييز النظامي ضد فئات أساسية داخل الجسم السياسي.               

2. أزمة الشرعية المؤسسية:

لقد تعرض النظام السياسي الإسرائيلي قبل أحداث 7 أكتوبر 2023 لحالة من الانقلاب الناعم تحت ضغط وهيمنة اليمين الصهيوني القومي والديني عن نموذج الديمقراطية التوافقية نحو حكم الأغلبية الضيقة، حيث يتم استخدام الآليات الديمقراطية لهدم الضوابط الديمقراطية نفسها. الصراع بين السلطات (تشريعية، قضائية، تنفيذية) لم يعد صراعًا على الصلاحيات بل على طبيعة النظام ذاته: هل هو نظام قانوني دستوري أم نظام هيمنة أغلبي؟ سلطة الأحزاب السياسية والنخاب في مواجهة هيمنة القضاء يمنح فيها الكنيست سلطة تحد من سلطة القضاء بناء على شرعية الانتخابات. 

3. اقتصاد الريع الأمني:

يعتمد النموذج الاقتصادي في "إسرائيل" على ثلاث ركائز ضعيفة:

   1.ريع التكنولوجيا العسكرية والأمنية الذي يتأثر بتقلبات السوق العالمية والأولويات الجيوسياسية.
   2. المساعدات الخارجية التي لم تعد مضمونة في ظل التحولات السياسية في الدول الداعمة.
   3. استغلال الموارد الطبيعية في الأراضي المحتلة للضفة الغربية وقكاع غزة، والذي يواجه مقاومة قانونية ودولية متزايدة.

ثانيا: المستوى الخارجي: تراجع الموقع الوظيفي

1. تراجع الاستثناء الأخلاقي:

   لطالما استفاد الكيان الإسرائيلي في شرعنة سياساته في الاراضي المحتلة من وضع استثنائي في الخطاب السياسي الغربي، حيث تمت مكافئته أخلاقيًا على خلفية الماضي الأوروبي الاضطهاد الاوروبي. لكن اليوم يواجه هذا الاستثناء والاستغلال تصدعًا تحت وطأة:

   1. تنامي الوعي العالمي بحقوق الإنسان الذي يجعل الدعم غير المشروط عبئًا أخلاقيًا وسياسيًا تحت تأثير صدمة حرب ٧ اكتوبر ٢٠٢٣ لجرائم جيش الاحتلال والخطاب العنصري الشوفيني وشرعنة إبادة الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. 
   2.صعود أجيال جديدة جيل(Z) في الغرب لا تربطها بالذاكرة التاريخية نفسها اي عقدة تاريخية .
   3. تحول بؤرة الاهتمام الغربي نحو تحديات جيوسياسية جديدة (المحيط الهادئ، الحرب في أوروبا الصين السياسات الامريكية ادارة ترامب).

2. تغيرات البيئة الإقليمية:

   1. فشل مشروع "التطبيع السياسي والامني والثقافي" الذي حاول تجاوز القضية الفلسطينية لبناء تحالفات مع أنظمة إقليمية على حساب حل الصراع نهائيا والاستمرار في ادارته. حيث أثبتت الأحداث أن القضية الفلسطينية تبقى العامل الرئيسي الفاعل في الاستقرار الإقليمي .
   2.صعود قوى مقاومة تمتلك قدرات ردع غير تقليدية تعيد تعريف معادلة الصراع.
   3.تحول الصراع من صراع على الأرض إلى صراع وجودي في الوعي الجمعي للمنطقة انهيار الاجماع القومي داخل الكيان من جهة وعدم الثقة الشعبية بدمج إسرائيل في المنطقة وربط دول مثل السعودية التطبيع بالحل السياسي للقضية الفلسطينية .

3. التناقض الاستراتيجي مع الحليف الرئيسي:

بينما تسعى القوة العظمى الرئيسية الولايات المتحده إلى إعادة تنظيم الشرق الأوسط ضمن تحالفات واسعة لمواجهة منافسيها الجيوسياسيين الصين وروسيا وايران اقليميا، أصبحت السياسات التصعيدية المستمرة لحكومة اليمين القومية المتطرفة والخطاب الايديولوجي التوسعي في المنطقة واالتراجع عن خطاب جامعة بار ايلان من نتنياهو حل الدولتين، تشكل عائقًا أمام هذه الاستراتيجية، حيث تجبر الحلفاء الإقليميين، مصر والاردن وتركيا ودول الخليج على خيارات صعبة بين التعاون العلني مع الكيان وشرعيتهم الداخلية.

التفاعل بين المستويين: حلقة التآكل الذاتي

يخلق التفاعل بين الأزمة الداخلية والتغيير لخارجي المتعلقة بشرية الاحتلال للدفاع عن وجودة او حتى شرعية الحق في الوجود على حساب الحق الفلسطيني حلقة مفرغة:
- يؤدي الضغط الخارجي المتزايد إلى انكفاء داخلي وتعزيز الخطاب الأمني المتشدد.

- يؤدي التشدد الداخلي إلى سياسات خارجية أكثر تطرفًا تزيد العزلة الدولية وتراجع في الدور الوظيفي.
- تزيد العزلة الدولية من الأزمات الاقتصادية الداخلية.
- تزيد الأزمات الاقتصادية من الاحتقان الاجتماعي والانقسامات الهوياتية.

انهيار الاجماع القومي داخل إسرائيل والاختلاف على شرعية الأدوات والممارسات او حول مفهوم التهديد الوجودي ما تعريف التهديد الوجودي لإسرائيل.

السيناريوهات المستقبلية

1. سيناريو الاستمرار:

محاولة إدارة الأزمة عبر مزيد من العسكرة الداخلية والخارجية، مع الاعتماد على بقاء الدعم الخارجي رغم تكلفته المتزايدة. هذا السيناريو مؤقت ويعمق الأزمات الهيكلية.

2. سيناريو التحول الجذري:

قد يؤدي تراكم الأزمات إلى نقطة تحول في النخب الحاكمة على إعادة تعريف المشروع من جذوره، مما قد يعني تغييرات عميقة في طبيعة النظام السياسي والعلاقة مع المحيط وتدهل الجيش المباشر لاعادة الاستقرار في النظام السياسي او العكس انقلاب من الاحزاب اليمينية وفرض الهيمنة على النظام السياسي وحكم الاقلية .

3. سيناريو التفتت البطيء:

استمرار التآكل في شرعية المؤسسات وتماسك النسيج الاجتماعي قد يقود إلى أشكال من اللامركزية القسرية أو الفيدرالية غير الطوعية، حيث تتحول السلطة إلى كانتونات هوياتية متنافسة.

الخلاصة

التناظر التاريخي صراع الممالك كمقاربة لما يجري اليوم من صراع قد يؤدي الى سقوط الكيان الإسرائيلي اليوم.

ما تشهده الدولة الصهيونية اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هو اختبار لمشروع تأسس على تناقضات جيوثقافية لم تحل ولن تنصهر في هوية ثقافية واحدة. المشكلة الأساسية هي أن الأدوات التي استخدمت لإدارة هذه التناقضات تاريخيًا (القوة العسكرية، الدعم الخارجي، السردية الضحية/البطولة) فقدت فاعليتها التدريجية في عالم متغير.

التحول الحاسم سيكون في قدرة النظام على إنتاج "عقد اجتماعي" جديد يستبدل منطق "القلعة المحاصرة" بمنطق "الكيان المتعايش" - وهو تحول يتطلب مراجعات وجودية تبدو مستحيلة في المناخ الحالي. في غياب هذه المراجعة، ستستمر حلقة التآكل الذاتي حتى نقطة اللا عودة.

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد خليل مصلح

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير