4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

ظل الرئيس: كيف فجرت فضيحة "CBS New" أزمة الصحافة في عهد ترامب؟

قضية “60 دقيقة” وشبكة CBS لا تتعلق بتقرير واحد فقط، بل تطرح سؤالًا أوسع عن مستقبل الصحافة الاستقصائية في أمريكا.

بقلم: عمرو المصري
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
21 مشاهدة
رئيسة تحرير الأخبار في شبكة CBS، باري ويس

رئيسة تحرير الأخبار في شبكة CBS، باري ويس

تفجّرت أزمة داخل شبكة “CBS News” بعد قرار رئيسة تحرير الأخبار، باري ويس، سحب فقرة تحقيقية استقصائية كان من المقرر بثها ضمن برنامج “60 دقيقة” قبل نحو يوم ونصف فقط من موعد عرضها. القرار، الذي جاء في توقيت بالغ الحساسية، أثار اعتراضات حادة داخل غرفة الأخبار، وفتح باب التساؤلات حول حدود الاستقلال التحريري في واحدة من أعرق المؤسسات الإعلامية الأمريكية.

الفقرة المسحوبة تناولت مزاعم إساءات وانتهاكات داخل مركز احتجاز “CECOT” في السلفادور، وهو السجن الذي أرسلت إليه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مئات الفنزويليين في مارس الماضي. وبحسب مصادر مطلعة داخل الشبكة، كان التقرير مكتملًا من الناحية الصحفية، وخضع لمراجعات مهنية وقانونية مطولة قبل اتخاذ قرار سحبه المفاجئ.

شرط سياسي مقنّع

بحسب شخصين مطلعين على ما جرى، بررت باري ويس قرارها بأن بث التقرير لا يمكن أن يتم دون الحصول على تعليق رسمي “على السجل” من مسؤول في إدارة ترامب. هذا الشرط، الذي فُرض في اللحظات الأخيرة، حوّل غياب رد الإدارة من تفصيل مهني معتاد إلى عائق قاطع يمنع النشر، رغم أن الفريق الصحفي كان قد استنفد كل محاولات التواصل الرسمية.

هذا المنطق، كما رآه صحفيون داخل “60 دقيقة”، لا يعكس معيارًا مهنيًا بقدر ما يعكس حسابًا سياسيًا، إذ يمنح السلطة التنفيذية حقًا غير معلن في تعطيل التغطيات التي لا ترغب بها، بمجرد الامتناع عن التعليق. في هذه الحالة، يصبح الصمت الرسمي أداة رقابة، لا مجرد موقف سياسي.

تمرّد داخل تحريرCBS

المراسلة شارين ألفونسي، التي أعدّت التقرير، عبّرت عن هذا القلق صراحة في رسالة إلكترونية بعثتها لزملائها مساء الأحد، مؤكدة أن ما جرى “ليس قرارًا تحريريًا… بل قرار سياسي”. وأوضحت أن فريقها تواصل مع وزارة الأمن الداخلي والبيت الأبيض ووزارة الخارجية، دون الحصول على رد، محذرة من أن تحويل “رفض الإدارة المشاركة” إلى سبب لإسقاط القصة يمنح الحكومة عمليًا “مفتاح الفيتو” على الصحافة الاستقصائية.

ألفونسي شددت على أن “صمت الحكومة رسالة وليس فيتو”، في إشارة إلى قاعدة صحفية راسخة تعتبر الامتناع عن التعليق جزءًا من القصة نفسها. مصادر داخل الشبكة أكدت أن التقرير خضع لمراجعات متكررة من كبار المنتجين، إضافة إلى أقسام القانون والمعايير، ما يعزز رواية أن القرار لم يكن مهنيًا بحتًا.

ترويج ثم محو

قبل سحب التقرير، كانت “CBS News” قد روّجت له رسميًا عبر بيان دعائي صدر صباح الجمعة، وعدت فيه بمشاهدة نادرة من داخل “CECOT”، ووصفت السجن بأنه “أحد أقسى سجون السلفادور”، متحدثة عن “ظروف وحشية ومُعذِّبة” نقلها مرحّلون أُفرج عنهم مؤخرًا. كما بثت الشبكة مقطعًا ترويجيًا أُزيل لاحقًا من البث ومن منصات التواصل.

إزالة الترويج وتعديل البيان لاحقًا عكسا ارتباكًا داخليًا واضحًا، وأعطيا انطباعًا بأن القرار لم يكن مخططًا له، بل جاء نتيجة ضغوط أو حسابات طارئة، الأمر الذي زاد من حدة الانتقادات داخل وخارج المؤسسة.

ظل ترامب يحاصر CBS

جاءت هذه الأزمة في سياق متوتر أصلًا لشبكة CBS، إذ كان ترامب قد رفع العام الماضي دعوى قضائية ضد “CBS” بسبب طريقة تحرير مقابلة “60 دقيقة” مع منافسته الديمقراطية كامالا هاريس. الدعوى انتهت بتسوية مالية بلغت 16 مليون دولار دون اعتذار أو إقرار بخطأ، وفق نص التسوية، لكنها تركت أثرًا واضحًا داخل المؤسسة.

تزامن ذلك مع استقالات في القيادة الإخبارية للشبكة، ومحادثات تسوية مطوّلة، ما خلق مناخًا حذرًا تجاه أي محتوى قد يُفسَّر على أنه صدام مباشر مع الإدارة الأمريكية أو حلفائها السياسيين، وهو ما انعكس – وفق منتقدين – في قرار سحب تقرير “CECOT”.

إدارة جديدة واتجاه مقلق

الجدل تزامن أيضًا مع تدقيق متزايد في دور باري ويس داخل الشبكة، بعد انضمامها في أكتوبر عقب استحواذ “Skydance Media” التابعة لديفيد إليسون على “The Free Press” ودمج تغطيته ضمن موقع “CBS News”. إدارة إليسون كانت قد وعدت الجهات التنظيمية بجعل الشبكة “أكثر ترحيبًا بالمحافظين”، وهو تعهد أثار مخاوف بشأن إعادة توجيه الخط التحريري.

ويس نفسها تطرح رؤية تعتبر أن استعادة ثقة الجمهور تمر عبر نقاشات بين “يمين الوسط” و“يسار الوسط”، لكن منتقديها يرون أن هذه المقاربة، في التطبيق العملي، قد تتحول إلى تكييف للمحتوى بما لا يصطدم بالسلطة، بدلًا من مساءلتها.

لغة السلطة والضحايا

في مراجعة سابقة لتقرير “CECOT”، كانت ويس قد اعترضت على استخدام وصف “مهاجرين فنزويليين”، مفضلة مصطلح “مهاجرين غير شرعيين”، وهو توصيف تتبناه إدارة ترامب. هذا الاعتراض أثار جدلًا إضافيًا، خاصة أن عددًا من المرحّلين لم يكونوا داخل الولايات المتحدة بصورة غير قانونية، بل تقدموا بطلبات لجوء وكانوا بانتظار البت فيها.

هذا الخلاف اللغوي لم يكن تفصيليًا، بل مسّ جوهر الرواية الصحفية: هل تُنقل الوقائع من زاوية حقوقية مستقلة، أم تُعاد صياغتها وفق قاموس السلطة السياسية؟ بالنسبة لكثيرين داخل “CBS”، كان الجواب العملي حاضرًا في قرار سحب التقرير.

حرية التعبير تحت الاختبار

تكشف هذه القضية عن نموذج مقلق لما يمكن وصفه بـ”الرقابة الناعمة” في الإعلام الأمريكي، حيث لا تُفرض القيود بقوانين مباشرة، بل عبر ضغوط سياسية، ومخاوف قانونية، وحسابات تجارية، تجعل المؤسسات تمارس رقابة ذاتية استباقية. في هذا السياق، تصبح حرية التعبير مضمونة نظريًا، لكنها مقيّدة فعليًا حين تتقاطع الصحافة مع مصالح السلطة.

قضية “60 دقيقة” وشبكة CBS لا تتعلق بتقرير واحد فقط، بل تطرح سؤالًا أوسع عن مستقبل الصحافة الاستقصائية في أمريكا: هل ما زالت قادرة على مساءلة الدولة، أم أنها باتت مضطرة لطلب الإذن غير المعلن قبل كشف ما لا تريد السلطة رؤيته على الشاشة؟

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

ظل الرئيس: كيف فجرت فضيحة "CBS New" أزمة الصحافة في عهد ترامب؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°