4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

زلزال انتخابي في إسبانيا: هزمة مدوية للاشتراكيين تفتح أبواب مدريد لليمين

شكّلت نتائج الانتخابات الإقليمية المبكرة في إقليم إكستريمادورا بإسبانيا صفعة سياسية قاسية للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بعدما مُني بأسوأ نتيجة له في معقله التاريخي.

بقلم: عمرو المصري
٢٢ ديسمبر ٢٠٢٥
4 دقائق قراءة
19 مشاهدة
رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز خلال مؤتمر صحافي حول موازنة الحكومة في مدريد. 15 ديسمبر 2025 - Reuters

رئيس وزراء إسبانيا بيدرو سانشيز خلال مؤتمر صحافي حول موازنة الحكومة في مدريد. 15 ديسمبر 2025 - Reuters

شكّلت نتائج الانتخابات الإقليمية المبكرة في إقليم إكستريمادورا بإسبانيا صفعة سياسية قاسية للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، بعدما مُني بأسوأ نتيجة له في معقله التاريخي، مكتفيًا بنسبة 25.7% من الأصوات و18 مقعدًا فقط من أصل 65، في تراجع حاد بلغ أكثر من 14 نقطة مقارنة بانتخابات 2023. هذه الخسارة لم تكن مجرد تعثر انتخابي عابر، بل كشفت انهيارًا عميقًا في الثقة الشعبية بحزب حكم الإقليم لما يقرب من أربعة عقود، قبل أن يفقده عام 2023، ليعود الآن ويُهزم بشكل ساحق.

سياسيًا، تعكس هذه الهزيمة تراكب عوامل محلية ووطنية، في مقدمتها الأزمات التي طاردت الحزب وقيادته، سواء داخل الإقليم أو على مستوى الحكومة المركزية بقيادة بيدرو سانشيز. اتهام الزعيم الإقليمي ميغيل أنخيل غاياردو بقضايا محسوبية، في سياق أوسع شمل شبهات فساد طالت مقربين من رئيس الحكومة، حوّل التصويت إلى ما يشبه الاستفتاء العقابي ضد الاشتراكيين. كما لعب التراجع الاقتصادي، وارتفاع البطالة، وشعور التهميش في إقليم يُعد من الأفقر في إسبانيا، دورًا محوريًا في تفكيك القاعدة الانتخابية التقليدية للحزب.

الأخطر بالنسبة لسانشيز أن هذه النتائج جاءت في انتخابات مبكرة دعا إليها رئيس الحكومة الإقليمية من الحزب الشعبي، ما حوّلها إلى مؤشر سياسي وطني. انخفاض نسبة المشاركة إلى نحو 60% كشف عن حالة إحباط واسعة داخل قواعد اليسار، وخصوصًا في مناطق لطالما اعتُبرت خزّانًا انتخابيًا مضمونًا للاشتراكيين، ما ينذر بتآكل طويل الأمد في نفوذ الحزب مع اقتراب استحقاقات 2026.

اليمين يتقدم في إسبانيا

في مقابل هذا الانهيار، حقق الحزب الشعبي المحافظ فوزًا مريحًا بحصوله على 43.2% من الأصوات و29 مقعدًا، لكنه لم يبلغ الأغلبية المطلقة، ما فتح الباب مجددًا أمام صعود اليمين المتطرف ممثلًا بحزب “فوكس”. الأخير ضاعف تمثيله تقريبًا، منتزعًا 11 مقعدًا بنسبة قاربت 17%، ليصبح بيضة القبان في أي معادلة حكم داخل الإقليم.

صعود “فوكس” لم يعد ظاهرة احتجاجية هامشية، بل تحوّل إلى حضور بنيوي في سياسة إإسبانيا. الحزب نجح في استثمار الغضب الشعبي من النخب، والخطاب المعادي للهجرة، والتذمر من الأوضاع المعيشية، خصوصًا بين الشباب، ليقدّم نفسه كبديل “حاسم” في مواجهة ما يصوّره فساد اليسار وعجز الوسط. ورغم الفضائح الداخلية التي طاردت بعض كوادره، فإن ذلك لم ينعكس سلبًا على نتائجه، في مؤشر على أن التصويت له بات خيارًا أيديولوجيًا لا مجرد تصويت احتجاجي.

اعتماد الحزب الشعبي مجددًا على “فوكس” لتشكيل حكومة إقليمية يعكس تطبيعًا متزايدًا مع اليمين المتطرف داخل النظام السياسي الإسباني، ويؤشر إلى انتقال هذا التيار من هامش المعارضة إلى قلب صناعة القرار. هذا الواقع يعمّق الاستقطاب، ويمنح أجندات قومية محافظة، معادية لسياسات الهجرة والمناخ والمساواة، نفوذًا متزايدًا داخل المؤسسات.

سياسة إسبانيا المنتظرة

رغم أن الانتخابات إقليمية، فإن تداعياتها تتجاوز الداخل الإسباني لتطال سياسة مدريد الخارجية. حكومة سانشيز، التي بنت خطابها على التعددية الأوروبية، والدعم القوي لأوكرانيا، والانخراط في سياسات الهجرة والانتقال الأخضر داخل الاتحاد الأوروبي، باتت أضعف سياسيًا وأكثر عرضة للضغط من معارضة يمينية متصاعدة.

صعود “فوكس” يطرح تصورًا مغايرًا للسياسة الخارجية، يقوم على نزعة قومية متشددة، تشكك في الالتزامات الأوروبية، وتدعو إلى تشديد السيادة الوطنية على حساب بروكسل، مع إعادة النظر في سياسات الهجرة والدعم الخارجي. ومع توسع التحالفات الإقليمية بين الحزب الشعبي و”فوكس”، قد يتحول هذا الخطاب من ضغط سياسي إلى واقع يؤثر على النقاش الوطني، خصوصًا إذا ما قادت النتائج المتتالية إلى انتخابات عامة مبكرة.

في هذا السياق، قد تجد مدريد نفسها أمام مسار أكثر براغماتية وأقل حماسًا للاندماج الأوروبي، مع احتمال توتر في علاقاتها داخل الاتحاد، وتذبذب في أدوارها الإقليمية، سواء في ملف أوكرانيا أو قضايا المتوسط والهجرة. هزيمة الاشتراكيين في إكستريمادورا لا تعني تغييرًا فوريًا في السياسة الخارجية، لكنها تمثل إنذارًا مبكرًا بأن التوازنات التي حكمت مدريد خلال السنوات الأخيرة باتت مهددة، وأن اليمين المتطرف لم يعد لاعبًا ثانويًا، بل قوة صاعدة قد تعيد رسم بوصلة إسبانيا داخليًا وخارجيًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال