4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

تونس على مفترق الطرق.. هل أصبحت المحاماة "العدو الأول" للسلطة؟

تونس على مفترق الطرق.. هل أصبحت المحاماة "العدو الأول" للسلطة؟

بقلم: محمد خميس
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
5 دقائق قراءة
17 مشاهدة
تونس والمحاماه

تونس والمحاماه

تونس على مفترق الطرق.. هل أصبحت المحاماة "العدو الأول" للسلطة؟

تشهد تونس تصاعداً ملحوظاً في حدة التوتر بين السلطة التنفيذية والمنظومة الحقوقية والقضائية. ومع بروز إضراب الجوع الذي خاضه عدد من المحامين والنشطاء، دخلت البلاد في نفق جديد من التساؤلات حول مستقبل الحريات العامة ومصير المسار الديمقراطي الذي انطلق في عام 2011. يهدف هذا التقرير إلى تفكيك مشهد الاحتجاجات الحقوقية وتأثيرها على البناء السياسي الحالي.

إضراب المحامين عن الطعام وقضايا سجناء الرأي

لطالما كانت "المحاماة" في تونس تُلقب بـ "الجناح الثاني للعدالة"، لكنها تحولت مؤخراً إلى جبهة مواجهة مباشرة مع السلطة.

حيث لجأ عدد من المحامين والشخصيات السياسية الموقوفة في قضايا "التآمر على أمن الدولة" إلى خوض إضرابات عن الطعام كوسيلة أخيرة للاحتجاج. هذه الخطوة لم تكن مجرد فعل بدني، بل رسالة سياسية للمجتمع الدولي والداخل التونسي مفادها أن آليات الدفاع القانوني التقليدية باتت "معطلة" أمام السلطة.

 قضية سجناء الرأي: تصنيفات قانونية أم تهم سياسية؟

تتمحور الخلافات حول طبيعة التوقيفات التي طالت قيادات من مختلف الأطياف “النهضة، جبهة الخلاص، الدستوري الحر، ونشطاء مدنيين”.

ووجهة نظر السلطة: تؤكد أن التوقيفات تمت بناءً على أدلة وقرائن تتعلق بتهديد الأمن القومي كما أن وجهة نظر المنظمات الحقوقية ترى أن غياب المحاكمات العادلة وتجاوز مدد الإيقاف التحفظي يحول هؤلاء إلى "سجناء رأي".

تطورات القضايا القضائية ذات البعد السياسي

يعيش القضاء التونسي تحت مجهر الرقابة الشعبية والدولية، خاصة في القضايا التي تتقاطع فيها السياسة بالقانون.

 ملف "التآمر على أمن الدولة"

يُعد هذا الملف الأثقل سياسياً، حيث شمل عشرات الأسماء البارزة. التطورات الأخيرة تشير إلى بطء في الإجراءات القانونية، مما أثار حفيظة هيئات الدفاع التي تعتبر الملف "فارغاً" ومبنياً على وشايات سياسية.

محاكمة النشطاء والمحامين (قضية دار المحامي)

أحدثت الاقتحامات الأمنية لـ "دار المحامي" لتنفيذ بطاقات جلب بحق محامين (مثل سنية الدهماني وغيرها) صدمة في الوسط الحقوقي. هذا التطور نقل الصراع من أروقة المحاكم إلى حرم المؤسسات المهنية، مما أدى إلى إضرابات عامة لقطاع المحاماة.

بعد حل المجلس الأعلى للقضاء وتعويضه بمجلس مؤقت، ثم إصدار مراسيم تتيح عزل القضاة، يرى الخبراء أن "سيف المعز" بات مسلطاً على رقاب القضاة. هذا المناخ أدى إلى تراجع الجرأة في اتخاذ قرارات "حفظ القضايا" السياسية و نشوء حالة من التوجس داخل المرفق القضائي.

التداخل بين العمل السياسي والمهني

وأصبحت الحدود بين "النشاط السياسي" و"الواجب المهني" ضبابية. فبينما يرى المعارضون أن نضالهم هو عمل سياسي مشروع، تراه السلطة تجاوزاً للقانون. هذا الصدام أدى إلى تقليص مساحات العمل العام وزيادة منسوب "الرقابة الذاتية".

لا يمكن فصل ما يحدث في غرف السجون والمحاكم عن الشارع التونسي، فالانقسام المجتمعي جزء من الشارع لا يزال يدعم إجراءات الرئيس قيس سعيد لمكافحة الفساد، بينما يتنامى القلق لدى الطبقة الوسطى والمثقفة من ضياع المكتسبات الحقوقية.

كما ان التقارير الصادرة عن منظمة العفو الدولية و"هيومن رايتس ووتش" تضع تونس تحت ضغط مستمر، مما يؤثر على المفاوضات الاقتصادية مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة و الانشغال بالملف الحقوقي والسياسي استنزف طاقة الدولة بعيداً عن الحلول الاقتصادية، مما أدى إلى تفاقم نسب التضخم وفقدان مواد أساسية.

التوقعات المستقبلية

يذكر ان تونس اليوم تقف أمام تحدي استعادة التوازن. إن استمرار سياسة الإيقافات دون محاكمات عادلة، وتصعيد الاحتجاجات الحقوقية عبر إضرابات الجوع، قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي أو انسداد سياسي شامل و يكمن في فتح حوار وطني حقيقي يعيد للقضاء استقلاليته، ويفصل بين الجرائم الجنائية وبين الحق في التعبير والمعارضة السياسية.

يذكر انه منذ إعلان الرئيس قيس سعيد عن إجراءاته الاستثنائية في 25 يوليو 2021، دخلت تونس مرحلة انتقالية جذرية استهدفت "تطهير مؤسسات الدولة ومكافحة الفساد"، شملت هذه المسارات حل البرلمان والمجلس الأعلى للقضاء، وإقرار دستور جديد عام 2022 عزز صلاحيات السلطة التنفيذية.

إلا أن هذه التحولات ترافقت مع حملة إيقافات واسعة طالت قيادات سياسية ومحامين بتهم "التآمر على أمن الدولة"، مما فجر صراعاً مفتوحاً مع قطاع المحاماة والقوى الحقوقية التي ترى في هذه الخطوات تقويضاً لاستقلال القضاء وتراجعاً عن مكتسبات ثورة 2011، وسط ضغوط دولية وأزمة اقتصادية حادة تتطلب استقراراً سياسياً داخلياً.

محمد خميس

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال