20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

هدوء حذر في حلب: كيف تعكس اشتباكات قسد والحكومة الصراع على مستقبل سوريا؟

تكشف اشتباكات حلب أن البلاد تقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تُستكمل الاتفاقات السياسية بتحويلها إلى واقع عملي يضمن وحدة الدولة ويحتوي مكوناتها، أو أن تبقى حبراً على ورق.

بقلم: عمرو المصري
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
حريق شب في أحد المباني جراء اشتباكات بين قوات الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» في حلب الواقعة شمال البلاد (سانا)

حريق شب في أحد المباني جراء اشتباكات بين قوات الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية» في حلب الواقعة شمال البلاد (سانا)

اندلعت الاشتباكات الأخيرة في مدينة حلب في توقيت بالغ الحساسية، بعدما تحولت أحياء الشيخ مقصود والأشرفية إلى مسرح مواجهات مباشرة بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد». ووفق البيانات الرسمية لمديرية صحة حلب، أسفرت المواجهات عن سقوط أربعة مدنيين وتسعة جرحى، في حصيلة أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني في المدينة، رغم سنوات من الحديث عن استعادة «الاستقرار».

الاشتباكات بدأت، بحسب رواية الحكومة السورية، إثر استهداف قنّاص تابع لـ«قسد» حاجزًا لقوى الأمن الداخلي قرب دوار الشيحان، لتتطور سريعًا إلى تبادل نار وقصف بقذائف الهاون وراجمات الصواريخ، طال أحياء سكنية مكتظة داخل مدينة حلب. في المقابل، تتهم «قسد» فصائل مرتبطة بوزارة الدفاع السورية ببدء الهجوم، ما يعكس استمرار حالة انعدام الثقة بين الطرفين، رغم الاتفاقات الموقعة.

أحياء تحت النار

تمركزت المواجهات في محيط الشيخ مقصود والأشرفية، وهما حيان يخضعان لاتفاق مبرم في أبريل الماضي، نصّ على اعتبارهِما جزءًا إداريًا من مدينة حلب، وتنظيم الوضعين الأمني والخدمي فيهما. إلا أن الواقع الميداني كشف أن هذا الاتفاق لم يتحول إلى آلية ضبط فعّالة، بل بقي إطارًا هشًا قابلًا للانهيار عند أول احتكاك.

اشتباكات حلب.JPG


امتداد النيران إلى أحياء السريان والجميلية، وسقوط قذائف داخل مركز المدينة، أعاد إلى الأذهان مشاهد الفوضى الأمنية التي عاشتها حلب خلال سنوات الحرب، ودفع عشرات العائلات إلى النزوح المؤقت، فيما أعلنت المحافظة تعليق الدوام في المدارس والجامعات والدوائر الحكومية، في مؤشر على خطورة الانزلاق الأمني.

اتهامات متبادلة

اللافت في تطورات حلب هو التصعيد الإعلامي المتوازي مع التصعيد العسكري. وزارة الدفاع السورية أكدت أن «قسد» بادرت بالتصعيد وهاجمت نقاط انتشار الجيش وقوى الأمن الداخلي بشكل مفاجئ، ما أدى إلى إصابات في صفوف القوات الحكومية. كما أعلن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث أن «قسد» استهدفت فرق الإنقاذ ثلاث مرات أثناء عملها، وهو اتهام يحمل بعدًا إنسانيًا وسياسيًا بالغ الخطورة.

ارتفاع حصيلة ضحايا قصف قسد على حلب إلى 4 (محافظة حلب)
ارتفاع حصيلة ضحايا قصف قسد على حلب إلى 4 (محافظة حلب)

 

في المقابل، نفت «قسد» هذه الاتهامات بشكل قاطع، واعتبرت أن ما يجري هو نتيجة «استفزازات متراكمة» وحصار مفروض على الحيين منذ أشهر، مؤكدة أن الفصائل التابعة لدمشق تستخدم الأسلحة الثقيلة داخل أحياء مأهولة، في خرق واضح لاتفاق 10 مارس.

اتفاقات معلّقة

لا يمكن فصل اشتباكات حلب عن السياق الأوسع لاتفاق 10 مارس 2025، الموقّع بين الرئيس أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، والذي ينص على اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية بحلول نهاية العام. فمع اقتراب المهلة النهائية، بات واضحًا أن الاتفاق يواجه أزمة تنفيذ حقيقية.

الاشتباكات جاءت، بحسب محللين، كرسالة ضغط متبادلة: دمشق تسعى لفرض وقائع ميدانية تُجبر «قسد» على الالتزام بالاندماج الكامل وفق نموذج الدولة المركزية، فيما تحاول «قسد» رفع كلفة الضغط العسكري والسياسي، لتحسين شروطها التفاوضية، خصوصًا في ملف اللامركزية والإدارة الذاتية.

واشنطن في الخلفية

الولايات المتحدة، الراعي الأساسي لاتفاق مارس، حضرت بقوة في حسابات الطرفين، وإن غابت ميدانيًا عن مشهد الاشتباكات. فواشنطن، وفق تقديرات عديدة، تدفع باتجاه اندماج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، لكنها في الوقت نفسه لا تمارس ضغطًا حاسمًا، بسبب استمرار اعتمادها على «قسد» كقوة رئيسية في مواجهة تنظيم داعش.

هذا التردد الأمريكي يمنح «قسد» هامش مناورة واسعًا، ويشجعها على استخدام التصعيد المحدود كأداة تفاوض، لإقناع واشنطن بضرورة التريث وعدم فرض حل سريع قد يفقدها دورها العسكري والسياسي في شرق الفرات.

تركيا تضغط من الشمال

الدور التركي شكّل عاملًا ضاغطًا أساسيًا في توقيت الاشتباكات. تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، التي شكك فيها بنيّة «قسد» تنفيذ التزاماتها، لم تكن معزولة عن الميدان. أنقرة ترى في أي تأخير لاندماج «قسد» تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، وتضغط على دمشق وواشنطن معًا لإنهاء هذا الملف.

التحرك التركي، سياسيًا وإعلاميًا، يضع «قسد» أمام معادلة صعبة: إما القبول بتسوية تقلّص نفوذها العسكري والإداري، أو مواجهة احتمالات تصعيد أوسع، سواء عبر دمشق أو عبر تدخلات تركية غير مباشرة.

موقف عربي حذر

إقليميًا، برز الموقف المصري الداعي إلى خفض التصعيد وحماية المدنيين، مع تأكيد القاهرة على وحدة الأراضي السورية وضرورة الحل السياسي الشامل. هذا الموقف يعكس قلقًا عربيًا متزايدًا من عودة التوترات المسلحة في المدن الكبرى، بما يهدد أي مسار لإعادة الاستقرار وإعادة الإعمار.

التحذير المصري يندرج ضمن رؤية أوسع ترفض تفكك الدولة السورية أو تكريس كيانات موازية، وتدعو إلى احتواء الخلافات ضمن إطار الدولة الوطنية، بعيدًا عن منطق السلاح.

صراع على شكل الدولة

في جوهر الأزمة، يكمن الخلاف حول شكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة. دمشق تصر على نموذج الدولة المركزية الموحدة، مع جيش واحد وسلطة واحدة وموارد مركزية، فيما تطالب «قسد» بنظام حكم لامركزي يمنح الإدارة الذاتية صلاحيات واسعة سياسية واقتصادية وأمنية.

أحد المصابين جراء استهداف قسد أحياء بحلب بالقصف (وكالة سانا)
أحد المصابين جراء استهداف قسد أحياء بحلب بالقصف (وكالة سانا)

 

الاندماج الكامل، وفق رؤية دمشق، يعني عمليًا فقدان «قسد» السيطرة على النفط والغاز، وتفكيك بنيتها العسكرية المستقلة، وهو ما تعتبره القيادة الكردية تهديدًا وجوديًا لمكاسب راكمتها خلال سنوات الحرب بدعم أمريكي مباشر.

حلب كمرآة للمستقبل

تكشف اشتباكات حلب أن البلاد تقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تُستكمل الاتفاقات السياسية بتحويلها إلى واقع عملي يضمن وحدة الدولة ويحتوي مكوناتها، أو أن تبقى حبراً على ورق، تُدار تحت ضغط السلاح والتدخلات الإقليمية.

حلب، بما تمثله من ثقل رمزي وجغرافي، تحولت إلى اختبار مبكر لمستقبل سوريا السياسي. وإذا فشلت التفاهمات في ضبط هذا المشهد، فإن احتمالات التوسع إلى ساحات أخرى تبقى قائمة، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية، وغياب ضمانات حقيقية لتنفيذ الاتفاقات.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

هدوء حذر في حلب: كيف تعكس اشتباكات قسد والحكومة الصراع على مستقبل سوريا؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°