يشكل صدور الأحكام بالسجن مدى الحياة ضد 11 متهمًا في قضية اغتيال المهندس التونسي محمد الزواري، أحد القادة المشرفين على مشروع الطائرات المسيّرة “الأبابيل”، محطة مهمة لفهم طبيعة العمليات الاستخباراتية المعقدة في المنطقة، وأثرها على مسار المقاومة الفلسطينية، خصوصًا في ظل استمرار التوترات الإقليمية وتصاعد التسلح التكنولوجي في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. ويأتي هذا الحكم بعد نحو تسع سنوات من اغتيال الزواري أمام منزله في صفاقس، وهو حدث شكّل صدمة على مستوى الخبرة العلمية الفلسطينية والإقليمية في تطوير الطائرات المسيّرة.
الزواري ودوره في تطوير القدرات العسكرية الفلسطينية
كان محمد الزواري يشغل موقعًا فريدًا بين الناشطين العسكريين الفلسطينيين، إذ جمع بين المعرفة الأكاديمية المتقدمة في الطيران وعلوم الهندسة، وبين العمل الميداني في جناح كتائب القسّام. وقد ساهم بشكل مباشر في تطوير طائرات “أبابيل 1” الانتحارية والاستطلاعية، والتي لعبت دورًا بارزًا في العمليات الفلسطينية ضد الاحتلال، بدءًا من الاستخدام الاستطلاعي عام 2015 وحتى القتال الفعلي خلال “معركة سيف القدس” في مايو 2021. وتميزت هذه الطائرات بقدرتها على حمل متفجرات خفيفة وبصمتها الحرارية المنخفضة، ما منحها قدرة عالية على الاقتراب من الأهداف وإصابتها بدقة، وهو ما يعكس تطور التكتيكات العسكرية الفلسطينية باستخدام تكنولوجيا منخفضة الكلفة وفعّالة.

خلفيات اغتيال الزواري وأبعادها الاستخباراتية
يمثل اغتيال الزواري نموذجًا للعمليات الاستخباراتية الدقيقة التي تنفذها أجهزة خارجية لاستهداف الكوادر العلمية والعسكرية في المقاومة الفلسطينية. وقد اتهمت حركة حماس جهاز الموساد الإسرائيلي بالمسؤولية عن العملية، في حين التزمت إسرائيل الصمت، كما هو معتاد في هذه العمليات. وتبرز هذه الحادثة أهمية استهداف الكفاءات العلمية التي يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في القدرات العسكرية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي أصبحت أداة مركزية في الصراع بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال.
الأحكام القضائية وتحديات المحاكمة الغيابية
صدر الحكم بالسجن مدى الحياة بحق 11 متهمًا، بينهم أجانب من البوسنة وتونس، جميعهم غيابياً، في حين لم يتم القبض على أي منهم حتى الآن. ويبرز هذا الجانب القضائي الغيابي تحديًا في محاكمة العمليات العابرة للحدود والتي تنفذها شبكات استخباراتية، ما يعكس محدودية القدرة على مساءلة منفذي العمليات المتطورة، ويعطي مؤشرات على استمرارية آليات تنفيذ مثل هذه العمليات رغم مرور سنوات على وقوعها.
انعكاسات اغتيال الزواري على الصراع الإقليمي
يشكل اغتيال الزواري ونجاحه في تعطيل مشروع الطائرات المسيّرة لفترة مؤقتة، درسًا استراتيجيًا في موازين القوة التكنولوجية في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي. فالاغتيال لم يوقف تطوير الطائرات المسيّرة، إذ استمرت كتائب القسّام في إنتاج طائرات تحمل اسم الزواري، واستخدمت في عمليات لاحقة مثل “طوفان الأقصى” أكتوبر 2023. ويشير ذلك إلى أن استهداف الكوادر العلمية يعرقل مؤقتًا المشاريع العسكرية لكنه لا يوقف مسار التقدم التكنولوجي، ما يعكس الطبيعة المرنة والمتجددة للمقاومة الفلسطينية، ويؤكد على أهمية تعزيز حماية الكفاءات الوطنية في أوقات النزاع.
الأبعاد التحليلية للتكنولوجيا العسكرية الصغيرة
تشير دراسة دور الزواري في تطوير طائرات “أبابيل” إلى تحول الطائرات الانتحارية الصغيرة والبسيطة نسبياً إلى عنصر ردع مهم في الصراع، حيث يمكن لوحدات محدودة الموارد تحقيق تأثير كبير على الأرض، مع الحفاظ على التكلفة منخفضة وبصمة حرارية منخفضة. ويظهر هذا الاتجاه كيف يمكن للتكنولوجيا أن تصبح أداة استراتيجية غير متكافئة، توازن بين القوة التقليدية للاحتلال والتكتيكات المتقدمة للمقاومة، ما يزيد من تعقيد أي محاولات لتحقيق استقرار إقليمي شامل في المستقبل القريب.










