20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. محمد الصاوي يكتب: إسرائيل وباب المندب: اعتراف بأرض الصومال أم إعادة رسم خرائط الأمن الإقليمي؟

د. محمد الصاوي يكتب: إسرائيل وباب المندب: اعتراف بأرض الصومال أم إعادة رسم خرائط الأمن الإقليمي؟

بقلم: د. محمد الصاوي
٢٨ ديسمبر ٢٠٢٥
9 دقائق قراءة
26 مشاهدة
أرض الصومال

أرض الصومال

أعلنت إسرائيل في ديسمبر 2025 عن الاعتراف الرسمي بإقليم “أرض الصومال” كدولة مستقلة وذات سيادة، لتكون أول دولة في العالم تفعل ذلك منذ إعلان الإقليم الانفصال عام 1991. يأتي هذا الاعتراف في سياق تعقيد ديناميات القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وقد أثار موجة إدانات عربية، إسلامية، وإفريقية، فيما يمثل تحوّلاً استراتيجيًا مؤثرًا على الأمن الإقليمي والتوازنات الجيوسياسية.  

1. خلفية الاعتراف: سردية إسرائيل والاستراتيجية المقترنة

وفق التقارير الأولية، وقع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعر إعلان الاعتراف المتبادل مع رئيس إقليم أرض الصومال، وأعلن عن إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتعاون في مجالات الزراعة والتكنولوجيا والاقتصاد.  

الاستراتيجية الإسرائيلية الرسمية ترى أن الاعتراف يأتي “بروح اتفاقيات أبراهام” كخطوة نحو توسيع العلاقات مع كيانات في إفريقيا والشرق الأوسط. من منظور تل أبيب، يعني هذا الاعتراف إمكانية إنشاء شراكات استراتيجية بمنطقة حيوية تطل على باب المندب وخليج عدن، ما قد يعزز موقع إسرائيل في مضيق حاسم للملاحة العالمية.  

هذا التطور يمكن قراءته كامتداد لطموحات إسرائيل في:
-    توسيع نفوذها البحري والاستخباراتي نحو جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
- التحايل على مقولات القطيعة الإقليمية مع الدول الإسلامية عبر أدوات دبلوماسية غير تقليدية.
- دعم شركاء جغرافيين يمكنهم أن يكونوا بمثابة نقاط ارتكاز لعمليات استخباراتية أو أمنية.  
 
2. الردود العربية والإقليمية: إجماع رافض وتحذيرات قانونية

أثار الاعتراف موجة إدانات واسعة عبر نحو 20 دولة عربية، إفريقية، وإسلامية، بالإضافة إلى منظمة التعاون الإسلامي التي اعتبرت الخطوة “انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة”، خصوصاً مبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.  

في السياق ذاته:
-    مصر وصفت الاعتراف بأنه انتهاك صارخ للقانون الدولي وتحدٍ لوحدة الأراضي الصومالية، مؤكدة دعمها الكامل لوحدة وسيادة الصومال.  
- تركيا، عبر أصوات قيادية مثل أحمد داوود أوغلو، اعتبرت الخطوة جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تقويض الوحدة الإقليمية وتمزيق الدول الإسلامية من الداخل، محذراً من أن الاعتراف قد يمهّد لـ”تجربة تقسيم مماثلة” في مناطق أخرى.  
- الاتحاد الإفريقي أدان الاعتراف واعتبره مخالفة لالتزامات الحفاظ على وحدة الدول الأعضاء.  

هذه المواقف تعبّر عن قلق عميق من أن الاعتراف الإسرائيلي قد يزرع بذور الانقسام في القرن الإفريقي، ويؤسس لسابقة خطيرة في التعامل مع الانفصالات.  

3. تداعيات الأمن الإقليمي: مخاطرة التوتر المسلح والهيمنة على المضائق

3.1 تهديد استقرار القرن الإفريقي

يُعدّ القرن الإفريقي واحداً من أكثر المناطق هشاشة في العالم، وقد شهد صراعات مسلحة، انقسامات سياسية، وانتشار جماعات مسلحة مثل الحركة الشبابية المرتبطة بالقاعدة، التي أعلنت أنها ستقاوم أي استخدام إسرائيلي لأرض الصومال.  

اهتمام إسرائيل بهذه المنطقة يُقرأ كجزء من سعيها إلى:
- بناء نفوذ في ممرات الملاحة الاستراتيجية،
- استغلال نقاط ضعف الحكومات المركزية لتوسيع دائرة علاقاتها.

لكن هذا التحرك يزيد من مخاطر تصاعد التوتر المسلح في منطقة تشمل جماعات مسلحة معادية للوجود الإسرائيلي، مما قد يعيد الصراع إلى ساحة مفتوحة.  

3.2 تأثير على أمن باب المندب والبحر الأحمر

الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال سيمنح تل أبيب حضوراً سياسياً في موقع قريب من باب المندب وخليج عدن، ما قد يمكّنها من:
-الوصول إلى قاعدة في ميناء بربرة الاستراتيجي.
-توسيع نطاق مراقبتها البحرية.
-ربط شبكاتها الاستخباراتية مع كيانات أفريقية تابعة.  

من منظور الأمن الإقليمي العربي، هذا قد يعني تغييراً في قواعد الاشتباك في مضيق حيوي يعتمد عليه الملاحة الدولية والطاقة، ما يعزز القلق من تقاطع المصالح الخارجية مع السيطرة على الممرات البحرية.

4. تداعيات محور مصر–تركيا والعالم الإسلامي

4.1 مصر: دعم الوحدة الإقليمية

مصر التي تربطها علاقات استراتيجية مع الصومال والسودان وجيبوتي تُولي أهمية كبرى لـثبات القرن الإفريقي وأمن الممرات البحرية. رفض القاهرة للاعتراف يعكس إدراكًا بأن:
-مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى تخفيف سيطرة الدول الإسلامية على مضيق حيوي،
-وأن أي تفكك قد يكون مقدمة لتدخلات خارجية غير مرغوبة، وأن الانتهاك المعلن للقانون الدولي يفتح باباً لتحديات أكبر في حدود الدول ذات السيادة.  

4.2 تركيا: منافس إقليمي وموازن استراتيجي

تركيا، التي عززت وجودها في القرن الإفريقي من خلال شراكات أمنية وتنموية مع مقديشو، ترى في هذه الخطوة تهديداً لاستراتيجيتها الإقليمية وقد وصفتها بأنها جزء من مسعى أوسع لتفتيت المجتمعات الإسلامية.

تحذيرات تركيا تنسجم مع رؤيتها لدور أكثر استقلالية في الأمن الإقليمي، وقد تدفع أنقرة إلى تعميق دعمها الصومالي أو تعزيز قدرتها العسكرية في المنطقة، بما يرفع منسوب المنافسة مع إسرائيل وحلفائها.  

4.3 العالم الإسلامي: انتكاسة للقانون الدولي والسيادة

اعتراضات منظمة التعاون الإسلامي والمواقف الموحدة للدول الإسلامية تعكس مخاوف من أن:
-الاعتراف بإقليم منفصل دون توافق إقليمي أو دولي يعد انتهاكاً للقانون الدولي.
-هذا الاعتراف قد يشجع حركات انفصالية أخرى في دول إسلامية
-الاستقرار الإقليمي قد يتعرض لخطر التحفيز الانفصالي بدل احتوائه.

هذا يضع العالم الإسلامي أمام اختبار استراتيجي في كيفية حماية مبادئ السيادة ووحدة الأراضي، مقابل استراتيجيات قوى خارجية تسعى إلى استغلال الانقسامات الداخلية لمصالحها.  

5. تداعيات على النظام الدولي والمبادئ القانونية

يرى كثير من المراقبين أن قرار الاعتراف يخالف مبادئ القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول ووحدة الأراضي، كما أنه:
يخلق سابقة خطيرة في التعامل مع الانفصالات ، قد يضغط على مؤسسات الاتحاد الإفريقي وأجياد لرفض الاعتراف الأحادي ، يضع الأمم المتحدة في موقف مواجهة بين مبادئ عدم التدخل وسيادة الدول.


6. البُعد الدولي الصامت: حسابات القوى الكبرى وحدود الحركة الإسرائيلي

لا يمكن قراءة الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال بمعزل عن موقف القوى الدولية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، فضلاً عن الصين وروسيا. 

فرغم عدم إعلان واشنطن دعماً رسمياً لهذه الخطوة، فإن امتناعها عن الإدانة يعكس سياسة حذرة تقوم على إدارة التوازنات في البحر الأحمر دون الاصطدام المباشر بحليف إقليمي، مع الإبقاء على هامش مناورة استراتيجي في منطقة تشهد تنافساً متصاعداً بين القوى الكبرى. 
في المقابل، يتمسك الاتحاد الأوروبي رسمياً بمبدأ وحدة الأراضي الصومالية، لكنه ينظر بقلق متزايد إلى أي تحولات قد تؤدي إلى عسكرة مضيق باب المندب وتهديد أمن التجارة الدولية. 
أما الصين وروسيا، فتعارضان أي سابقة انفصالية أحادية، ليس فقط التزاماً بمبدأ السيادة، بل أيضاً بسبب حساسيات داخلية تتعلق بوحدة أراضيهما، إلى جانب مخاوف بكين من أن يفتح أي حضور أمني جديد قرب باب المندب المجال لإعادة تشكيل موازين النفوذ بما يهدد مصالحها الاستراتيجية ومشاريعها العابرة للقارات. 
وعليه، فإن الاعتراف الإسرائيلي يبدو أقرب إلى اختبار عملي لمرونة النظام الدولي في التعاطي مع الانفصالات حين تتقاطع مع اعتبارات جيوسياسية كبرى، لا مجرد خطوة دبلوماسية معزولة.

 خاتمة  

يمثل الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال أكثر من خطوة دبلوماسية أحادية، إذ يعكس تحولاً أعمق في أنماط التفاعل داخل النظام الدولي، حيث تتقاطع اعتبارات القوة والنفوذ مع مرونة متزايدة في تطبيق مبادئ السيادة ووحدة الأراضي. فالصمت الحذر لبعض القوى الكبرى، مقابل الرفض القانوني المعلن، يكشف عن فجوة متنامية بين الخطاب المعياري للنظام الدولي وممارساته الواقعية، خاصة في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية العالية مثل القرن الإفريقي وباب المندب.
وفي هذا السياق، لا تتوقف تداعيات الاعتراف عند حدود الصومال، بل تمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات الأمنية في البحر الأحمر، وفتح الباب أمام منافسة إقليمية ودولية محتدمة، تتداخل فيها مصالح إسرائيل مع حسابات الولايات المتحدة، وتوجسات القوى الكبرى، وقلق الدول العربية والإسلامية من سابقة قد تعيد إنتاج منطق التفكيك بدل الاستقرار. 
وعليه، فإن التعامل مع هذا التطور يتطلب من القوى الإقليمية، وعلى رأسها مصر وتركيا والدول الإسلامية، مقاربة استراتيجية جماعية تتجاوز ردود الفعل الدبلوماسية، نحو حماية المضائق الحيوية، وتثبيت مبدأ السيادة، ومنع تحويل الانقسامات المحلية إلى أدوات لإعادة هندسة الخرائط الأمنية بما يخدم أجندات خارجية على حساب استقرار الإقليم.

قائمة المراجع (Harvard Style)

أولًا: وكالات أنباء دولية وصحافة إخبارية موثوقة

‏Reuters (2025) Israel becomes first country to formally recognise Somaliland as independent state. 26 December. Available at:
‏https://www.reuters.com/world/middle-east/israel-recognises-somaliland-somalias-breakway-region-independent-state-2025-12-26/
‏(Accessed: 26 December 2025).

‏Associated Press – AP News (2025) More countries reject Israel’s recognition of Somaliland. Available at:
‏https://apnews.com/article/0643e819cc043163d7a81c91617232a9
‏(Accessed: 26 December 2025).

‏Times of Israel (2025) Somalia, Egypt, Turkey and Djibouti condemn Israel’s recognition of Somaliland. Available at:
‏https://www.timesofisrael.com/liveblog_entry/somalia-egypt-turkey-and-djibouti-condemn-israels-recognition-of-somaliland-egypt-says/
‏(Accessed: 26 December 2025).

‏The New Arab (2025) Somalia’s Al-Shabaab vows to fight any Israeli use of Somaliland. Available at:
‏https://www.newarab.com/news/somalias-al-shabaab-vows-fight-any-israeli-use-somaliland
‏(Accessed: 26 December 2025).

ثانيًا: مراكز أبحاث ودراسات استراتيجية دولية

‏Council on Foreign Relations – CFR (n.d.) Red Sea geopolitics. Available at:
‏https://www.cfr.org/backgrounder/red-sea-geopolitics
‏(Accessed: 26 December 2025).

‏Brookings Institution (n.d.) Great power competition in Africa. Available at:
‏https://www.brookings.edu/topic/africa/
‏(Accessed: 26 December 2025).

‏Chatham House (n.d.) Security dynamics of the Bab el-Mandeb and the Red Sea. Available at:
‏https://www.chathamhouse.org/topics/red-sea
‏(Accessed: 26 December 2025).

ثالثًا: وثائق وتقارير رسمية حكومية

‏U.S. Congressional Research Service – CRS (n.d.) Horn of Africa and Red Sea security reports. Available at:
‏https://crsreports.congress.gov
‏(Accessed: 26 December 2025).

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

د. محمد الصاوي

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير