20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

واشنطن تحمي تل أبيب: «أرض الصومال» ورقة إسرائيل في صراعات البحر الأحمر

لا ينفصل اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» عن سياق صراعاتها الإقليمية الأوسع. فالموقع الجغرافي للمنطقة، المقابل لليمن، يمنح تل أبيب موطئ قدم محتملًا لمراقبة باب المندب.

بقلم: عمرو المصري
٣١ ديسمبر ٢٠٢٥
6 دقائق قراءة
22 مشاهدة
أرض الصومال

أرض الصومال

في 26 ديسمبر 2025، أصبح كيان الاحتلال أول عضو بالأمم المتحدة يعترف رسميًا بـ«أرض الصومال» كدولة مستقلة، في خطوة فجّرت ردود فعل دولية غاضبة، وأفضت إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي في 29 ديسمبر 2025. خلال الجلسة، تولّت الولايات المتحدة الدفاع عن «حق» إسرائيل السيادي في إقامة علاقات دبلوماسية، وشبّهت الخطوة باعتراف دول أخرى بدولة فلسطينية، في حين أدان 14 عضوًا من أصل 15 في المجلس الإجراء باعتباره انتهاكًا لوحدة الأراضي الصومالية وتهديدًا لاستقرار القرن الإفريقي.

هذا الاصطفاف الأمريكي العلني كشف مرة أخرى ازدواجية المعايير في الدبلوماسية الدولية، حيث وُضعت مظلة حماية سياسية فوق خطوة إسرائيلية مثيرة للانقسام، في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية من غزة إلى البحر الأحمر.

أرض الصومال.. قيمة استراتيجية

تُعد «أرض الصومال» كيانًا أعلن انفصاله من جانب واحد عن الصومال عام 1991 عقب انهيار الدولة الصومالية. ورغم امتلاكها حكومة مستقرة نسبيًا، وانتخابات دورية، وعملة وجيشًا، فإن المجتمع الدولي لا يعترف بها، متمسكًا بوحدة الصومال وفق قرارات الأمم المتحدة.

تتحكم المنطقة في أصول استراتيجية بالغة الحساسية، أبرزها ميناء بربرة على خليج عدن، المطل على أحد أهم ممرات التجارة العالمية في البحر الأحمر، والذي تعرض لهزات متكررة منذ أواخر 2023 بفعل هجمات أنصار الله (الحوثيين) على الملاحة المرتبطة بإسرائيل.

جذور العلاقة مع تل أبيب

لم تكن علاقة إسرائيل بـ«أرض الصومال» وليدة اللحظة. فقد تعود الاتصالات غير الرسمية إلى مطلع الألفية، لكنها تسارعت مع تعقّد المشهد الأمني الإقليمي. في 2020، تحدثت تقارير عن تعاون استخباراتي، ومع 2024 تسارعت النقاشات حول الاعتراف الرسمي، في سياق سعي تل أبيب لبناء شبكة حلفاء لمواجهة قوى مدعومة من إيران، وعلى رأسها الحوثيون في اليمن.

قيادة «أرض الصومال»، وعلى رأسها الرئيس موسى بيحي عبدي، سعت بقوة إلى هذا الاعتراف، عارضة تسهيلات عسكرية محتملة مقابل الشرعية الدولية، في رهان على كسر العزلة الدبلوماسية وفتح أبواب الاستثمار والأمن.

قرار الاعتراف وتداعياته

في 26 ديسمبر 2025، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، مع وعود بالتعاون في مجالات الأمن والزراعة والتكنولوجيا. حكومة «أرض الصومال» وصفت الخطوة بأنها «محطة تاريخية»، وعقدت اجتماعًا طارئًا لبحث كيفية توظيفها اقتصاديًا وأمنيًا.

في المقابل، ردّت مقديشو بعنف سياسي، واعتبر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود إسرائيل «عدوًا»، واتهمها بالسعي لتهجير فلسطينيين من غزة إلى «أرض الصومال»، وهو اتهام أعاد إشعال الشارع الصومالي وأفضى إلى تظاهرات وبيانات إدانة من الاتحاد الإفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية.

مجلس الأمن والانقسام الدولي

عُقدت الجلسة الطارئة لمجلس الأمن بطلب من الصومال، حيث حذّر معظم المتحدثين من أن الاعتراف الإسرائيلي قد يشجع النزعات الانفصالية ويقوّض الاستقرار الهش في القرن الإفريقي. روسيا والصين أكدتا دعم وحدة الأراضي الصومالية، بينما عبّرت فرنسا وبريطانيا عن قلق بالغ من التداعيات الإقليمية.

الولايات المتحدة، وحدها، دافعت عن إسرائيل، معتبرة أن لها «الحق نفسه» الذي تملكه أي دولة في إدارة علاقاتها الدبلوماسية. وذهبت واشنطن أبعد من ذلك، متهمة دولًا في المجلس بازدواجية المعايير بسبب اعترافها بدولة فلسطينية «غير قائمة»، مع تأكيدها في الوقت ذاته أن سياستها الرسمية تجاه «أرض الصومال» لم تتغير.

هذا الموقف عكس تحالفًا سياسيًا صلبًا، لكنه عمّق الشرخ داخل المجلس، دون التوصل إلى قرار أو بيان ملزم.

توظيف إسرائيلي للصراع

لا ينفصل اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» عن سياق صراعاتها الإقليمية الأوسع. فالموقع الجغرافي للمنطقة، المقابل لليمن، يمنح تل أبيب موطئ قدم محتملًا لمراقبة باب المندب، وتأمين خطوط الملاحة، وتهديد خطوط إمداد جماعة أنصار الله في اليمن.

ميناء بربرة، تحديدًا، يُنظر إليه كمنصة مثالية لنشر قدرات استخباراتية أو بحرية، بما يعزز قدرة إسرائيل على العمل قرب مسرح العمليات اليمني، في ظل أكثر من 200 هجوم حوثي استهدف مصالح إسرائيل منذ أكتوبر 2023.

في الوقت ذاته، ترسل الخطوة رسالة سياسية إلى الخليج، خصوصًا الإمارات التي استثمرت في بربرة، وتضع إسرائيل في مواجهة نفوذ تركيا وقطر داخل الصومال، ضمن لعبة محاور متشابكة في القرن الإفريقي.

مخاطر الانزلاق الإقليمي

رغم المكاسب التكتيكية، تنطوي الخطوة على مخاطر عالية. إذ قد تُجرّ «أرض الصومال» إلى صراعات بالوكالة، سواء عبر عمليات انتقامية من مقديشو أو عبر تصعيد يمني مباشر. كما يخشى مراقبون من أن يُسهم الاعتراف في تغذية الإرهاب وعدم الاستقرار في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية.

ويرى محللون في «هآرتس» أن إسرائيل دخلت «متاهة تنافسات إقليمية» قد تستفز تركيا وتدفع جماعة انصار الله في اليمن إلى تصعيد جديد. بينما يعتبر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي أن البحر الأحمر بات ساحة حاسمة، وأن حلفاء مثل «أرض الصومال» يوفرون خيارات لم تكن متاحة سابقًا.

في المقابل، يحذّر خبراء أفارقة من أن كلفة الاعتراف قد تتجاوز فوائده، عبر إضعاف وحدة الصومال وتشجيع نزعات انفصالية أخرى، ما يهدد أمن القرن الإفريقي برمته.

أبعاد ودلالات

الدفاع الأمريكي عن إسرائيل داخل مجلس الأمن لا يعكس فقط تحالفًا تقليديًا، بل يكشف استعداد واشنطن لتبرير خطوات تُدان دوليًا إذا صدرت عن تل أبيب. أما إسرائيل، فتستخدم ملف «أرض الصومال» كورقة ضغط جيوسياسية في مواجهة إيران وحلفائها، وكساتر لتخفيف الضغط الدولي المتزايد عليها بسبب حرب غزة وتعطيل الملاحة.

قد تمنح هذه الخطوة إسرائيل نفوذًا إضافيًا على المدى القصير، لكنها تفتح أبوابًا واسعة لعدم الاستقرار، وتضع القرن الإفريقي على تماس مباشر مع صراعات الشرق الأوسط، في مشهد مرشح لمزيد من التصعيد إذا لم تُكبح حسابات القوة بمنطق سياسي جامع.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال