4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

جباليا تحت القصف و«الخط الأصفر» كذريعة: كيف تُعاد هندسة التهجير بالقوة؟

شهد مخيم جباليا، خلال الأيام الأخيرة، تصعيدًا لافتًا في وتيرة القصف المدفعي الإسرائيلي، في امتداد واضح لسلسلة المجازر التي طالت قطاع غزة منذ أكتوبر 2023

بقلم: سماح عثمان
١ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
21 مشاهدة
جباليا تحت القصف

جباليا تحت القصف

شهد مخيم جباليا، خلال الأيام الأخيرة، تصعيدًا لافتًا في وتيرة القصف المدفعي الإسرائيلي، في امتداد واضح لسلسلة المجازر التي طالت قطاع غزة منذ أكتوبر 2023. وبحسب مصادر طبية وشهادات ميدانية نقلتها وسائل إعلام محلية، استهدف القصف مناطق سكنية مكتظة، ما أسفر عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم أطفال ونساء، إضافة إلى تدمير واسع في المنازل والبنية التحتية، في مخيم يُعدّ من أكثر مناطق القطاع كثافة سكانية.

هذا القصف المدفعي، الذي جرى دون أي إنذارات فعّالة، أعاد إلى الواجهة نمط الاستهداف العشوائي الذي ميّز العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الشهور الماضية. ووفقًا لتقارير حقوقية، فإن استخدام المدفعية الثقيلة في بيئة مدنية مغلقة، كمخيم جباليا، يضاعف احتمالات القتل الجماعي، ويؤكد استمرار تجاهل مبدأي التمييز والتناسب المنصوص عليهما في القانون الدولي الإنساني.

جباليا وإعلان الخط الأصفر

في خضم هذا التصعيد، أعلنت إسرائيل ما أسمته “الخط الأصفر” باعتباره حدودًا أمنية جديدة في محيط مناطق شمال قطاع غزة، بما في ذلك مخيم جباليا. ووفقًا لبيانات عسكرية إسرائيلية نقلتها وسائل إعلام عبرية، يُفترض بهذا الخط أن يشكّل منطقة عازلة يُمنع الاقتراب منها، تحت طائلة الاستهداف المباشر، بدعوى الضرورات الأمنية.

غير أن هذا الإعلان جاء دون أي تعريف قانوني واضح، أو خرائط معلنة، أو آليات إبلاغ دقيقة للسكان، ما حوّل “الخط الأصفر” إلى مفهوم ضبابي يُستخدم عمليًا كأداة تهديد مفتوحة. وتشير إفادات سكان محليين إلى أن الإعلان ترافق مع تصعيد في القصف، ما جعل الخط الأمني المعلن أقرب إلى إنذار جماعي بالإخلاء القسري، في منطقة لا تتوافر فيها أصلًا أي مساحات آمنة.

دلالات أمنية عن الخط الأصفر 

أمنيًا، يعكس مفهوم “الخط الأصفر” محاولة إسرائيلية لإعادة رسم حدود السيطرة الميدانية داخل قطاع غزة، دون إعلان احتلال رسمي أو تحمل التزامات قانونية واضحة. ويشير محللون عسكريون إلى أن هذه الخطوط المؤقتة تُستخدم كأداة مرنة تسمح للقوات الإسرائيلية بتوسيع أو تقليص نطاق عملياتها، وفق تطورات الميدان، مع إبقاء المدنيين في حالة دائمة من الخطر وعدم اليقين.

كما يندرج هذا المفهوم ضمن سياسة الضغط النفسي الجماعي، حيث يُدفع السكان إلى النزوح القسري تحت وطأة القصف والتهديد، دون أوامر إخلاء رسمية. ويُنظر إلى ذلك، بحسب تقارير أمنية، كوسيلة لتفريغ مناطق كاملة من سكانها، بما يخدم أهدافًا عسكرية وسياسية بعيدة المدى، تتجاوز مجرد الاعتبارات التكتيكية المؤقتة.

إشكاليات قانونية

قانونيًا، يثير “الخط الأصفر” إشكاليات خطيرة تتعلق بمشروعية إنشاء مناطق عازلة داخل أراضٍ مأهولة بالسكان المدنيين. فوفقًا لاتفاقيات جنيف، يُحظر فرض تدابير تؤدي إلى التهجير القسري الجماعي، أو استخدام القوة لإجبار السكان على مغادرة منازلهم، إلا في حالات استثنائية ضيقة ومحددة، وهو ما لا ينطبق على الحالة الراهنة في جباليا.

وتؤكد منظمات حقوقية دولية أن الإعلان عن خطوط أمنية غير واضحة، مقرونة باستخدام القصف المدفعي، قد يرقى إلى مستوى العقاب الجماعي، وهو محظور صراحة بموجب القانون الدولي الإنساني. كما أن غياب أي ضمانات لحماية المدنيين أو توفير ممرات آمنة، يجعل من “الخط الأصفر” أداة انتهاك قانوني أكثر منه إجراءً أمنيًا مشروعًا.

واقع إنساني خانق

انعكست هذه التطورات بشكل مباشر على الواقع الإنساني في مخيم جباليا، حيث أفادت منظمات إغاثية بتزايد أعداد النازحين داخليًا، وتفاقم النقص في الغذاء والمياه والخدمات الطبية. وبحسب تقارير أممية، فإن القصف المتواصل وإعلان مناطق محظورة جديدة أدّيا إلى تعطيل وصول المساعدات، وإجبار العائلات على الاحتماء في ظروف غير إنسانية، وسط انهيار شبه كامل للبنية التحتية.

ويأتي ذلك في ظل استمرار الدعم الأمريكي المباشر لإسرائيل، سياسيًا وعسكريًا، ما وفّر غطاءً دوليًا لهذه الإجراءات. وتشير تقارير صحفية أمريكية إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الرئيس الحالي منذ 2024، واصلت استخدام حق النقض السياسي لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية جدية، رغم تواتر التقارير عن المجازر والانتهاكات منذ أكتوبر 2023.

مشهد مفتوح على التصعيد

في ضوء ما سبق، يبدو أن القصف المدفعي على مخيم جباليا، وإعلان “الخط الأصفر”، ليسا حدثين منفصلين، بل جزء من مقاربة أوسع لإدارة الحرب عبر إعادة تشكيل الجغرافيا بالقوة. ومع غياب أي أفق سياسي أو التزام حقيقي بحماية المدنيين، تتحول المفاهيم الأمنية الفضفاضة إلى أدوات دائمة للضغط والتهجير، فيما يبقى السكان محاصرين بين القصف والخطوط المتغيّرة، في مشهد يعكس استمرار الحرب بأدوات جديدة، لكن بالثمن الإنساني ذاته.

الكلمات المفتاحية:#جباليا#الخط الأصفر#التهجير

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

جباليا تحت القصف و«الخط الأصفر» كذريعة: كيف تُعاد هندسة التهجير بالقوة؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°