19 يوليو 2026|القاهرة 28 °

من "الضربات الخشنة" إلى "الجراحة الدقيقة": تحول جوهري في العقيدة الاستخباراتية الإيرانية تجاه إسرائيل

قال الباحث في الشأن العسكري والأمني د. رامي أبو زبيدة، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حوادث تجسس عابرة، بل هو تحول جوهري في العقيدة الاستخباراتية الإيرانية تجاه إسرائيل. في ظل التوتر العسكري المباشر.

بقلم: عمرو المصري
٥ يناير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
158 مشاهدة
حرب استخباراتية بين إيران وإسرائيل

حرب استخباراتية بين إيران وإسرائيل

قدمت النيابة العامة الإسرائيلية، الإثنين، لائحة اتهام إلى المحكمة المركزية في اللد، ضد لكاتشاو دمساش (30 عاما) من سكان مدينة ريشون لتسيون، ونسبت إليه تهمة ارتكاب مخالفات أمنية بتوجيه جهات في الاستخبارات الإيرانية.

وخلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في أكتوبر 2023، صعّدت المؤسسات الأمنية الإسرائيلية خطابها التحذيري من "موجة غير مسبوقة" من محاولات التجسس والاختراق السيبراني المنسوبة إلى إيران. هذا الخطاب، الذي يتكرر في تقارير الشاباك والشرطة ووسائل الإعلام العبرية، يُقدَّم بوصفه تهديدًا وجوديًا متعدد الأبعاد، لا يقتصر على المواجهة العسكرية المباشرة، بل يمتد إلى الفضاء الرقمي والبنية الداخلية للمجتمع الإسرائيلي.

وبحسب هذه الرواية الإسرائيلية، فإن القلق لا ينبع فقط من عمليات قرصنة أو محاولات جمع معلومات، بل من وجود اختراقات داخل مؤسسات حساسة، شملت – وفق ما يُتداول إعلاميًا – مكاتب مسؤولين سياسيين كبار، من بينهم مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، إضافة إلى أنباء عن اختراق هاتف رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت. هذه الاتهامات الإسرائيلية تُستخدم لتكريس صورة «التهديد الإيراني الشامل»، مع تجاهل السياق الأوسع للصراع والدور الإسرائيلي نفسه في إشعال حروب استخبارية مفتوحة في المنطقة.

اعتقالات وشبهات

تزعم الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنها كشفت، منذ مطلع 2024، نحو 35 قضية تجسس مرتبطة بإيران، شملت – وفق الرواية الرسمية – تجنيد مواطنين إسرائيليين عبر شبكات التواصل الاجتماعي أو عبر وسطاء أجانب. وتؤكد هذه الأجهزة أن بعض هذه القضايا تطورت إلى اعتقالات فعلية، جرى تسويقها إعلاميًا باعتبارها «إنجازات أمنية» في مواجهة ما تصفه بـ«الاختراق الإيراني».

ومن بين أبرز هذه القضايا، ما أُعلن عنه في سبتمبر 2024 حول اعتقال رجل أعمال يهودي في السبعينيات من عمره، عاش لسنوات طويلة في تركيا، وتقول الرواية الإسرائيلية إنه نُقل سرًا مرتين إلى إيران للقاء ضباط استخبارات. وتدّعي التقارير أن هذا الشخص كُلّف بجمع معلومات حساسة، بل والمشاركة في مخطط لاغتيال نتنياهو ووزير الأمن ورئيس الشاباك، وهي ادعاءات كبرى لم تُدعّم علنًا بأدلة مستقلة، لكنها استُخدمت لتصعيد الخطاب الأمني والإعلامي.

ملف المواطنين اليهود

في أكتوبر 2024، أعلنت السلطات الإسرائيلية عن اعتقال سبعة مواطنين إسرائيليين، جميعهم من اليهود، بزعم نقلهم معلومات عن عشرات المواقع، من بينها قواعد عسكرية حساسة، عبر قنوات اتصال مرتبطة بجهات روسية. وتقول الرواية الرسمية إن هؤلاء نفذوا «مئات المهام»، ويواجهون تهديدًا بعقوبات مشددة قد تصل إلى السجن المؤبد أو حتى الإعدام بتهمة «مساعدة العدو في زمن الحرب».

وتكشف هذه القضايا، بعيدًا عن الرواية الأمنية الجاهزة، حجم التناقض داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يتحول مواطنون يحملون الجنسية الإسرائيلية إلى متهمين بالخيانة، في ظل بيئة سياسية وأمنية مشحونة. كما تطرح تساؤلات جدية حول أسباب قابلية هذا المجتمع للاختراق، وحول ما إذا كانت هذه القضايا تعكس بالفعل «نجاحًا استخباريًا إيرانيًا»، أم فشلًا بنيويًا إسرائيليًا في إدارة أزماته الداخلية.

بينيت في دائرة الاستهداف

في ديسمبر 2025، عاد رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت إلى الواجهة، بعد الإعلان عن اعتقال مستوطن من مدينة ريشون لتسيون، بزعم تنفيذه مهام مراقبة لصالح الاستخبارات الإيرانية، شملت تصوير محيط منزل بينيت. ووفق التقارير الإسرائيلية، جرى تجنيد المشتبه به عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتلقى أموالًا بعملات رقمية مشفرة.

وخلال أقل من شهر، أُعلن عن اعتقال مشتبه ثانٍ بالتهم ذاتها، ما دفع الإعلام العبري للحديث عن «حملة مركزة» تستهدف بينيت. غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن بينيت شخصية سياسية ثانوية نسبيًا بعد خروجه من رئاسة الحكومة، ويطرح احتمال توظيف اسمه في سياق تضخيم التهديدات الأمنية، وتصفية حسابات سياسية داخلية.

حرب السايبر والقرصنة

بالتوازي مع الاعتقالات، تداول الإعلام الإسرائيلي أخبار وتقارير مكثفة عن نشاط مجموعات قرصنة إيرانية، أبرزها مجموعة تُدعى «حنظلة» (Handala)، اخترقت هاتف نفتالي بينيت، ونشرت «دليل جهات اتصال» من 141 صفحة، وأرسلت رسائل لبعض الأسماء تدعوهم للتعاون مع الاستخبارات الإيرانية.

كما أعلنت المجموعة نفسها اختراق هاتف تساحي برافرمان، مدير مكتب نتنياهو، ونشرت مواد قيل إنها تكشف علاقات مع قطر، ما فتح بابًا واسعًا للتكهنات السياسية والإعلامية. وبينما نفى بينيت اختراق هاتفه بالكامل، وأقر فقط بحدوث اختراق لحسابه على «تليجرام»، استُخدمت هذه الحادثة لتغذية خطاب التخويف من «الحرب السيبرانية الإيرانية»، دون تدقيق مستقل في صحة الادعاءات أو توقيتها السياسي.

تحول جوهري في الاستخبارات الإيرانية

بدوره، قال الباحث في الشأن العسكري والأمني د. رامي أبو زبيدة، إن ما نشهده اليوم ليس مجرد حوادث تجسس عابرة، بل هو تحول جوهري في العقيدة الاستخباراتية الإيرانية تجاه إسرائيل. في ظل التوتر العسكري المباشر، انتقلت طهران من "الضربات الخشنة" إلى ما يمكن تسميته بـ "الجراحة الدقيقة في العقل الإسرائيلي". 

رامي ابو زبيدة
الباحث في الشأن الأمني والعسكري د.رامي أبو زبيدة

 

وأوضح "أبو زبيدة"، أن إيران الآن باتت تتبع استراتيجية مزدوجة المسارات: مسار "القاعدة العريضة" (تجنيد المهمشين) ومسار "الرأس" (اختراق هواتف القيادة).

مسار "الجاسوس الشعبي".. استغلال التصدعات الاجتماعية

وأكد "أبو زبيدة" أن اعتقال أشخاص مثل "لكاتشاو دمساش" أو "فاديم كوبريانوف" يكشف عن "ثغرة وطنية" أخطر من الثغرات التقنية.

 وأشار الباحث الأمني والعسكري إلى ما يصفه بـ"تجنيد اليأس"، منوها ان إيران تدرك أن المجتمع الإسرائيلي يعاني من تصدعات طبقية وعرقية حادة. هي لا تبحث عن "جاسوس أيديولوجي" يؤمن بمبادئها، بل تبحث عن "جاسوس انتحاري اقتصادياً" يدفعه التهميش والفقر لبيع أمن دولته مقابل مبالغ زهيدة.
 
وأضاف: "من هنا تبدء تكتيك "المهام المتدرجة"، تبدأ المهام بتصوير شوارع أو شراء هواتف قديمة، وهي مهام تبدو "بريئة" تكتيكياً لكنها استراتيجياً تهدف لكسر حاجز الولاء وبناء "قاعدة بيانات بصرية" ميدانية تُكمل ما تجمعه الأقمار الصناعية".

مسار "اختراق النخبة".. التنصت على صناعة القرار

في المقابل، يرى "أبو زبيدة" أن اختراق هواتف شخصيات مثل نفتالي بينيت وتساحي برافيرمان (رئيس ديوان نتنياهو) يمثل ذروة النجاح الاستخباراتي.

 وشدد "أبو زبيدة" على ضرورة قراءة ما وراء الوثائق، فإيران لا تبحث عن وثائق رسمية (فهي مشفرة)، بل تبحث عن "ما لا يُكتب". هاتف برافيرمان هو "الصندوق الأسود" لمكتب نتنياهو؛ يحتوي على كواليس الصراعات السياسية، المواعيد السرية، والحالة النفسية لصناع القرار.

كما لفت إلى ما يسميه "رسالة الردع السيبراني" إذ أن اختراق رجل مثل بينيت هو إهانة مباشرة لمنظومة السايبر الإسرائيلية. ووفق "أبو زبيدة"، الرسالة هي: "إذا كان قادتكم وعقولكم التقنية مكشوفين، فمن المحمي؟".

الأبعاد الأمنية في ظل التحريض والتوتر

أمنياً، أكد "أبو زبيدة" أنه يمكن فهم هذه العمليات في السياق الحالي من خلال ثلاث نقاط، الأولى هي بناء "أحجية الاستخبارات" الصور التي يلتقطها "المهمشون" في الشوارع، مع البيانات المسربة من هواتف القيادة، تمنح طهران صورة بانورامية  للواقع الإسرائيلي؛ عسكرياً، سياسياً، واجتماعياً.
 
النقطة الثانية كما يراها الباحث الأمني العسكري، هي الحرب النفسية وتآكل الثقة، فنجاح هذه العمليات يزرع "البارانويا" داخل المؤسسة الأمنية. عندما يشك الوزير في هاتفه، ويشك الشاباك في كل مواطن "مهمش"، تتباطأ سرعة اتخاذ القرار وتغرق الدولة في دوامة من الرقابة الداخلية.

 كما أشار "أبو زبيدة" إلى ان النقطة الثالثة تتعلق بالرد غير المتماثل، فإيران ترد على التفوق الجوي الإسرائيلي بتفوق في "الحرب الهجينة". هي تخترق "الجدار الحديدي" ليس بصاروخ، بل برابط "واتساب" أو بمواطن يائس يحتاج لـ 2000 شيكل.

وختم "أبو زبيدة" تحليله بالقول إن "إسرائيل تواجه اليوم عدواً لم يعد يكتفي بمراقبة الحدود، بل أصبح يجلس في جيوب قادتها ويمشي في شوارعها الخلفية مستغلاً ثغراتها الاجتماعية. إن أكبر تهديد لأمن إسرائيل اليوم ليس البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل هو حالة الاغتراب التي تجعل مواطناً إسرائيلياً يقبل أن يكون عيناً للعدو مقابل ثمن بخس. الأمن القومي يبدأ من الداخل، ومن الواضح أن إيران وجدت طريقاً سهلاً عبر تصدعات المجتمع الإسرائيلي".

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال