لم تعد الأزمة الاقتصادية في العراق مجرد أرقام تُتداول في نشرات الأخبار، بل تحوّلت إلى واقع يومي يلمسه المواطن في سعر الخبز، وكلفة الدواء، وثمن الهاتف المحمول. ارتفاع سعر صرف الدولار، وتزايد الأعباء الضريبية والرسوم الحكومية، واعتماد شريحة واسعة من الشباب على الاستيراد والعمل بمشاريع خاصة، عوامل متشابكة عمّقت الضغوط المعيشية، ووضعت السوق المحلية أمام اختبارات صعبة.
الدولار… عامل ضغط دائم
يعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاته الأساسية، ما يجعل سعر صرف الدولار عنصرًا حاسمًا في تحديد أسعار السلع والخدمات. أي ارتفاع في سعر الصرف ينعكس فورًا على الأسواق، بغض النظر عن ثبات الأسعار عالميًا.
وفي ظل رواتب شبه ثابتة، يجد المواطن نفسه أمام معادلة غير متوازنة: دخل محدود مقابل تكاليف معيشة متصاعدة.
ولا يقتصر الأثر على الغلاء فحسب، بل يمتد إلى غياب الاستقرار السعري، ما يربك التخطيط المالي للأسر، ويجعل أي توقع للمستقبل القريب محفوفًا بالقلق.
ضرائب ورسوم… عبء بلا مقابل ملموس
بالتوازي مع تقلبات الدولار، شهدت الفترة الأخيرة توسعًا في فرض الضرائب والرسوم الحكومية، سواء على الخدمات أو المعاملات أو عبر الجمارك. ورغم أن الضرائب تُعد أداة طبيعية في أي نظام اقتصادي، إلا أن مواطنين ومختصين يرون أن المشكلة تكمن في تحميل العبء لفئات محدودة الدخل دون أن يقابله تحسن واضح في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والصحة والتعليم.
هذا الواقع عزز شعورًا عامًا بأن الضرائب باتت وسيلة لسد العجز، أكثر من كونها أداة إصلاح، ما زاد من حالة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي.
الشباب والعمل الحر… خيار اضطراري
أمام محدودية فرص التوظيف الحكومي وضعف استيعاب القطاع الخاص، اتجه عدد كبير من الشباب إلى العمل الحر والمشاريع الصغيرة. وكان الاستيراد من الصين أحد أبرز الخيارات، نظرًا لانخفاض الكلفة وتنوع السلع وسهولة الوصول عبر المنصات الرقمية.
في بداياتها، بدت هذه المشاريع وكأنها متنفس اقتصادي، لكنها سرعان ما اصطدمت بواقع تقلبات الدولار وارتفاع كلف الشحن والرسوم الجمركية، ما قلّص هوامش الربح ورفع مستوى المخاطر.
حيث يشكو أصحاب المشاريع الناشئة من أن مشاريعهم تُعامل، في كثير من الأحيان، بذات المتطلبات المفروضة على الشركات الكبرى، من حيث الضرائب والرسوم والإجراءات القانونية. ويؤدي ذلك إلى إغلاق مشاريع، أو انتقالها إلى العمل غير الرسمي، أو التفكير بالهجرة الاقتصادية، في ظل غياب حوافز حقيقية تشجع على الاستمرار.
الأدوية… حين يصبح العلاج عبئًا
يُعد قطاع الأدوية من أكثر القطاعات تأثرًا بارتفاع سعر صرف الدولار، لاعتماد العراق شبه الكامل على الاستيراد. ومع كل ارتفاع في سعر الصرف، ترتفع كلفة الأدوية والمستلزمات الطبية، خصوصًا أدوية الأمراض المزمنة.
صيادلة ومواطنون يؤكدون أن بعض المرضى باتوا يلجأون إلى تقليل الجرعات أو البحث عن بدائل أقل كفاءة بسبب ارتفاع الأسعار، ما ينذر بتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة صحية، في ظل ضعف الرقابة على الأسعار وغياب دعم مستقر للدواء الأساسي وضعف القطاع الصحي الحكومي لتوفير العلاج اللازم بأسعار مناسبة
المواد الغذائية المستوردة… المائدة أولًا
تشكل المنتجات الغذائية المستوردة الجزء الأكبر من سلة الغذاء العراقية. ومع ارتفاع الدولار، ترتفع أسعار الزيوت والحبوب والمعلبات ومنتجات الألبان، ما يدفع الأسر إلى تقليص استهلاكها أو استبدال بعض المواد بأخرى أقل جودة.
مختصون في الشأن الغذائي يحذرون من أن هذا التغيير لا يؤثر فقط على الميزانية المنزلية، بل ينعكس على الأمن الغذائي ونوعية التغذية وقد يلجأ البعض إلى الغش في المنتجات مما سيسبب ازمة فساد كبرى قد تؤدي إلى حتى نهاية صلاحية المنتجات والتلاعب بها لمسايرة الوضع العام .
الموبايلات والأجهزة الذكية… أدوات حياة لا كماليات
لم تعد الهواتف الذكية سلعة كمالية، بل أداة أساسية للعمل والتعليم وإدارة المشاريع الصغيرة. ومع ذلك، فإن أسعار الموبايلات تُعد من أكثر السلع حساسية لتقلبات الدولار والرسوم الجمركية.
تجار يشيرون إلى أن ضعف القدرة الشرائية دفع المستهلكين إلى شراء أجهزة مستعملة، أو اللجوء إلى التقسيط طويل الأمد، أو تأجيل الشراء، ما أثر على حركة السوق وقطاع يعتمد عليه آلاف العاملين.
حيث زاد سعر الموبايل ب ٤٠٠$ عن السعر السابق بسبب زيادة الضرائب مما سبب صدمة للتجار والمواطن كونه اعتاد على التعامل بأسعار معينة وان العوائل تحتاج اكثر من جهاز كونه أساسي في التعليم.
تراكم هذه الضغوط الاقتصادية انعكس بشكل مباشر على الاستقرار النفسي والاجتماعي. يسود القلق من المستقبل، ويتراجع الإقبال على المبادرة والاستثمار، وتتآكل الطبقة المتوسطة التي تُعد ركيزة الاستقرار في أي مجتمع.
هذا الواقع خلق ما يصفه مختصون بـ”اقتصاد القلق”، حيث يصبح التفكير الأساسي للمواطن هو كيفية تجاوز الشهر، لا بناء مستقبل مستقر.
مطالب بحلول عملية
يرى نشطاء ونواب أن معالجة هذه الأزمة تتطلب رؤية اقتصادية متكاملة، تشمل استقرارًا نقديًا يحد من تقلبات الدولار وكذلك نظامًا ضريبيًا عادلًا يراعي دخل المواطن وحجم المشاريع كما انه يجب دعم المشاريع الصغيرة والناشئة التي تعتمد على الاستيراد وتوفير الأدوية الأساسية وتثبيت أسعارها في القطاع الصحي
كما يجب مراجعة الرسوم على المواد الغذائية والأجهزة الذكية وتحفيز الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الاستيراد ،فالمواطن العراقي وجد نفسه محاصرًا بضغوط متداخلة تمس صحته وغذاءه وأدوات عمله اليومية. ومع غياب حلول ملموسة، تبقى الحاجة ملحّة لسياسات اقتصادية توازن بين متطلبات الإصلاح وحماية كرامة المواطن واستقرار السوق.










