منذ أيام وأنا أتابع الأحداث والتجاذبات المتتالية بين المملكة العربية السعودية وبين دولة الإمارات العربية المتحدة، وحقيقة لا أتمنى الشر لأحد منهما، فأنا ابن السعودية مولداً وابن الإمارات نشأة وبلوغاً.
وكم يحزنني كغيري أن تختلف بلادنا العربية والإسلامية وأن تصل لهذه الدرجة من الخلاف وأن يظهر للعلن وللعامة، فيأتي من لا يفقه في الاختلافات والاتفاقات ويدلي بدلوه من أجل مصلحة معيّنة أو نصرة ضيّقة، كما أن الانتصار لأحد دون أحد، أو لبلد دون بلد هو انتصار للهلامية الفكرية، فإن البيت الخليجي واحد، وينبغي أن يبقى واحداً دون فرقة أو تشتت.
ودائماً ما كنت أكرر أن الفرق بين السعودية في ثوبها الجديد وبين غيرها من الدول والبلاد والمناطق المختلفة أن لديها ولي عهد متميّز عن غيره، فهو ابن السعودية تعليماً ونشأة، درس في مدارسها وجامعاتها ولم يتلقَ تعليمه في الخارج، كما أنه صاحب التغيير الحديث في المملكة وصاحب فكرة السعودية العظمى ورؤية السعودية 2030.
الفرق يكمن حقيقة أن المملكة العربية السعودية بثقلها وحجمها وشعبها وقوتها وإدارتها وأميرها ومليكها قادرة على تطويع الصعب وتوجيه الدفّة ناحية اليمين أو اليسار، وما كان للتحالف العربي أو غيره أن يكون أو يقوم من غير المملكة، وما كانت لكثير من الأحداث في منطقتنا أن تكون إلا بموافقة المملكة، وكثير من المشاريع عُطّلت أو انتهت في المنطقة لأن الموافقة والرضا لم تأتِ من المملكة.
كما أن التعامل مع المملكة العربية السعودية يجب أن يكون بقدر قوتها ووجودها وموقفها وتتابع أحداثها، فهي حاضرة في اليمن على مرّ العصور، وحاضرة في البحرين على مرّ التاريخ، وحاضرة في أفريقيا وأوروبا وغيرها، ومن يتعامل مع المملكة بمنطق الندّية والمنافسة لا يخسر كثيراً وإنما يخسر كل شيء حقيقة وواقعاً، وقدرها أن تكون قادرة وقاطرة، فهي قادرة على تطويع الصعاب في المنطقة، وقاطرة الأمل والخير لمن يستغيث بها.
والحقيقة أن الكثير من اللاعبين في المنطقة يعلمون علم اليقين أن التغيير في شيء معيّن يجب أن يكون برضا الرياض، وبموافقة المملكة، فلا يُمكن تعدّي هذه الخطوط الحمراء التي كانت قديمة بقدم التاريخ، وواضحة كوضوح الشمس في كبد السماء، فإن المنتهى والمآل في الرياض، كما أن الطريق والهدف لا يمرّ إلا عبر الرياض وببصمة الرياض.
كما أن الخلافات والتقاطعات بشأن أمر ما وارد وطبيعي في أغلب الحالات ومعظمها، فالتحالف لا يكون على مرّ العصور والاختلاف لا يُصبح أصلاً في التعامل، لكن إدراك وتمييز القوي عن غيره، والحليف العضيد عما سواه أمر لا مفرّ منه عند الدول الكبيرة والحكومات الرشيدة، وكلّي ثقة ويقين أنها زوبعة لن تستمر ولن ينال من عظيم مكانة المملكة في قلوب المسلمين أحدٌ مهما كان، كما لن تتخلى الإمارات عن دورها الرائد في تعزيز هذه المكانة وهذا البنيان، فالجميع يُدرك أن قوّة الرياض هي السند المتين لطموح أبوظبي.
وبنفس الوقت فإن الدبلوماسية الإماراتية ليست دبلوماسية عابرة أو آراء متفرقة، لكنها دبلوماسية متطورة وذكيّة وتستغل الأحداث والفرص بشكل حقيقي وموضوعي، ووجودها في أغلب المناطق والبلاد دليل على هذا النجاح وهذا التفوق، والحضور الدبلوماسي الإماراتي جعلها رقماً صعباً بين غيرها من البلاد والدول، لكن قدر الخليج كافّة أن يفهموا قواعد اللعبة الحقيقية وأن يدركوا أن مربط القرار وأصله في الرياض، وأن ثقل الخليج العربي بالتوحد والتعاضد مع الرياض أولاً، ثم مع بقيّة العواصم والبلاد ثانياً.
حفظ الله بلادنا، وحفظ الله العرب.








