21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

سارة جاسم تكتب: سياحة العراق في مواجهة "ازدواجية السلوك الشبابي"

سارة جاسم تكتب: سياحة العراق في مواجهة "ازدواجية السلوك الشبابي"

بقلم: سارة جاسم
٩ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
21 مشاهدة
سياحة العراق

سياحة العراق

بعد عقود من العزلة، استعاد العراق مكانته على خارطة السياحة العالمية. وبينما يتحدث السواح عن دفء الاستقبال، بدأت تظهر على السطح سلوكيات سلبية تُعكر صفو هذه التجربة. إنها معركة وعي تدور في الشارع العراقي، طرفاها فئات شبابية تعكس صورة مشوهة، وأخرى تقود حملة لتصحيح المسار.
 
عدسة السائح: المرآة التي لا تجامل


انتشرت منذ يومين على منصات التواصل الاجتماعي ريلزات لسواح من الجوالة (Vloggers) الأجانب عند زيارتهم العراق خلال الشهر الماضي . هؤلاء الرحالة الذين يجوبون العالم بعدساتهم، نقلوا للعالم جمال بعض المدن والآثار العراقية مثل شارع المتنبي وسحر أسواق بغداد القديمة. لكنهم في الوقت نفسه، وثقوا جانباً مظلماً يتمثل في مضايقات وتحرشات تضع سمعة البلد على المحك.

 


في السابق، كان السائح الذي يتعرض لموقف مزعج ينقل تجربته شفهياً لأصدقائه. أما اليوم، فالموقف يُبث "لايف" أو يُنشر في "فلوق" يشاهده الملايين.
 التوثيق اصبح بالصوت والصورة: عندما يلاحق مجموعة من الشباب سائحة أجنبية، أو يحاصرون سائحاً لفرض "سيلفي" قسري، فإن الكاميرا تسجل ملامح الضيق والخوف والارتباك على وجه السائح.
 
هذه المقاطع تتحول إلى "كتالوج" يراجعه أي مسافر ينوي زيارة العراق. فبدلاً من أن يبحث عن "أجمل مناطق بغداد"، قد يظهر له فيديو بعنوان "تعرضت للمضايقة في العراق"، مما يشكل حاجزاً نفسياً يمنع المئات من القدوم.
 
 المتحرش خلف قناع المزاح


ظهرت مقاطع فيديو لبعض الشباب في الشوارع يتكلمون بعض الكلمات بذيئة أو إيحاءات باللغة المحلية وبعضهم تحرش بمرافقته الأجنبية و يظن الشاب أن السائح لا يفهمها، لكن لغة الجسد وسياق الفيديو والترجمة فضحه أمام العالم.


وعلى الضفة الأخرى، أفرزت هذه الحوادث الموثقة رد فعل قوياً من فئة شبابية أخرى تدرك قيمة "صورة البلد"


حيث تجد آلاف التعليقات من شباب عراقيين تحت فيديوهات السواح، يعتذرون فيها عن التصرفات الفردية و يوضحون أنها لا تمثل قيم المجتمع.
 
الكاميرا لا تكذب 


إن "الفلوكر" الأجنبي هو أقوى وسيلة ترويج للعراق، لكن عدسته تعمل كالمشرط؛ فهي تظهر الجمال وتكشف العيوب. إن ما يوثقه هؤلاء السواح اليوم سيبقى مخزوناً في ذاكرة الإنترنت للأبد.


المعركة اليوم ليست مع السائح، بل هي معركة داخلية لتوعية تلك الفئات الشبابية بأن كرامة العراق تُحفظ باحترام الضيف، وأن "الغيرة العراقية" تعني حماية خصوصية السائح ومنحه مساحته الكافية، وليس ملاحقته بهواتفنا وتحويل رحلته إلى تجربة من الإزعاج والقلق والتحرش بمن يرافقه من النساء  .
يرى بعض المختصين الاجتماعيين أن هذه السلوكيات السلبية ناتجة عن "صدمة الانفتاح"؛ فبعد سنوات من الانغلاق، أصبح رؤية الأجنبي حدثاً غريباً لدى البعض. أضف إلى ذلك غياب الثقافة السياحية في المناهج التعليمية، وضعف الرقابة الأمنية في بعض المناطق السياحية التي تمنع التحرش والمضايقات.
 
الرادع القانوني: ما الذي يقوله المشرّع العراقي؟


​بعيداً عن العرف الاجتماعي، وضع القانون العراقي ضوابط صارمة لحماية الأفراد (سواء كانوا مواطنين أو أجانب) من المضايقات والتحرش. إن الجهل بالقانون لا يعفي من العقوبة .


_​عقوبة التحرش: نصت المادة (402) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على معاقبة من تعرض لغيره في محل عام بالقول أو الفعل أو الإشارة على وجه يخدش الحياء، بالحبس أو الغرامة. وتشدد العقوبة في حال تكرار الفعل.


_انتهاك حرمة الحياة الخاصة (المادة 438):


كثير من الشباب يلاحقون السواح بكاميرات الهواتف ونشرها على "تيك توك" دون إذن، وهنا تنص المادة 438 ​"يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين: من نشر بإحدى طرق العلانية أخباراً أو صوراً أو تعليقات تتصل بأسرار الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد، ولو كانت صحيحة، إذا كان من شأن نشرها الإساءة إليهم."


_التهديد أو التخويف (المادة 430 و431):


في حال تحول التجمهر حول السائح إلى نوع من الترهيب أو منعه من المسير أو إكراهه على فعل شيء (مثل التصوير رغماً عنه)، فإن ذلك قد يدخل في باب التهديد ومنع حرية الأشخاص، وهي جرائم يعاقب عليها القانون بالحبس.
 
السياحة مسؤولية تضامنية 


إن الحفاظ على سمعة العراق السياحية ليس مهمة وزارة الثقافة والسياحة والآثار وحدها، بل هو عقد اجتماعي يبدأ من وعي الشاب العراقي في الشارع.

إن "الغيرة العراقية" التي نعتز بها يجب أن تترجم اليوم إلى احترام خصوصية الضيف وحمايته من الإزعاج، تماماً كما نحميه من الخطر.


العراق لا يملك آثاراً فقط، بل يملك "إنساناً" هو أغلى ما لديه فإما أن يكون هذا الإنسان جسراً يعبر من خلاله العالم نحو تاريخنا، أو جداراً يصد الناس عن زيارتنا.


فالمشكلة اليوم لم تعد محصورة في "موقف عابر" ينتهي بانتهاء اللحظة، بل أصبحت موثقة رقمياً ومتاحة لملايين المشاهدين حول العالم. السائح اليوم ليس مجرد عابر سبيل، بل هو "قناة إعلامية متنقلة".

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

⚠️ هذا المقال يعبر فقط عن رأي الكاتب ولا يعبر عن رأي فريق التحرير