21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: لا دولة بريئة ولا حرب بلا حدود

تحت غطاء "مكافحة المخدرات": النفوذ المتنوعة على النفط، جعلنا في عالم الغاب،

بقلم: د. إبراهيم جلال فضلون
١١ يناير ٢٠٢٦
5 دقائق قراءة
18 مشاهدة
ترامب

ترامب

تحت غطاء "مكافحة المخدرات": النفوذ المتنوعة على النفط، جعلنا في عالم الغاب، "حين تُرفع القبضة فوق القانون، يصبح العالم ساحة مفتوحة، لا دولة فيه بريئة ولا حرب له سقف"، عبارة أثبتت ما نحن عليه في تلك المرحلة الدولية الراهنة، حيث لم تعد السياسة تُدار بالاتفاقات، بل بالإنذارات، ولم تعد القوة أداة أخيرة، بل خياراً أولياً، وما شهدته البشرية خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، يبرهن أن النظام الدولي لم ينهَر فجأة، بل جرى استنزافه تدريجياً تحت شعار الهيمنة، وبمنطق يشبه ما وصفه توماس هوبز قبل قرون حين قال: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان عندما تغيب السلطة الرادعة"، ليرتجف حلف الناتو؟ فمن يربح؟ ومن يخسر؟ وما هي التحديات التي تواجه الشرق الأوسط في عهد تجاري سلطوي؟ .

في عهد ترامب، لم تعد الولايات المتحدة تُخفي نزعتها السلطوية في إدارة العالم. بل عبّر عنها الرئيس الأميركي السابق صراحة حين قال: "القوة هي ما يجعل الآخرين يحترمونك". هذه العبارة لم تكن شعاراً سياسياً، بل عقيدة حكم انعكست مباشرة في عدد الغارات، ونطاق العقوبات، وحجم التدخلات. فخلال أربع سنوات فقط، نفذت واشنطن أكثر من 85 ألف غارة جوية في خمس ساحات رئيسية، وهو رقم يفوق ما نفذته بعض الإمبراطوريات خلال عقود. الحرب لم تعد استثناءً، بل روتيناً... ليواصل الرئيس الأمريكي الشعبوى دونالد ترامب التصعيد، حيث هدد بتغير إدارته للفتن، فوجه أنظاره إلى غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك ووتوجيه العصى لكوبا والمكسيك، مما تأثر بشدة في العواصم الأوروبية.

 

في أفغانستان، حيث قال هنري كيسنجر يوماً: "القوة من دون استراتيجية تتحول إلى عبء"، ألقت الولايات المتحدة عام 2019 وحده أكثر من 7400 قنبلة، في وقت كانت فيه تتفاوض على الانسحاب. المفارقة أن واشنطن أنفقت أكثر من 2.3 تريليون دولار على هذه الحرب منذ 2001، بينها 88 مليار دولار لبناء جيش انهار خلال أيام في 2021، تاركاً بلداً مدمراً وأكثر من 100 ألف قتيل مدني، وعودة كاملة لطالبان.

 

أما في الشرق الأوسط، فقد جسّدت سياسة "الضربة الاستباقية" جوهر العقل الترمبي. اغتيال قاسم سليماني عام 2020 كان، وفق تعبير الفيلسوف ريمون آرون، مثالاً على "السياسة حين تتحول إلى مقامرة بالقوة". القرار رفع منسوب التوتر الإقليمي إلى حافة الحرب الشاملة، وأدى خلال أسابيع إلى ارتفاع كلفة التأمين البحري والنفطي بأكثر من 25 في المئة، وأدخل نحو 70 مليون إنسان في دائرة الخطر المباشر.

 

في اليمن، حيث قال نيلسون مانديلا: "الحرب تدمّر ما لا تستطيع إعادة بنائه"، استمرت المأساة بدعم سياسي وعسكري أميركي غير مباشر. حتى مطلع 2026، تجاوز عدد الضحايا المباشرين وغير المباشرين 377 ألف شخص، فيما يعتمد أكثر من 80 في المئة من السكان على المساعدات. هنا لم تكن أميركا طرفاً مباشراً في القتال، لكنها كانت طرفاً رئيسياً في إطالة أمد الحرب.

فنزويلا تقدم نموذجاً آخر للحرب بلا مدافع. ونستون تشرشل قال يوماً: "الحصار قد يكون أكثر فتكاً من القصف". العقوبات الأميركية، التي تصاعدت في عهد ترامب، حرمت فنزويلا من أكثر من 200 مليار دولار من عائداتها النفطية بين 2017 و2023، وأدت إلى انهيار الناتج المحلي بأكثر من 75 في المئة، وهجرة 7.7 ملايين مواطن. لم تسقط الدولة، لكن المجتمع تآكل، وهو ما جعل الأزمة واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية المصنوعة سياسياً في العصر الحديث.

 

اللافت أن هذا النهج لم يُنهِ الصراعات، بل فتح الباب أمام صراعات أكبر. الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفته واشنطن ساهم في اندلاع الحرب الروسية – الأوكرانية، التي كلّفت الاقتصاد العالمي أكثر من 3 تريليونات دولار، ودفعت الإنفاق العسكري العالمي إلى مستوى تاريخي تجاوز 2.4 تريليون دولار سنوياً بحلول 2025. وكما قال ألبرت آينشتاين: "لا أعرف بأي سلاح ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة".

 

جدول يوضح الأثر الرقمي للسياسات الأميركية (حتى 4 يناير 2026)

المجال

الرقم

الدلالة السياسية

عدد الغارات الأميركية (2017–2020)

+85,000  غارة

تطبيع الحرب كأداة حكم

كلفة الحروب الأميركية منذ 2001

+ 8 تريليونات دولار

استنزاف داخلي وعالمي

قتلى أفغانستان المدنيون

أكثر من +100,000

فشل بناء الدولة

خسائر الاقتصاد الفنزويلي

%75  من الناتج

العقوبات كسلاح حرب

عدد المهاجرين الفنزويليين

7.7 ملايين

انهيار اجتماعي

ضحايا حرب اليمن

+ 377,000

حرب بلا أفق

الإنفاق العسكري العالمي 2025

2.4  تريليون دولار

عالم يتجه للتسلح

عدد النزاعات المسلحة عالمياً

 56 نزاعاً

نهاية وهم الاستقرار

 

وقفة: أن الولايات المتحدة، وخصوصاً في عهد ترامب، لم تكن مجرد لاعب قوي، بل لاعباً كسر القواعد، وشرعن منطق "القوة فوق القانون". وكما قال شارل ديغول: "القوة التي لا يضبطها العقل تتحول إلى لعنة على صاحبها". اليوم، العالم أكثر توتراً، أكثر تسلحاً، وأقل ثقة بأي نظام دولي.

 

"الحرب، كما قال الجنرال ماك آرثر، لا نهاية لها إلا حين يعترف الجميع أن لا أحد يربح". لكن حتى الآن، لا يبدو أن القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مستعدة للاعتراف بذلك. وفي عالم تُدار فيه السياسة بمنطق الغابة، فإن السؤال لم يعد: من الأقوى؟ بل: من سيكون الضحية التالية؟.

الكلمات المفتاحية:#حرب#النفط#مكافحة المخدرات

د. إبراهيم جلال فضلون

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

د. إبراهيم جلال فضلون يكتب: لا دولة بريئة ولا حرب بلا حدود - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°