21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لبنان 2025: بلد بلا انهيار كامل… وبلا تعافٍ ممكن

دخل لبنان عام 2025 في مساحة رمادية لا تعكس تعافيًا فعليًا ولا انهيارًا كاملًا، بل حالة إدارة دائمة للأزمة. فقد تراجع الانهيار السريع من دون أن تُعالج جذور الأزمة المالية، فيما استقر الوضع النقدي بشكل هشّ، مدعومًا بالدولرة ونشاط اقتصادي محدود يفتقر إلى الإنتاجية والاستدامة.

بقلم: سماح عثمان
١١ يناير ٢٠٢٦
18 دقائق قراءة
28 مشاهدة
لبنان 2025: بلد بلا انهيار كامل… وبلا تعافٍ ممكن

لبنان 2025: بلد بلا انهيار كامل… وبلا تعافٍ ممكن

دخل لبنان عام 2026 في مساحة رمادية لا تعكس تعافيًا فعليًا ولا انهيارًا كاملًا، بل حالة إدارة دائمة للأزمة. فقد تراجع الانهيار السريع من دون أن تُعالج جذور الأزمة المالية، فيما استقر الوضع النقدي بشكل هشّ، مدعومًا بالدولرة ونشاط اقتصادي محدود يفتقر إلى الإنتاجية والاستدامة.

في هذا المشهد، يعيش المجتمع اللبناني حالة تكيّف قسري مع الانكماش والهجرة والنجاة الفردية، ما يجعل 2025 عامًا لتأجيل الانفجار أكثر منه عام تعافٍ حقيقي، في بلد لا يسقط بالكامل ولا ينهض فعليًا.

سياسيًا، تتحرك الدولة تحت ضغط التمويل الخارجي لا ضمن رؤية سيادية متكاملة، بينما تُدار الإصلاحات كاستجابة اضطرارية أكثر منها مشروعًا وطنيًا. أمنيًا، يبقى الجنوب مفتوحًا على احتمالات التصعيد الإسرائيلي في سياق حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023، بالتوازي مع ضغوط أمريكية متزايدة تربط الاستقرار والدعم المالي بملفات سيادية حساسة، أبرزها سلاح حزب الله..

اقتصاد مأزوم وودائع محتجزة: لبنان في 2025 بين الانهيار المؤجَّل والتصعيد الإقليمي

دخل لبنان عام 2025 مثقلًا بإرث الانهيار المالي المستمر منذ 2019، من دون أي اختراق إصلاحي فعلي. وبحسب البنك الدولي، بقي ضمن فئة “الاقتصادات المنكمشة بشدة”، مع غياب النمو الحقيقي والاعتماد على التحويلات الخارجية والدولرة كآليات بقاء لا كحلول بنيوية مستدامة.

عام اللاقرار: كيف يعيش لبنان على حافة كل الاحتمالات؟

وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، ظلّ الناتج المحلي الإجمالي قريبًا من الصفر، في حالة “استقرار سلبي” لا انهيار شامل ولا تعافٍ فعلي. هذا الجمود تأثر بعوامل داخلية بنيوية، وبالبيئة الإقليمية المتوترة، ولا سيما تداعيات حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة المستمرة منذ أكتوبر 2023، والتي انعكست سلبًا على التجارة والسياحة والاستثمارات في لبنان.

الليرة والتضخم

واصلت الليرة اللبنانية مسارها الهش، مع استقرار شكلي عند مستويات متدنية بفعل الدولرة الواسعة، لا نتيجة سياسات نقدية فعالة. ووفق إدارة الإحصاء المركزي، بقي التضخم مرتفعًا، خاصة في أسعار الغذاء والخدمات الأساسية، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية وتعميق الفجوة الاجتماعية، رغم تراجع حدّته مقارنة بالسنوات الأولى للأزمة.

قطاع مصرفي مشلول

بقي القطاع المصرفي شبه معطّل في 2025، من دون إعادة هيكلة حقيقية أو توزيع عادل للخسائر. وبحسب تقارير صحفية لبنانية، انحصرت أنشطة المصارف في خدمات محدودة، مع توقف شبه كامل للائتمان، ما خنق أي فرصة لانتعاش القطاعات الإنتاجية.

فقر وهجرة

اجتماعيًا، استمرت البطالة عند مستويات مرتفعة، خصوصًا بين الشباب. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 70% من اللبنانيين باتوا تحت خط الفقر متعدد الأبعاد، فيما تحوّل الاقتصاد إلى عامل طرد للقوى العاملة، مهددًا بخسارة طويلة الأمد لرأس المال البشري.

مالية عامة هشة

استمر العجز البنيوي في المالية العامة، مع اعتماد متزايد على الرسوم والجباية غير المباشرة بدل الإصلاح الضريبي العادل. ورغم تحسن نسبي في الإيرادات نتيجة تسعير الرسوم بالدولار، بقي الإنفاق الاجتماعي محدودًا، وبحسب وزارة المالية اللبنانية ظلت الدولة تدير الأزمة بدل معالجتها.

أزمة المودعين: قلب الانهيار

جذور وخسائر

تعود أزمة الودائع إلى سياسات الاستدانة والهندسات المالية وربط الاقتصاد بالقطاع المصرفي. وبحسب البنك الدولي، استُخدمت الودائع لتمويل عجز الدولة بدل الاستثمار الإنتاجي. ومع الانهيار أواخر 2019، فُرضت قيود غير قانونية على السحوبات، بينما تمكّن نافذون من تحويل أموالهم إلى الخارج.

حتى 2025، غابت المحاسبة، وتعرّضت الودائع لاقتطاع غير معلن عبر تعدد أسعار الصرف، ما أفقدها أكثر من 80% من قيمتها الحقيقية وفق دراسات محلية، وأدّى إلى تدمير واسع للطبقة الوسطى. كما فشل مجلس النواب في إقرار قانون عصري لضبط رأس المال، ما أضعف موقع المودعين.

أشار أحدث تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد اللبناني قد يسجّل نموًا حقيقيًا بنسبة 4.7% خلال عام 2025، مدفوعًا بتقدّم نسبي في مسار الإصلاحات الحكومية، وانتعاش قطاعي السياحة والاستهلاك، رغم بقاء تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات الخاصة عند مستويات متواضعة. غير أن التقرير حذّر من أن هذا التحسّن يظل هشًا، في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتعقّد الأزمة المالية التي لم تُحل جذريًا حتى الآن.

إرث الانكماش

بحسب نسخة ربيع 2025 من تقرير «مرصد لبنان الاقتصادي» الصادر تحت عنوان «هل يمكن قلب الموازين؟»، جرى تعديل تقديرات انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لعام 2024 إلى 7.1% بدلًا من 5.7%، ما يرفع حجم التراجع التراكمي منذ عام 2019 إلى نحو 40%. ويعكس هذا الرقم عمق الأزمة الاقتصادية الممتدة، رغم مؤشرات التحسّن المحدودة المتوقعة في 2025.

تضخم تحت السيطرة المشروطة

توقّع التقرير أن ينخفض معدل التضخم إلى نحو 15.2% في عام 2025، شريطة استمرار استقرار سعر الصرف وتراجع التضخم العالمي. إلا أن هذا الانخفاض لا يُخفي استمرار العوامل المحلية الضاغطة، المرتبطة بضعف البنية الاقتصادية واعتماد واسع على الدولرة، ما يجعل التضخم مرشحًا للبقاء أعلى من المتوسطات العالمية.

مالية عامة مأزومة

رأى البنك الدولي أن تحسين تحصيل الإيرادات والسعي إلى إقرار ميزانية متوازنة قد يفتحان هامشًا ضيقًا لزيادة الإنفاق على الخدمات الأساسية. ومع ذلك، تبقى الضغوط المالية مرتفعة، ما يفرض الحاجة إلى إصلاحات هيكلية أوسع لضمان استدامة المالية العامة وعدم الاكتفاء بإجراءات ظرفية.

فرصة سياسية محفوفة بالمخاطر

قال جان كريستوف كاريه، مدير قسم الشرق الأوسط في البنك الدولي، إن التطورات السياسية الأخيرة منحت لبنان زخمًا جديدًا وفرصة لمعالجة جذور الأزمات المالية والاقتصادية والمؤسسية المتداخلة. لكنه شدّد على أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار تعافٍ مستدام يتطلب إعطاء الأولوية لإجراءات عملية ذات أثر واضح، بدل الاكتفاء بالوعود.

بين واشنطن وتل أبيب: لبنان 2025 على طاولة الشروط

حلّل التقرير انعكاسات تصاعد عدم اليقين في التجارة العالمية على لبنان، معتبرًا أن التأثير المباشر محدود، إذ لا تتجاوز الصادرات اللبنانية إلى الأسواق الرئيسية 4% من إجمالي الصادرات السلعية. لكن المخاطر غير المباشرة تبقى قائمة، خصوصًا عبر قنوات الاستثمار والتضخم والنشاط الاقتصادي العالمي.

 

لبنان..تغيير سياسي بلا اختراق

شهد عام 2025 انتخاب جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف نواف سلام تشكيل الحكومة، مع وعود بحماية الودائع. غير أن التركيبة الحكومية، التي ضمّت شخصيات مرتبطة بالقطاع المصرفي، أثارت شكوكًا حول تضارب المصالح، تعزّزت مع تعيين كريم سعيد حاكمًا لمصرف لبنان.

أُقر تعديل قانون السرية المصرفية في أبريل 2025 استجابة لشروط صندوق النقد الدولي، لكن غياب المراسيم التطبيقية جعله بلا أثر عملي. كما أُقر قانون إصلاح المصارف، وسط انتقادات لتكريس نفوذ مصرف لبنان، في حين طُرحت مقاربات لردم فجوة مالية تُقدَّر بنحو 83 مليار دولار، حُمّل فيها المودعون العبء الأكبر.

 

لبنان جنوب ملتهب وضغوط أمريكية

منذ حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023 بدعم أمريكي مباشر، تصاعدت الاعتداءات الإسرائيلية جنوب لبنان، في محاولة لربط الجبهة اللبنانية بالحرب وتوسيع الضغط الإقليمي. وفي موازاة التصعيد العسكري، مارست أمريكا ضغوطًا سياسية وأمنية على لبنان، رابطـة أي دعم أو مساعدات بترتيبات تضمن أمن إسرائيل.

في هذا السياق، عاد طرح نزع سلاح حزب الله كشرط غير معلن لخفض التصعيد، ويُقدَّم دوليًا كمدخل للاستقرار، فيما ترى قوى لبنانية واسعة أنه ابتزاز سياسي يهدف إلى تجريد لبنان من عنصر ردع أساسي، مع تجاهل الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة.

بين نزع السلاح وشبح الحرب: لبنان أمام اختبار التصعيد الإسرائيلي

سياق متفجّر

يعود ملف نزع سلاح حزب الله إلى الواجهة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة منذ أكتوبر 2023، وما رافقها من توسيع متدرّج لدائرة الاشتباك على الحدود الجنوبية للبنان. في هذا السياق، لم يعد الحديث عن السلاح مسألة داخلية لبنانية فحسب، بل تحوّل إلى عنصر ضاغط في معادلة إقليمية تقودها إسرائيل بدعم أمريكي مباشر.

وتتعامل تل أبيب مع الجبهة اللبنانية بوصفها امتدادًا مكمّلًا لحربها على غزة، مستخدمة التصعيد العسكري والتهديدات السياسية لإعادة رسم قواعد الاشتباك. ووفق تقارير إعلامية غربية، تسعى إسرائيل إلى استثمار اللحظة الراهنة لفرض شروط أمنية جديدة، تتقدّمها مسألة سلاح حزب الله.

اقرأ أيضا: د. ليون سيوفي يكتب: لُبنانُ 2026 بينَ حَربٍ تُحضَّر… ودَولةٍ تُترَكُ لِلانفِجار

السلاح كذريعة

تُقدّم إسرائيل، بدعم أمريكي واضح، سلاح حزب الله على أنه التهديد الرئيسي لأمنها، وتربط بين أي تهدئة مستدامة على الحدود اللبنانية وبين نزع هذا السلاح أو تحجيمه بشكل جذري. هذا الطرح يُسوّق دوليًا باعتباره مدخلًا للاستقرار، لكنه يتجاهل سجلًا طويلًا من الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، سبق وجود حزب الله نفسه.

وبحسب محللين لبنانيين، فإن اختزال أسباب التوتر بالسلاح يتعمّد القفز فوق جوهر الصراع، المتمثّل في الاحتلال والانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية. ويشير هؤلاء إلى أن إسرائيل اعتدت على لبنان في مراحل لم يكن فيها أي توازن ردع، ما يطعن في صدقية الرواية التي تربط العدوان حصريًا بسلاح المقاومة.

لبنان وضغوط أمريكية متصاعدة

تلعب أمريكا دورًا محوريًا في دفع هذا المسار، عبر ضغوط سياسية ودبلوماسية واقتصادية على الدولة اللبنانية. وتحت عناوين مثل “منع توسّع الحرب” و”حماية الاستقرار”، تُربط المساعدات الدولية والدعم المالي بشروط أمنية غير معلنة، تتصل مباشرة بموقع حزب الله وسلاحه.

ووفق تصريحات لمسؤولين أمريكيين، فإن واشنطن ترى في “حصر السلاح بيد الدولة” مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد اللبناني، متجاهلة في الوقت نفسه اختلال موازين القوة مع إسرائيل، والعجز البنيوي الذي يعانيه الجيش اللبناني في ظل أزمته المالية الخانقة.

احتمالات التصعيد في لبنان

في ظل هذا المشهد، يبرز احتمال التصعيد الإسرائيلي كأداة ضغط إضافية. فالتلويح بحرب واسعة أو توسيع العمليات جنوبًا يُستخدم لدفع لبنان نحو خيارات قسرية، في مقدّمها القبول ببحث ملف سلاح حزب الله تحت النار. وترى مصادر سياسية لبنانية أن إسرائيل قد تلجأ إلى تصعيد محسوب، لا بهدف الحرب الشاملة، بل لفرض وقائع تفاوضية جديدة.

غير أن هذا المسار يحمل مخاطر عالية، إذ إن أي تصعيد كبير قد يخرج عن السيطرة، ويفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع، خصوصًا في ظل ترابط الساحات من غزة إلى جنوب لبنان.

موقف حزب الله

يرفض حزب الله بشكل قاطع ربط وقف العدوان الإسرائيلي بنزع سلاحه، معتبرًا أن هذا الطرح يهدف إلى تجريد لبنان من عنصر الردع الوحيد المتبقي في مواجهة إسرائيل. ووفق خطاب قياداته، فإن السلاح ليس موضع تفاوض تحت الضغط، بل جزء من معادلة دفاعية فرضتها الاعتداءات المتواصلة وغياب أي ضمانات دولية حقيقية لحماية لبنان.

ويؤكد الحزب أن أي نقاش داخلي حول الاستراتيجية الدفاعية لا يمكن أن يتم في ظل التهديد والعدوان، ولا تحت شروط خارجية منحازة لإسرائيل، بل ضمن حوار وطني شامل يسبقُه وقف كامل للاعتداءات.

معادلة مفتوحة

يقف لبنان اليوم أمام معادلة شديدة الهشاشة: ضغوط أمريكية متزايدة، تهديدات إسرائيلية مستمرة، وأزمة داخلية تُضعف قدرته على الصمود والمناورة. وفي ظل غياب مظلة دولية تحمي السيادة اللبنانية، يتحوّل ملف سلاح حزب الله إلى أداة ابتزاز سياسي، لا إلى مدخل حقيقي للاستقرار.

في هذا السياق، يبدو أن ربط نزع السلاح بوقف التصعيد لا يعكس سعيًا جديًا للسلام، بقدر ما يُعبّر عن محاولة لفرض توازن جديد يخدم إسرائيل. وبين التهديد بالحرب وضغوط التسوية، يبقى الجنوب اللبناني ساحة مفتوحة على احتمالات خطرة، في انتظار مسار إقليمي لم تتضح ملامحه بعد.

مشهد معلّق

محصلة عام 2025 أن لبنان لم ينهَر بالكامل، لكنه لم يتعافَ أيضًا. اقتصاد هش، وودائع محتجزة، وإصلاحات معلّقة، وتصعيد إسرائيلي مدعوم أمريكيًا يعيد طرح معادلات أمنية مختلّة.
في ظل غياب محاسبة وضمانات دولية حقيقية لوقف العدوان وحماية السيادة، تبقى الثقة مؤجلة، ويظل مستقبل لبنان معلّقًا على توازن هش لا يحمل مقومات الاستقرار المستدام.

محلل سياسي لبناني: محطة انتقالية ثقيلة

تعليقا على ذلك قال عمر محمد العرب المحلل السياسي اللبناني، لم يكن عام ٢٠٢٥ في لبنان عاماً عادياً في مساره ولا في دلالاته، بل شكّل محطة انتقالية ثقيلة بين زمن الانهيار المفتوح وزمن إدارة التوازنات الدقيقة. انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية أعاد انتظام الشكل الدستوري للدولة، وأقفل باب الفراغ، لكنه لم يفتح تلقائياً أبواب الحل، بل نقل البلاد إلى مرحلة أكثر هدوءاً في الشكل وأكثر تعقيداً في المضمون، حيث باتت الأولوية منع السقوط الكامل لا تحقيق نهوض سريع وشامل.

إصلاحا عقلانيا

وأضاف العرب، أن تشكيل حكومة جديدة برئاسة نواف سلام جاء في هذا السياق، حاملاً خطاباً إصلاحياً عقلانياً بسقف مضبوط، يدرك محدودية القدرة على الإنجاز في ظل توازنات داخلية دقيقة وضغوط خارجية متزايدة. فبقيت الإصلاحات الكبرى عالقة بين الإرادة السياسية والوقائع المعقدة، واستمر الشلل في ملفات سيادية واقتصادية أساسية، ما جعل الحكومة أقرب إلى إدارة مرحلة انتقالية منها إلى قيادة مشروع تغييري جذري.

وبالنسبة للانتخابات البلدية قال المحلل اللبناني، أنها شكّلت إشارة رمزية على عودة جزئية للحياة الديمقراطية المحلية بعد سنوات من التعطيل، لكنها عكست في الوقت نفسه انفصال المستوى الإداري عن المأزق السياسي الوطني، حيث بقيت السلطة المركزية أسيرة الحسابات الكبرى، فيما عالجت البلديات شؤونها ضمن هامش ضيق من الإمكانات والصلاحيات.

الخطر الدائم

أمنياً، ظل الجنوب اللبناني تحت وطأة التصعيد الإسرائيلي المتواصل في سياق حرب غزة المستمرة منذ أكتوبر ٢٠٢٣، ما وضع لبنان في دائرة الخطر الدائم، وفرض عليه معادلة دقيقة قوامها تفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. هذا الواقع ترافق مع ضغوط أمريكية متزايدة، سياسية وأمنية، أعادت فتح النقاش حول سلاح حزب الله ودوره، ليس بوصفه ملفاً داخلياً فحسب، بل كجزء من مشهد إقليمي أوسع تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ وأدوات القوة.

أزمة خانقة

اقتصادياً، واصل لبنان الغرق في أزمة خانقة من دون أي حل عادل وشامل لملف المودعين، ما عمّق فقدان الثقة بين المواطن والدولة، ورسّخ قناعة عامة بأن السياسات المعتمدة لا تزال تندرج في إطار إدارة الخسائر لا المعالجة الفعلية. اجتماعياً، ازداد الوضع صعوبة مع تراجع الخدمات الأساسية، وارتفاع نسب الفقر، وتآكل الطبقة الوسطى، ما جعل الاستقرار الاجتماعي هشاً وقابلاً للاهتزاز في أي لحظة.

 

وفي خضم هذه التحديات، طُرح ملف العودة الطوعية للنازحين السوريين بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، لما يحمله من أبعاد إنسانية واقتصادية وسياسية، ولارتباطه المباشر بقدرة الدولة اللبنانية على تحمّل أعباء تفوق إمكاناتها، وبالتوازنات الإقليمية التي لا تزال تتحكم بمسارات هذا الملف.

اختبار للنفس السياسي

وأضاف عمر العرب، أن المرحلة المقبلة، فهي مرشحة لأن تكون مرحلة اختبار طويل للنَفَس السياسي للدولة اللبنانية. لبنان متجه إلى مرحلة استقرار هش طويل الأمد، عنوانها إدارة التناقضات لا حسمها، وضبط الإيقاع الداخلي بانتظار تحولات إقليمية ودولية كبرى. لن يكون هناك انفجار شامل في المدى المنظور، كما لن يكون هناك حل شامل، بل مسار بطيء من إعادة التموضع، تسعى فيه الدولة إلى تثبيت حضورها، وتعزيز الحد الأدنى من السيادة، ومنع انهيار المؤسسات، ولو ضمن هوامش ضيقة.

تحديات مستقبلية

الاستشراف الواقعي للمرحلة القادمة يشير إلى أن لبنان سيبقى ساحة تفاعل لا ساحة قرار مستقل كامل، وأن الملفات الكبرى ستظل مرتبطة بمسار الإقليم من غزة إلى الجنوب اللبناني، ومن التفاهمات الدولية إلى إعادة رسم أدوار القوى الإقليمية. في هذا السياق، سيُعاد تعريف مفهوم الاستقرار بوصفه القدرة على الصمود لا القدرة على الازدهار، وعلى امتصاص الصدمات لا إنتاج الحلول.

التحدي الأخطر في المرحلة المقبلة سيكون اجتماعياً بقدر ما هو سياسياً، إذ إن تراكم الأزمات المعيشية، واستمرار الهجرة، وتآكل الثقة، قد تتحول إلى عامل ضغط داخلي لا يمكن تجاهله. من هنا، ستُختبر قدرة الدولة على تقديم الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية، وعلى منع تحوّل اليأس إلى فوضى شاملة.

خلاصة عام ٢٠٢٥ في لبنان أنه عام تثبيت خطوط تماس سياسية واقتصادية واجتماعية، لا عام حلول كبرى. هو عام إدراك جماعي بأن كلفة الانفجار أعلى من كلفة التسويات المؤجلة، وأن بقاء الدولة، ولو بحدودها الدنيا، بات أولوية تتقدم على كل الشعارات. وفي هذا الإطار، يدخل لبنان مرحلة انتظار ثقيل ومحفوف بالمخاطر، لكنه ليس انتظاراً سلبياً بالكامل، بل مساحة لإعادة ترتيب الأولويات وتحصين الداخل وتفادي الأسوأ، بانتظار لحظة إقليمية فاصلة قد تفتح نافذة إنقاذ، أو تعيد إنتاج المأزق بصيغة أكثر قسوة.

لبنان ٢٠٢٦ من دَولةٍ مُعلَّقة إلى مشروعِ قرار

الدكتور ليون سيوفي – باحث سياسي ومرشّح سابق لرئاسة لبنان يقول في تصريحات خاصة لـ" 180 تحقيقات"...

في الأسبوع الأوّل من عام 2026، لم يَعُد ممكنًا مقاربة لبنان بوصفه بلدًا يعيش أزمة قابلة للإدارة، ولا دولة تنتظر لحظة إنقاذ مؤجَّلة من الخارج. ما نعيشه اليوم يتجاوز منطق الأزمات المتراكمة، ويدخل في نطاق السؤال التأسيسي: هل ما زالت الدولة اللبنانية ممكنة في نظام دولي لم يَعُد يعترف إلا بالقوّة، ولا يمنح الشرعية إلا لمن يملك القدرة على الفعل؟

لبنان، في هذه اللحظة التاريخية، لم يَعُد حالة سياسية تقليدية، بل تحوّل إلى مختبر حيّ لانهيار مفهوم الدولة في عالم يتغيّر بسرعة. نحن أمام مأزق لا يمكن فهمه بالأدوات القديمة، لأن قواعد اللعبة نفسها لم تَعُد كما كانت.

سيادة وظيفية

في النظام الدولي الجديد، تآكلت السيادة بوصفها مفهومًا قانونيًا محصّنًا بالنصوص والمعاهدات، وحلّت مكانها السيادة بوصفها وظيفة. لم تَعُد الدولة تُقاس بما تملك من مؤسسات أو اعتراف دولي، بل بقدرتها على منع تحويلها إلى مساحة استخدام مفتوحة، أو ساحة تصفية حسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.

الدولة التي تفشل في أداء هذه الوظيفة لا تُلغى رسميًا، بل تُعلَّق سياسيًا. تبقى قائمة في الشكل، حاضرة في البروتوكول، لكنها مُفرَّغة من المضمون، قابلة للتوظيف عند الحاجة. وهذا، للأسف، هو الموقع الذي وُضع فيه لبنان خلال السنوات الأخيرة.

دولة بلا قرار

لبنان اليوم هو النموذج الأكثر وضوحًا لهذه الحالة. دولة بلا قرار موحّد، سيادة بلا قدرة تنفيذية، سياسة بلا مشروع. هذا الواقع لا يعود إلى عجز اللبنانيين أو نقص في الكفاءات، بل إلى أنّ الدولة نفسها لم تُعِد تعريف دورها ووظيفتها في زمن تغيّرت فيه موازين القوّة وتبدّلت فيه أولويات النظام الدولي.

لم يُطلَب من لبنان أن ينهض، بل أن يبقى قابلًا للإدارة. لم يُطلَب منه أن يقرّر، بل أن يُوازن. لم يُطلَب منه أن يحسم، بل أن ينتظر. هكذا تحوّل الانتظار من خيار اضطراري إلى نمط حكم، ومن تكتيك مؤقّت إلى ثقافة سياسية مدمّرة.

خطر الانتظار

الانتظار، حين يتحوّل إلى ثقافة، يصبح شكلًا من أشكال الانتحار البطيء. فالدول لا تسقط فقط عندما تُهزم عسكريًا، بل عندما تفقد قدرتها على تخيّل نفسها كدولة. أخطر ما يواجه لبنان في عام 2026 ليس الضغط الخارجي وحده، بل غياب المشروع السياسي القادر على إعادة إنتاج الدولة بوصفها قرارًا سياديًا، لا مجرّد كيان إداري هشّ.

غياب هذا المشروع هو ما يجعل لبنان عالقًا في حالة التعليق، ويحوّل أزماته إلى وضع دائم، لا يُحلّ بل يُدار، ولا يُعالج بل يُؤجَّل.

سماح عثمان

صحفية مصرية عملت بعدة مواقع وصحف وعضو نقابة الصحفيين المصريين

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال