4 يونيو 2026|القاهرة 28 °

فضيحة التسريبات تهز مكتب نتنياهو: توقيف برافرمان رسميًا

دخلت أزمة التسريبات الأمنية داخل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة، بعد أن أوقفت الشرطة، الأحد، تساحي برافرمان، مدير مكتب بنيامين نتنياهو، للتحقيق معه.

بقلم: عمرو المصري
١٢ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
تساحي برافرمان، مدير مكتب نتنياهو، المتهم الأول في تسريب وثائق سرية حساسة للإعلام الأجنبي

تساحي برافرمان، مدير مكتب نتنياهو، المتهم الأول في تسريب وثائق سرية حساسة للإعلام الأجنبي

دخلت أزمة التسريبات الأمنية داخل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة، بعد أن أوقفت الشرطة، الأحد، تساحي برافرمان، مدير مكتب بنيامين نتنياهو، للتحقيق معه بشبهة عرقلة سير التحقيقات في قضية تسريب وثائق سرية حساسة إلى وسائل إعلام أجنبية. ويُعد هذا التطور تصعيدًا خطيرًا، كونه يطال الحلقة الأقرب لرئيس الحكومة، ويضع مكتب نتنياهو نفسه في قلب شبهة التلاعب بالأمن القومي.

وبحسب ما أعلنت هيئة البث العبرية الرسمية، فقد جرى توقيف برافرمان للتحقيق داخل وحدة “لاهاف 433”، المختصة بالجرائم الخطيرة والفساد، على خلفية الاشتباه بتدخله المباشر لعرقلة إجراءات التحقيق. ويعكس نقل الملف إلى هذه الوحدة مستوى الخطورة الذي تنظر به الشرطة إلى القضية، باعتبارها تتجاوز خرقًا إداريًا لتلامس بنية الحكم نفسها.

تفتيش واتهامات جنائية

أفادت القناة 12 العبرية بأن الشرطة لم تكتفِ بتوقيف برافرمان، بل قامت أيضًا بتفتيش منزله قبل التحقيق، في مؤشر على الاشتباه بوجود أدلة أو مواد ذات صلة بالقضية. ووفق القناة، فإن الشبهات لا تقتصر على عرقلة التحقيق، بل تشمل أيضًا “إساءة الأمانة”، وهي تهمة ثقيلة قانونيًا، غالبًا ما تُوجَّه في قضايا الفساد واستغلال النفوذ.

وتُعد وحدة “لاهاف 433” – التي أُنشئت عام 2008 وتُعرف إعلاميًا بـ”مكتب التحقيقات الفيدرالي الإسرائيلي” – الذراع الأبرز للدولة العبرية في ملاحقة الفساد السياسي والجرائم الكبرى. وإدخال مدير مكتب رئيس الوزراء إلى أروقتها يسلّط الضوء على عمق الأزمة داخل أعلى هرم السلطة.

استدعاء فلدشتاين للشهادة

إلى جانب برافرمان، استدعت الشرطة إيلي فلدشتاين، المتحدث السابق باسم نتنياهو، للإدلاء بشهادته، بعد أن كان قد اعتُقل سابقًا ضمن نفس القضية. وتشير القناة 12 إلى أن الشرطة تستعد لإجراء مواجهة مباشرة بين برافرمان وفلدشتاين، وهي خطوة تعكس تضارب الروايات داخل مكتب رئيس الوزراء نفسه.

وتكتسب شهادة فلدشتاين أهمية خاصة، لأنه كان جزءًا من الدائرة الإعلامية الضيقة المحيطة بنتنياهو، ويملك معرفة تفصيلية بكيفية إدارة الملفات الحساسة خلال الحرب على غزة، بما في ذلك العلاقة بين الإعلام، والرواية الرسمية، والأجهزة الأمنية.

اجتماع سري تحت الأرض

كان فلدشتاين قد فجّر، في مقابلة مع هيئة البث العبرية بتاريخ 24 ديسمبر الماضي، واحدة من أخطر الروايات في هذه القضية، حين كشف أن برافرمان استدعاه إلى اجتماع “سري وغير مألوف” في ساعة متأخرة من الليل، خلال ذروة الحرب على غزة. وبحسب شهادته، لم يكن الاجتماع اعتياديًا لا في توقيته ولا في طبيعته ولا في مكانه.

وأوضح فلدشتاين أن اللقاء عُقد في الطابق الرابع تحت الأرض من موقف سيارات مقر وزارة الدفاع في تل أبيب، وسط إجراءات احترازية مشددة، شملت مصادرة الهواتف المحمولة واختيار موقع خالٍ من الكاميرات. هذا الوصف يعكس نمط عمل أقرب إلى العمليات السرية، لا إلى إدارة مدنية لمكتب رئيس حكومة.

محاولة إحباط التحقيق

وفق رواية فلدشتاين، عرض عليه برافرمان خلال الاجتماع قائمة بأسماء ضباط، واقترح العمل على إحباط تحقيق أمني كان يجريه قسم “الأمن في المؤسسة الأمنية”، وهو جهاز رقابي داخلي في وزارة الدفاع مختص بحماية المعلومات والتحقيق في التسريبات. وبحسب الشهادة، كان الهدف وقف التحقيق الذي استهدف مكتب رئيس الوزراء نفسه.

وتكشف هذه المعطيات، إن ثبتت، عن تدخل مباشر من مكتب نتنياهو لإفشال آليات الرقابة الأمنية، ما يطرح تساؤلات خطيرة حول حدود الفصل بين السلطة السياسية والأجهزة الأمنية، وحول ما إذا كان الأمن يُستخدم كأداة لخدمة أجندات سياسية.

شبكة نفوذ داخل المكتب

تصف القناة 12 العبرية برافرمان بأنه شخصية مركزية ومؤثرة داخل مكتب نتنياهو، ومسؤول عن إدارة الملفات الحساسة وتسوية القضايا العالقة، فيما كان فلدشتاين يعمل تحت إمرته بشكل مباشر. هذه العلاقة الهرمية تعزز فرضية أن ما جرى لم يكن تصرفًا فرديًا معزولًا، بل جزءًا من نمط إدارة متكامل داخل المكتب.

ويشير ذلك إلى أن الأزمة لا تتعلق بشخص أو اثنين، بل بثقافة عمل داخلية تسمح بتجاوز القوانين، والتلاعب بالإجراءات، وتسخير أدوات الدولة لحماية القيادة السياسية من المساءلة.

تسريب لخدمة الرواية

أظهرت التحقيقات أن فلدشتاين قرر في عام 2024 تسليم وثيقة مصنّفة سرية إلى صحيفة “بيلد” الألمانية، في خطوة هدفت، بحسب التحقيق، إلى التأثير على الرأي العام الإسرائيلي. وقد سعى التسريب إلى ضرب المظاهرات المطالبة بإبرام صفقة لتبادل الأسرى مع المقاومة في غزة، عبر الادعاء أن هذه الاحتجاجات تُضر بالمفاوضات وتخدم حركة حماس.

وتكشف هذه الخطوة عن استخدام متعمّد للتسريب الأمني كأداة حرب نفسية داخلية، لا ضد العدو، بل ضد الشارع الإسرائيلي نفسه، في واحدة من أخطر تجليات تسييس الأمن.

رقابة أوقفت تسريبًا آخر

كما كشفت التحقيقات أن فلدشتاين حاول لاحقًا تسريب “المادة السرية” نفسها إلى صحفي في القناة 12 العبرية، إلا أن الرقابة العسكرية الإسرائيلية أوقفت النشر في اللحظة الأخيرة. ويُظهر هذا التطور أن ما كُشف قد يكون مجرد جزء من شبكة أوسع لتسريب المعلومات.

وفي هذا السياق، أفادت التحقيقات بأن فلدشتاين كلّف يوناثان أوريخ، المستشار الخارجي لنتنياهو، بنقل المادة المسرّبة من شعبة الاستخبارات العسكرية “أمان” إلى المستشار السابق لرئيس الوزراء شروليك آينهورن، الذي تولّى بدوره تسريبها إلى الصحيفة الألمانية.

بهذا، تتحول قضية تسريب الوثائق من ملف أمني إلى فضيحة حكم مكتملة الأركان، تكشف تداخل الإعلام، والسياسة، والأمن داخل مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وتضع منظومة اتخاذ القرار في تل أبيب أمام أخطر اختبار أخلاقي وقانوني منذ سنوات، في وقت تعيش فيه إسرائيل واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا داخليًا وأمنيًا.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال