أطلق موقع "180 تحقيقات" العدد الأول من التقرير الاستراتيجي السنوي، الذي حمل عنوان "2025 عام إعادة رسم الخرائط"، وتتضمن قراءة رصدية وتحليلية معمّقة لأبرز تحولات عام 2025، في ملفات متنوعة شملت دول فلسطين ولبنان وسوريا والعراق وتركيا.
ويعد الإصدار ثمرة عمل رصدي وتحليلي ممتد نفذه فريق 180 تحقيقات ساعيًا إلى تجاوز منطق التغطية الخبرية السريعة، نحو تفكيك السياقات، وقراءة ما وراء الحدث، وربط التطورات الميدانية بالتحولات السياسية والاستراتيجية الأوسع. وهو جهد لا يدعي الإحاطة الكاملة، لكنه يسعى إلى تقديم صورة مركبة ومتوازنة لواحد من أكثر الأعوام كثافة واضطرابا في تاريخ المنطقة الحديث.
انطلق الإصدار من الإشارة إلى أن عام 2025 لم يكن عامًا عاديًا في تاريخ المنطقة، بل شكل محطة مفصلية في مسار التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية التي أعادت تشكيل خرائط النفوذ، وأعادت طرح أسئلة الدولة والسلطة والاستقرار والمستقبل في الشرق الأوسط. ففي هذا العام، تداخلت الحروب مع محاولات التسويات، وتجاورت لحظات الانميار مع بدايات إعادة التشكل في إقليم يعيش على إيقاع الأزمات المفتوحة والتحولات العميقة.
ففي الملف الفلسطيني، شكلت حرب غزة وما تلاها من تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية قلب المشهد الإقليمي، حيث لم تعد القضية الفلسطينية شأناً محليًا أو عربيًا فحسب، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للنظام الدولي، والموازين القوة، والمصداقية الخطاب الحقوقي والإنساني العالمي. وقد رصدنا في هذا الملف مسارات الحرب، وجهود التهدئة، وأدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين، وانعكاسات ذلك على الداخل الفلسطيني وعلى الإقليم ككل.
أما الملف اللبناني، فقد عكس بدوره حالة الدولة المعلقة بين الانهيار ومحاولات الصمود في ظل أزمة اقتصادية خانقة، وفراغات سياسية متكررة، وتداعيات مباشرة للحرب في غزة وجنوب لبنان. وقد تناولت مواد هذا الملف تداخل العاملين الداخلي والخارجي، وحدود قدرة النظام اللبناني على إدارة الأزمات، في ظل توازنات إقليمية دقيقة.
وفي الملف السوري، كان عام 2025 عاما انتقاليًا بامتياز عقب سقوط نظام بشار الأسد، وما فتحه ذلك من أسئلة كبرى حول شكل الدولة، وإعادة بناء المؤسسات والعدالة الانتقالية، ومستقبل الأمن والاقتصاد. وقد سعى هذا الملف إلى قراءة المشهد السوري بوصفه لوحة فسيفسائية معقدة، تتداخل فيها العوامل المحلية مع التدخلات الإقليمية والدولية، وتتصارع فيها سيناريوهات الاستقرار والفوضى وإعادة التقسيم.
أما الملف العراقي، فقد عكس استمرار معضلة الدولة بين منطق السيادة ومنطق النفوذ، حيث تزامنت محاولات ترسیخ الاستقرار السياسي والأمني مع تحديات السلاح المنفلت والضغوط الإقليمية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. وركز الرصد هنا على موقع العراق في معادلات الصراع الإقليمي، وقدرته على المناورة وسط بيئة شديدة التعقيد.
وفي الملف التركي، كان عام 2025 عام تثبيت داخلي وتوسيع نفوذ خارجي، حيث واجهت أنقرة تحديات اقتصادية وضغوطا سياسية داخلية، بالتوازي مع دور إقليمي متنام في ملفات غزة وسوريا وشرق المتوسط. وقد تناول هذا الملف تحولات الداخل السياسي، ومسار الاقتصاد، والدبلوماسية النشطة في سياق سعي تركيا للتموضع كقوة إقليمية فاعلة ومديرة للأزمات.
إن جمع هذه الملفات في كتاب واحد لا يهدف إلى تقديم سرد متتابع للأحداث فحسب، بل إلى إبراز الترابط العميق بين مسارات المنطقة، حيث بات ما يجري في غزة يؤثر في بيروت، وما يحدث في دمشق ينعكس على بغداد، وما تقرره أنقرة يتقاطع مع معادلات الإقليم بأسره. من هنا، فإن هذا الكتاب هو محاولة لفهم الصورة الكلية، لا الأجزاء المنفصلة.
ويأمل فريق "180 تحقيقات" أن يشكل هذا العمل مرجعا رصديًا وتحليليًا للباحثين والمهتمين وصناع القرار، وأن يساهم في نقاش أعمق حول مستقبل المنطقة، في لحظة تاريخية لا تزال ملامحها قيد التشكل، وتبقى نتائجها مفتوحة على احتمالات متعددة.









