أوفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعهدها تصنيف ثلاثة فروع إقليمية لجماعة الإخوان المسلمين كـ«منظمات إرهابية»، في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز بعدها القانوني، وتمسّ مباشرة شبكة علاقات أمريكا مع حلفاء إقليميين بارزين، على رأسهم قطر وتركيا، فيما يتناغم القرار مع رغبات أطراف أخرى، مثل الإمارات وإسرائيل. القرار تضمّن فرض عقوبات مباشرة على هذه الفروع وأعضائها، ضمن مسار تصعيدي أوسع تتبناه واشنطن في الشرق الأوسط.
وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية الأمريكيتان، الثلاثاء، إدراج فروع الجماعة في لبنان والأردن ومصر على لوائح الإرهاب، بزعم أنها تشكّل «تهديدًا للأمن القومي الأمريكي والمصالح الأمريكية». ويأتي هذا التصنيف في سياق إعادة ترتيب واشنطن لأولوياتها الإقليمية بعد حرب غزة، وبما يخدم التوجهات الأمنية الإسرائيلية بشكل غير مباشر.
تصنيفات متعددة المستويات
وصنّفت وزارة الخارجية الأمريكية الفرع اللبناني لجماعة الإخوان المسلمين كـ«منظمة إرهابية أجنبية»، وهو أعلى وأشد مستويات التصنيف، ويترتب عليه تجريم أي دعم مادي أو لوجستي أو سياسي للجماعة. أما فرعا الجماعة في الأردن ومصر، فقد أدرجتهما وزارة الخزانة على قائمة «الإرهابيين العالميين المصنّفين خصيصًا»، بزعم تقديمهما دعمًا لحركة حماس.
ويعكس هذا التفاوت في التصنيف محاولة أمريكية لضبط الأدوات القانونية بما يتناسب مع السياق السياسي لكل دولة، مع الحفاظ على الهدف النهائي المتمثل في تجفيف أي بيئة سياسية أو مالية يمكن أن تُستخدم لصالح المقاومة الفلسطينية، وفق الرؤية الأمريكية.
تبرير سياسي وأمني
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في بيان رسمي، إن هذه التصنيفات تمثل «الخطوات الافتتاحية لجهد مستدام ومتواصل لإحباط عنف جماعات الإخوان المسلمين وأنشطتهم المزعزعة للاستقرار أينما وُجدت». وأضاف أن الولايات المتحدة ستستخدم «جميع الأدوات المتاحة» لمنع هذه الفروع من الوصول إلى الموارد التي تمكّنها من «الانخراط في الإرهاب أو دعمه».
وأشار البيان إلى أن روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت كانا مكلفين، بموجب أمر تنفيذي وقّعه ترامب العام الماضي، بتحديد الآلية الأنسب لفرض عقوبات على الجماعات التي تقول واشنطن إنها تنخرط في أنشطة عنف وزعزعة استقرار تمسّ المصالح الأمريكية داخل المنطقة وخارجها.
الإخوان: رواية أمريكية وانتقائية
في المقابل، أكدت قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، وفق ما نقلته تقارير إعلامية، أن الجماعة تنبذ العنف ولا تتبنى العمل المسلح كخيار سياسي، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الرواية الأمريكية والواقع السياسي المركّب في دول المنطقة. إلا أن هذه المواقف لم تحظَ بأي وزن في القرار الأمريكي، الذي بدا محكومًا باعتبارات جيوسياسية تتناغم مع أهداف بعض الأطراف الإقليمية، خاصة الإمارات وإسرائيل، أكثر من كونه تقييمًا قانونيًا موضوعيًا.
وكان الأمر التنفيذي الذي أصدره ترامب قد خصّ بالذكر فروع الجماعة في لبنان والأردن ومصر، مشيرًا إلى أن أحد أجنحة الفرع اللبناني أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل عقب عملية السابع من أكتوبر 2023، التي نفذتها حماس وأشعلت حرب غزة. كما اتهم الأمر التنفيذي قيادات في الجماعة بالأردن بتقديم دعم سياسي ولوجستي لحماس.
سياق تاريخي وضغوط إقليمية
وتأسست جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928، قبل أن تُحظر رسميًا في البلاد عام 2013. وفي الأردن، أعلنت السلطات حظرًا شاملًا على الجماعة في أبريل الماضي، في خطوة اعتبرها مراقبون استجابة لضغوط إقليمية ودولية متزايدة، لا سيما بعد تصاعد الحرب على غزة.
ويرى ناثان براون، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة جورج واشنطن، أن بعض حلفاء أمريكا، مثل الإمارات ومصر، سيكونون من أبرز المرحّبين بالتصنيف الجديد. لكنه حذّر من أن القرار قد يتحول إلى «شوكة حقيقية» في العلاقات الثنائية مع دول ما تزال تتعامل مع الجماعة أو تسمح بوجودها السياسي، وعلى رأسها قطر وتركيا.
انعكاسات قانونية وإنسانية
وأضاف براون أن هذه التصنيفات قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من السياسة، لتطال ملفات الهجرة واللجوء، ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في دول أوروبا الغربية وكندا. وأوضح أن القرار يمنح سلطات الهجرة «أساسًا أقوى للشك والرفض»، وقد يدفع المحاكم إلى تقليص هامش الطعن في الإجراءات المتخذة ضد أفراد يُشتبه بانتمائهم للجماعة.
وأشار إلى أن طالبي اللجوء السياسي المنتمين أو المرتبطين بالإخوان المسلمين قد يواجهون تضييقًا غير مسبوق، في ظل المناخ الدولي الذي يزداد عداءً للحركات الإسلامية، خاصة تلك المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
مسار قديم يتجدد
وسبق أن درس ترامب، خلال ولايته الأولى عام 2019، تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية، قبل أن يتراجع حينها تحت ضغوط مؤسساتية ودبلوماسية. إلا أن عودة الملف اليوم تعكس تغيّر موازين القوى داخل الإدارة الأمريكية، وتصاعد نفوذ التيار اليميني الداعي لمواجهة شاملة مع الإسلام السياسي.
وقد دفعت شخصيات محسوبة على اليمين المتطرف داخل معسكر ترامب، من بينهم الناشطة اليمينية لورا لومر، باتجاه اتخاذ إجراءات أكثر عدوانية ضد الجماعة. كما سارعت ولايتا فلوريدا وتكساس، الخاضعتان لإدارة جمهورية، إلى تصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية خلال العام الجاري، في تمهيد سياسي وقانوني للقرار الفيدرالي الأوسع.






