21 يوليو 2026|القاهرة 28 °

النفط العالمي.. كيف يهدد مستقبل الأجيال القادمة؟ (العراق نموذجا)

النفط العالمي.. في قلب بلاد الرافدين، حيث تنام الأرض على احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 145 مليار برميل، يبرز التساؤل الوجودي: لماذا لا ينعكس هذا الثراء على واقع المواطن اليومي؟ إن ما يسميه علماء الاجتماع والاقتصاد "لعنة الموارد"

بقلم: سارة جاسم
١٣ يناير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
25 مشاهدة
النفط العالمي.. كيف يهدد النفط مستقبل الأجيال القادمة؟ (العراق نموذجا)

النفط العالمي.. كيف يهدد النفط مستقبل الأجيال القادمة؟ (العراق نموذجا)

النفط العالمي.. في قلب بلاد الرافدين، حيث تنام الأرض على احتياطيات نفطية مؤكدة تتجاوز 145 مليار برميل، يبرز التساؤل الوجودي: لماذا لا ينعكس هذا الثراء على واقع المواطن اليومي؟ إن ما يسميه علماء الاجتماع والاقتصاد "لعنة الموارد" ليس مجرد مصطلح نظري في العراق، بل هو واقع مرير يهدد بتحويل الثروة إلى نقمة للأجيال القادمة. نحن أمام اقتصاد يعيش على "الريعية" المطلقة، حيث يشكل النفط أكثر من 90% من إيرادات الموازنة و95% من الصادرات وفقاً لبيانات وزارة المالية العراقية.

النفط العالمي.. الإطار القانوني والدستوري لإدارة الثروة

​لقد وضع الدستور العراقي لعام 2005 الأسس العامة لإدارة النفط، لكن "الفراغ التشريعي" ظل هو الثغرة التي يتسلل منها الهدر.

• ​المادة (111) من الدستور: تنص على أن "النفط والغاز هو ملك لكل الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات". هذه المادة تضع مسؤولية أخلاقية وقانونية على عاتق السلطة لحماية حصة الأجيال القادمة.

• ​المادة (112): أوجبت على الحكومة الاتحادية إدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع أقاليم ومحافظات الإنتاج، بشرط توزيع الواردات بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني.

• ​عقدة قانون "النفط والغاز": منذ عام 2007، لا يزال هذا القانون حبيس الرفوف. غياب هذا القانون يعني غياب المساءلة القانونية الدقيقة حول آليات التعاقد، الشفافية، والخطط الاستراتيجية طويلة الأمد.

​التحليل القانوني: إن التأخر في تشريع قانون النفط والغاز يمثل "قصوراً تشريعياً" يمنع تحويل النفط من سلعة سياسية إلى أصل اقتصادي خاضع للرقابة الفنية والقانونية الصارمة.

النفط العالمي.. تشريح الفجوة بين الدخل والإنفاق

 أن بنية الإنفاق التي تحولت إلى آلية لاستنزاف الثروة بدلاً من تنميتها. وبالنظر إلى المؤشرات المالية للفترة (2024-2026)، نجد أننا أمام أربعة اختلالات هيكلية تهدد بتفخيخ المستقبل:

  1. ​فخ الموازنات "الانفجارية" والهشاشة السعرية:

تجاوزت موازنة عام 2024 سقف الـ 198 تريليون دينار (ما يقارب 150 مليار دولار)، وهو رقم يوحي بالقوة المالية، لكنه في الحقيقة يخفي "عجزاً مخططاً" كبيراً. تكمن الخطورة في أن هذه الموازنات مصممة على افتراضات متفائلة لأسعار النفط؛ مما يجعل الدولة برمتها رهينة لتقلبات البورصات العالمية. إن أي هبوط مفاجئ في الأسعار يعني توقف "شريان الحياة" عن الدولة، لعدم وجود مصدات مالية أو تنوع إيرادي.

  1. ​"الرواتب" كإسفنجة تمتص التنمية:

تلتهم الرواتب والمخصصات في القطاع العام أكثر من 60 تريليون دينار سنوياً. من منظور علم الاقتصاد، هذا يسمى "الإنفاق الجاري المستهلك"، وهو النقيض التام لـ "الإنفاق الاستثماري". نحن حرفياً نقوم بتحويل "ثروة ناضبة" (النفط) إلى "سيولة استهلاكية" تذهب لشراء بضائع مستوردة، بدلاً من تحويلها إلى أصول إنتاجية (مصانع، مزارع، بنية تحتية الذكية) تضمن الدخل بعد عصر النفط.

  1. ​مفارقة المديونية في زمن الوفرة:

• رغم استقرار أسعار النفط فوق مستويات جيدة، لا يزال العراق يرزح تحت ديون داخلية وخارجية تتجاوز الـ 70 مليار دولار. إن الاقتراض في وقت الوفرة هو اعتراف ضمني بأن الإيرادات النفطية -على ضخامتها- لم تعد تكفي لسد نهم الجهاز الإداري المتضخم. هذا الدين ليس مجرد رقم، بل هو "قيد قانوني ومالي" نضعه في أعناق الأجيال القادمة التي ستجد نفسها ملزمة بسداد فواتير استهلاك لم تشارك فيه. وفقاً لتقارير البنك المركزي العراقي.

 

  1. ​القنبلة الديموغرافية والقطاع النفطي "المنعزل":

مع نمو سكاني سنوي يبلغ 2.5%، يواجه العراق تحدي توفير نصف مليون فرصة عمل سنوياً. هنا تظهر "المفارقة الكبرى"؛ فالقطاع النفطي الذي يغذي ميزانية الدولة هو قطاع "كثيف رأس المال وقليل العمالة". التكنولوجيا النفطية لا تحتاج إلى جيوش من الموظفين، فهي لا تستوعب أكثر من 1% من القوى العاملة الوطنية. هذا يعني أن المحرك الوحيد للاقتصاد العراقي عاجز بنيوياً عن حل مشكلة البطالة، مما يخلق فجوة اجتماعية وسياسية مرشحة للانفجار في أي لحظة.

النفط العالمي.. التهديدات الوجودية لمستقبل الأجيال

​إن التهديدات الوجودية التي تتربص بمستقبل الأجيال القادمة في العراق لم تعد مجرد هواجس اقتصادية عابرة، بل هي واقع جيوسياسي يتشكل بسرعة في ظل تحول العالم نحو الطاقة المتجددة. فبينما تتسارع القوى الكبرى والشركات العالمية لتحقيق "صفر انبعاثات" بحلول منتصف القرن يجد العراق نفسه في سباق مع الزمن ،إذ إن انخفاض الطلب العالمي المتوقع على النفط بحلول عام 2040-2050 سيعني بالضرورة تحول الاحتياطيات النفطية الهائلة إلى ما يعرف بـ "الأصول المحبوسة". وهي ثروة ستبقى مدفونة تحت الأرض بلا مشترين، أو تباع بأسعار زهيدة لا تلبي احتياجات دولة يعتمد كيانها كلياً على برميل النفط، مما يضع جيل عام 2050 أمام فراغ اقتصادي مخيف في ظل غياب أي بدائل حقيقية في قطاعي الصناعة والزراعة. كما حذرت وكالة الطاقة الدولية.

 

​هذا العجز البنيوي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة مباشرة لما يُعرف بـ "لعنة الوفرة" التي ولّدت مرضاً مزمنا ً في الجسد العراقي. فقد أدى التدفق الهائل للدولار النفطي، مع إصرار السياسات المالية على تثبيت قيمة العملة المحلية إدارياً، إلى جعل المنتجات الوطنية عاجزة تماماً عن المنافسة؛ حيث أصبحت السلع الزراعية والصناعية المستوردة أرخص بكثير من تلك التي تُنتج محلياً. وهذا الخلل القاتل هو ما دفع العراق للتحول من بلد كان يوصف بـ "سلة غذاء المنطقة" إلى بلد يستورد اليوم أكثر من 80% من احتياجاته الغذائية، مسبباً في طريقه إغلاق آلاف المصانع والمعامل التي لم تعد قادرة على الصمود أمام سيل المستورد المدعوم -للمفارقة- بأموال النفط العراقي نفسه.

​ولم يتوقف أثر هذه اللعنة عند حدود الاقتصاد، بل تغلغلت في البنية السياسية والاجتماعية من خلال ما يُعرف بـ "الزبائنية السياسية". فبدلاً من استثمار عوائد النفط في بناء قطاعات إنتاجية توفر فرص عمل حقيقية، تم استخدام الثروة النفطية كأداة لشراء الولاءات وتثبيت النفوذ عبر التعيينات العشوائية وغير المدروسة في دوائر الدولة. وقد أدى هذا السلوك إلى خلق تضخم إداري هائل وبطالة مقنعة استنزفت موارد الموازنة في رواتب لا يقابلها إنتاج حقيقي، مما حول الدولة من محرّك للتنمية إلى مجرد "موزع للريع"، وهو ما يعطل اليوم أي محاولة جادة للإصلاح ويهدر حقوق الأجيال التي ستجد نفسها في مواجهة عالم لا يعترف بالنفط، وفي بلد استنزف كل أدوات قوته في الإنفاق الاستهلاكي الجاري.

النفط العالمي..خارطة طريق

​لتجنب "اللعنة"، يحتاج العراق إلى إجراءات قانونية وهيكلية ثورية:

• ​تأسيس "صندوق الأجيال السيادي": على غرار التجربة النرويجية أو الكويتية. يجب قانوناً استقطاع نسبة لا تقل عن 10-15% من واردات النفط تُستثمر في محافظ دولية ومشاريع تنموية، ولا تُمس إلا في حالات الطوارئ القصوى أو لصالح مشاريع الأجيال القادمة.

• ​تفعيل المادة 25 من الدستور: التي تلزم الدولة بإصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن تشجيع القطاع الخاص.

• ​قانون "الإصلاح الضريبي والجمركي": لتقليل الاعتماد على النفط من خلال تعظيم الإيرادات غير النفطية بشكل عادل لا يثقل كاهل الفقراء.

• ​الاستثمار في "رأس المال البشري": تحويل الإنفاق من "الاستهلاك" إلى "التعليم التقني". جيل مبرمجين ومنتجين هو الضمانة الحقيقية عند نضوب النفط أو انخفاض سعره.

النفط العالمي.. الاختيار الصعب

​في نهاية المطاف يجب الإدراك بأن "لعنة الوفرة" التي نعيش فصولها اليوم ليست قدراً جغرافياً محتوماً لا فكاك منه، بل هي نتاج تراكمي لسياسات اقتصادية آثرت الحلول الترقيعية والمنفعة الآنية على حساب الاستدامة الاستراتيجية. إن الإصرار على استنزاف السيولة النفطية في تمويل هيكل استهلاكي نهم، وفي تضخيم فاتورة الرواتب على حساب الإنفاق الاستثماري، لا يمثل مجرد خلل في الموازنة، بل هو "خطيئة اقتصادية" كبرى بحق أجيال لم تولد بعد، ستجد نفسها غداً مطالبة بسداد ديون وفواتير رفاهية لم تشارك في إنفاقها.

​إن الحماية القانونية والسيادية الحقيقية للدولة العراقية لا تكمن في جدران التشريعات الورقية فحسب، بل في شجاعة اتخاذ القرار لبناء اقتصاد "ما بعد النفط" بدءاً من اللحظة الراهنة، وتحويل الريع من "أداة للاستهلاك" إلى "رأس مال للتنمية". إن التردد في خوض غمار هذا الإصلاح الهيكلي يعني بالضرورة استمرار الارتهان لتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما قد يقودنا إلى سيناريو كارثي نحكم فيه على أحفادنا بالعيش في وطن مثقل بعبق التاريخ وأمجاد الماضي، لكنه يفتقر إلى أدنى مقومات الأمان في المستقبل. إن الاختيار اليوم بين الاستمرار في "غيبوبة الريع" أو الاستفاقة نحو "واقع الإنتاج" هو الذي سيحدد ما إذا كان النفط سيبقى نعمة أسيء استخدامها، أم لعنة أطاحت بفرصة العراق الأخيرة في النهوض.

سارة جاسم

كاتبة عراقية

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال