في ظل موجات الشتاء القارس التي تضرب قطاع غزة منذ أسابيع، تتكشّف فصول جديدة من الكارثة الإنسانية التي يعيشها السكان، حيث سُجّلت وفيات بين الأطفال والنازحين نتيجة الانخفاض الحاد في درجات الحرارة، وانعدام وسائل التدفئة، وغياب المأوى الآمن. هذه الوفيات لا يمكن فصلها عن السياق العام الذي يعيشه القطاع، بل تأتي بوصفها نتيجة مباشرة لتراكم سياسات الحصار والتجويع والتدمير الممنهج التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي منذ سنوات، وتفاقمت بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر 2023.
تشير التقارير الميدانية الصادرة عن جهات صحية وإنسانية محلية إلى أن الضحايا هم في الغالب من الأطفال وكبار السن والمرضى، ممن يعيشون في خيام مهترئة أو داخل مبانٍ مدمّرة جزئيًا، لا تقي من الرياح ولا من الأمطار. ومع اشتداد المنخفضات الجوية، تتحول هذه الملاجئ المؤقتة إلى مصائد موت حقيقية، حيث تتسرّب المياه، وتنهار بعض الخيام أو الجدران، ويقضي الأطفال ليلهم في برد قارس دون أغطية أو وسائل تدفئة، ما يؤدي إلى حالات انخفاض حاد في حرارة الجسم تنتهي أحيانًا بالوفاة.
الحصار والشتاء وتفاقم الكارثة
لا يمكن النظر إلى هذه المأساة باعتبارها “كارثة مناخية” طبيعية فحسب، إذ إن العامل الحاسم في تضخيم آثار الطقس القاسي يتمثّل في الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، والذي يمنع إدخال مستلزمات الإغاثة الأساسية، بما في ذلك الوقود، ووسائل التدفئة، والخيام المقاومة للأمطار، والمواد اللازمة لإعادة تأهيل المساكن المدمّرة. فبحسب مؤسسات إغاثية عاملة في القطاع، تُقابَل محاولات إدخال المساعدات بقيود مشددة، أو تأخير متعمّد، أو رفض كامل، ما يترك مئات آلاف النازحين في مواجهة مباشرة مع البرد والعواصف.
هذا الواقع يجعل من الطقس أداة غير مباشرة من أدوات العقاب الجماعي، حيث يتحول الشتاء إلى شريك في سياسة القتل البطيء. فالاحتلال، الذي دمّر البنية التحتية والمنازل، يتحمّل مسؤولية قانونية وأخلاقية عن حماية السكان المدنيين الواقعين تحت سيطرته الفعلية، وفقًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف. غير أن ما يحدث على الأرض يعكس تجاهلًا متعمدًا لهذه الالتزامات، واستمرارًا في استخدام الحصار كوسيلة لإخضاع السكان، حتى لو كان الثمن أرواح الأطفال.
النازحون بين العراء والعجز الدولي
يعيش معظم ضحايا البرد من فئة النازحين الذين أُجبروا على ترك منازلهم بفعل القصف والعمليات العسكرية، ليجدوا أنفسهم في مخيمات عشوائية تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. ومع غياب الكهرباء، وشح الوقود، وانعدام شبكات الصرف الصحي السليمة، تتضاعف المخاطر الصحية مع كل منخفض جوي. ورغم النداءات المتكررة التي تطلقها الجهات المحلية، فإن الاستجابة الدولية ما تزال دون المستوى المطلوب، سواء بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال، أو نتيجة الاكتفاء ببيانات القلق دون ضغط فعلي لفتح المعابر وضمان تدفق الإغاثة.
كارثة مصنوعة وليست قدرًا
إن وفيات الأطفال والنازحين بسبب البرد في غزة لا يمكن التعامل معها كحوادث عرضية أو نتائج حتمية للطقس، بل يجب توصيفها بوصفها كارثة مصنوعة بفعل سياسات الحصار ومنع الإغاثة. فالشتاء، في أي مكان آخر، قد يكون قاسيًا، لكنه لا يتحول إلى حكم بالإعدام إلا حين يُجرَّد الناس من المأوى والدفء والدواء، ويُمنعون من الحصول على أبسط وسائل البقاء.
وفي هذا السياق، يصبح الصمت الدولي، أو الاكتفاء بالمراقبة، شكلًا من أشكال التواطؤ غير المباشر، إذ يترك المدنيين في غزة يواجهون البرد وحدهم، في ظل حصار يحوّل الطبيعة إلى أداة قتل، ويحوّل الشتاء إلى فصل إضافي من فصول المعاناة الفلسطينية المستمرة.










