20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

لجنة تكنوقراط غزة بعيون المفكرين: مطلوب منها تثبيت الوقائع لا الإبداع.. وهذه أبزر التحديات

تدخل فكرة لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة حيّز التنفيذ في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مخرجات الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع مساعٍ أمريكية–إسرائيلية لإعادة هندسة الحكم في القطاع دون معالجة جذور الصراع.

بقلم: عبدالرحمن كمال
١٤ يناير ٢٠٢٦
8 دقائق قراءة
47 مشاهدة
لجنة تكنوقراط غزة بعيون المفكرين

لجنة تكنوقراط غزة بعيون المفكرين

توالت الأنباء الواردة خلال الساعات الأخيرة، عن مداولات اختيار أعضاء اللجنة الإدارية في قطاع غزة، وتزامن ذلك مع إعلان وسائل إعلام امريكية مثل "نيويورك تايمز" أن الولايات المتحدة تقترب من الإعلان عن تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين للإشراف على إدارة الشؤون اليومية في قطاع غزة.

ويبرز اسم علي شعث بوصفه المرشح شبه المحسوم لرئاسة لجنة إدارة غزة. شعث، المولود في خان يونس عام 1958، ينتمي إلى جيل التكنوقراط الفلسطيني الذي تشكّل في التسعينيات مع قيام السلطة الفلسطينية.

وتدخل فكرة لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة حيّز التنفيذ في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مخرجات الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع مساعٍ أمريكية–إسرائيلية لإعادة هندسة الحكم في القطاع دون معالجة جذور الصراع. اللجنة، كما يجري تسويقها، ليست كيانًا سياديًا ولا حكومة انتقالية منتخبة، بل هيئة خدماتية “غير سياسية” تُكلّف بإدارة الشؤون المدنية اليومية في غزة لفترة مؤقتة، تحت إشراف دولي مباشر.

واقعية سياسية باردة

وقال رئيس مجلس إدارة معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية، رامي الشقرة، إن ما يجري تداوله حول تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة الشأن اليومي في قطاع غزة يجب مقاربته بواقعية سياسية باردة، بعيدًا عن التهويل أو الرومانسية. مضيفا: "نحن لا نتحدث عن حكومة بالمعنى السياسي، ولا عن اختراق نوعي في بنية الحكم، بل عن أداة إدارية في لحظة صراع مفتوح وتحت احتلال مباشر".

WhatsApp Image 2026-01-14 at 5.14.44 PM.jpeg

 

وأوضح "الشقرة"، في تصريحات خاصة لـ"180 تحقيقات"أن مفهوم التكنوقراط في سياق الاحتلال ليس مفهومًا محايدًا، ففي الظروف الطبيعية، التكنوقراط يعني كفاءة أعلى وفصلًا نسبيًا بين السياسة والإدارة. وأشار إلى الوضع مختلف في غزة، فنحن أمام إدارة حياة تحت النار، بلا سيادة وبلا قرار استراتيجي. لذلك فإن التكنوقراط هنا ليس بديلًا عن السياسة الوطنية، بل محاولة لضبط الحد الأدنى من الحياة ومنع الانهيار الشامل، وهذا فارق جوهري يجب أن يبقى واضحًا.

تشكيل ومهام اللجنة

وفيما يتعلق بالشخصيات المطروحة، أكد "الشقرة" أن التقييم الصريح يقول إن معظمها شخصيات عادية، لا تمتلك كفاءات استثنائية أو خبرات قادرة على إحداث قفزة نوعية في إدارة قطاع مدمر ومحاصر. لكن أهمية الخطوة لا تكمن في مستوى الأسماء بقدر ما تكمن في وظيفتها السياسية. وجود لجنة مدنية فلسطينية، حتى بإمكانات بشرية محدودة، يسحب من العدو الإسرائيلي واحدة من أخطر ذرائعه، وهي ذريعة غياب الجهة القادرة على إدارة الشأن المدني، والتي تُستخدم لتبرير العدوان، أو إعادة الاحتلال، أو فرض وصاية أمنية أو دولية على غزة.

اقرأ أيضا: علي شعث رئيسا لـ"تكنوقراط غزة": ما الذي نعرفه عن اللجنة التي ستدير القطاع؟

كما شدد على أنه من زاوية استراتيجية، المطلوب من هذه اللجنة ليس الإبداع ولا إدارة التحولات الكبرى، بل تثبيت الوقائع، تنظيم الضروري، وضبط الخدمات الأساسية، بما يحرم الاحتلال من تحويل الكارثة الإنسانية إلى أداة ابتزاز سياسي. في مراحل الصراع، القدرة على الصمود الإداري أحيانًا تكون أهم من الكفاءة العالية.

خطوة تكتيكية ضرورية

وتابع مدير معهد فلسطين للدراسات الاستراتيجية: "مع ذلك، تبقى التحديات كبيرة. أخطرها أن تتحول محدودية الكفاءة إلى هشاشة سياسية، فتغدو اللجنة قابلة للاختراق، أو أداة تنفيذ لشروط الممولين، أو واجهة مدنية لمسار مفروض من الخارج. هنا تكمن المعركة الحقيقية، في حماية اللجنة بإجماع وطني واضح، وتحديد سقف وظيفي صارم لها، يمنع استخدامها ضد المقاومة أو تحويلها إلى بديل عن المشروع الوطني".

ولفت "الشقرة" إلى أن هذه اللجنة يمكن فهمها كخطوة تكتيكية دفاعية ضرورية في لحظة قاسية، وليست حلًا استراتيجيًا ولا بديلاً عن الصراع ولا عن الحق الوطني. قيمتها الحقيقية ليست في أسماء أعضائها، بل في قدرتها على كسر ذريعة العدو، ومنع إعادة إنتاج الاحتلال بأدوات جديدة، إلى أن تنضج لحظة سياسية فلسطينية أشمل.

بين الحياد و"الواجهة  التقنية"

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني محمد مصطفى شاهين، إن فكرة "حكومة تكنوقراط" في سياق الاحتلال الإسرائيلي تحمل مفارقة عميقة. فمن ناحية، يقدمها البعض كحل "محايد" لإدارة الشؤون اليومية في غزة بعيدًا عن الانقسام الحزبي، خاصة في مرحلة إعادة الإعمار الصعبة. لكن من ناحية أخرى، هناك مخاوف حقيقية من أن تصبح هذه اللجنة مجرد "واجهة تقنية" وتتحول إلى أداة لإدارة الأزمة الإنسانية دون معالجة جذورها السياسية المتمثلة في الاحتلال والحصار.
 
وأوضح "شاهين"، في تصريحات لـ"180 تحقيقات" أن السؤال الجوهري هو: "هل ستتمتع هذه اللجنة بصلاحيات حقيقية، أم ستكون مجرد أداة تنفيذية ضمن قيود الاحتلال والسياسات الخارجية؟"

وحول معايير اختيار أعضاء اللجنة، أشار إلى أنه إذا كانت الأنباء عن ترشيح الدكتور علي شعث (وهو اقتصادي مخضرم وشخصية مقبولة إقليميًا ودوليًا) صحيحة، فهذا يشير إلى سعي لشخصية توافقية. 

معايير اختيار اللجنة

وأكد "شاهين" أن أهم المعايير التي ينبغي توافرها في الأعضاء تتضمن الكفاءة المهنية الحقيقية بما توفره من خبرة عملية في الإدارة والخدمات والتمويل وإعادة الإعمار، والاستقلالية النسبية التي تعني القدرة على العمل لصالح الشعب الفلسطيني دون انحياز حزبي ضيق.

اقرأ أيضا: لجنة تكنوقراط غزة: بماذا تخبرنا 6 تجارب دولية سابقة؟

كما شدد الكاتب الفلسطيني على ضرورة توفر معيار القبول الشعبي للجنة، فحتى لو لم يكونوا منتخبين، يجب أن يتمتعوا بمصداقية لدى قطاعات واسعة من الشعب. بالإضافة إلى القدرة على التنسيق مع المؤسسات الفلسطينية القائمة (السلطة الفلسطينية) والجهات الدولية المانحة، وكذلك النزاهة المالية والإدارية في ظل تحديات إعادة الإعمار الضخمة ومخاطر الفساد.

ولفت "شاهين" إلى أنه في حال نجاح هذه اللجنة في مهمتها، فإنها قد توفر إطارًا عمليًا لإدارة المرحلة الانتقالية الصعبة. كما يمكن أن تكون جسرًا لتسهيل دخول المساعدات وإعادة الإعمار، وقد تحد من الفوضى الأمنية والإدارية في مرحلة ما بعد الحرب.

تحديات تنتظر اللجنة

ورغم تمنيات النجاح، حذر "شاهين" من أن اللجنة ستواجه تحديات عديدة أبرزها تحدي الشرعية، وكيف ستتعامل مع شرعية السلطة الفلسطينية من جهة، وشرعية  حماس من جهة أخرى.

كما تحدث "شاهين" عن تحدي السيطرة الأمنية، فمن سيسيطر على الأمن في القطاع؟ هل سيكون هناك تنسيق أمني مع إسرائيل؟ ولم يغفل الحديث أيضا عن تحدي التمويل المشروط، فغالبًا ما يرتبط الدعم الدولي والأمريكي بشروط سياسية قد تقيد عمل اللجنة.

WhatsApp Image 2026-01-14 at 5.14.45 PM.jpeg

 

وأشار إلى أن هناك تحدٍ آخر متعلق بإمكانية الرفض الشعبي، إذا تم إدراكها كمشروع "مفروض" خارج الإرادة الوطنية، ما يحيل إلى تحدى آخر يتعلق بالمأزق السياسي الأوسع، إذ أن اللجنة الإدارية لا تحل القضايا الجوهرية (مستقبل القطاع، المصالحة، المشروع الوطني).

وأوضح المحلل السياسي الفلسطيني أن رد حركة حماس على اللجنة يعكس الموقف المعروف للحركة الذي يصر على أن أي ترتيبات إدارية يجب أن تكون ضمن إطار وطني فلسطيني شامل ومتفق عليه، وليس كمشروع منفصل قد يُستخدم لتهميش القضية الوطنية، منوها أن حماس موقفها إيجايي مع أي حلول تساهم في خدمة أهل غزة والتخفيف من معاناتهم اليومية.

ضرورة عملية مرحلية

وأكد "شاهين" أن لجنة التكنوقراط قد تكون ضرورة عملية مرحلية، لكن نجاحها مرهون بمدى ارتباطها بحل سياسي شامل، وبمدى حصولها على تفويض وطني فلسطيني واسع. بدون ذلك، قد تتحول إلى إدارة "وصاية" دولية مؤقتة تعيد إنتاج الأزمة بأشكال جديدة.

اقرأ أيضا: تكنوقراط تحت الوصاية: إدارة غزة كأداة للمرحلة الثانية الأمريكية

وختم تصريحه بالقول: "هذه اللحظة تتطلب حكمة فلسطينية عالية، ووحدة وطنية، ووضوح في الأهداف الاستراتيجية حتى لا تتحول الإدارة التقنية إلى بديل عن الحل السياسي العادل".

عبدالرحمن كمال

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

لجنة تكنوقراط غزة بعيون المفكرين: مطلوب منها تثبيت الوقائع لا الإبداع.. وهذه أبزر التحديات - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°