20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

علي شعث رئيسا لـ"تكنوقراط غزة": ما الذي نعرفه عن اللجنة التي ستدير القطاع؟

يبرز اسم علي شعث بوصفه المرشح شبه المحسوم لرئاسة لجنة إدارة غزة. شعث، المولود في خان يونس عام 1958، ينتمي إلى جيل التكنوقراط الفلسطيني الذي تشكّل في التسعينيات مع قيام السلطة الفلسطينية.

بقلم: عمرو المصري
١٤ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
17 مشاهدة
نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق علي شعث المرشح لرئاسة لجنة إدارة قطاع غزة

نائب وزير التخطيط الفلسطيني السابق علي شعث المرشح لرئاسة لجنة إدارة قطاع غزة

تدخل فكرة لجنة التكنوقراط لإدارة قطاع غزة حيّز التنفيذ في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها مخرجات الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 مع مساعٍ أمريكية–إسرائيلية لإعادة هندسة الحكم في القطاع دون معالجة جذور الصراع. اللجنة، كما يجري تسويقها، ليست كيانًا سياديًا ولا حكومة انتقالية منتخبة، بل هيئة خدماتية “غير سياسية” تُكلّف بإدارة الشؤون المدنية اليومية في غزة لفترة مؤقتة، تحت إشراف دولي مباشر.

هذا التشكيل يأتي تنفيذًا لبند صريح ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكوّنة من 20 بندًا، والتي اعتمدها مجلس الأمن في نوفمبر الماضي بقرار أمريكي، وتنص على إخراج إدارة غزة من يد المقاومة، دون تمكين فعلي للسلطة الفلسطينية، عبر جسم تكنوقراطي منزوع السياسة ومشروط أمنيًا. وهو ما يجعل اللجنة نتاج توازنات دولية وإقليمية، لا تعبيرًا عن توافق وطني فلسطيني مكتمل.

تشكيل اللجنة وبنيتها المقترحة

بحسب المعطيات المتقاطعة من مصادر فلسطينية ومصرية وأمريكية، تتكوّن اللجنة من 12 إلى 15 عضوًا، جميعهم من أبناء قطاع غزة، مع استبعاد أي شخصية ذات خلفية فصائلية مباشرة. الاختيار جرى عبر مشاورات معقدة شاركت فيها مصر، وأطراف فلسطينية، إلى جانب موافقة أمريكية وإسرائيلية صريحة على الأسماء، وهو ما أفضى إلى شطب مرشحين رفضتهم تل أبيب.

اقرأ أيضا: لجنة تكنوقراط غزة: بماذا تخبرنا 6 تجارب دولية سابقة؟

تتوزع مهام اللجنة على ملفات خدمية بحتة: الصحة، التعليم، الشؤون الاجتماعية، البلديات، المياه، الطاقة، النقل، والعدل، بينما يُسند ملف الأمن إلى شخصية أمنية متقاعدة من جهاز المخابرات الفلسطينية العامة، في خطوة تعكس الإصرار الأمريكي–الإسرائيلي على فصل الأمن عن أي مرجعية فصائلية أو مقاومة.

اللجنة، وفق الصيغة المتداولة، ستتبع اسميًا للحكومة الفلسطينية في بعض الملفات الإدارية، لكنها عمليًا ستعمل بميزانية مستقلة، وبمرجعية دولية مباشرة، ما يحدّ من قدرة السلطة الفلسطينية على توجيهها أو التحكم بمسارها.

علي شعث: رئيس بلا غطاء سياسي

يبرز اسم علي شعث بوصفه المرشح شبه المحسوم لرئاسة لجنة إدارة غزة. شعث، المولود في خان يونس عام 1958، ينتمي إلى جيل التكنوقراط الفلسطيني الذي تشكّل في التسعينيات مع قيام السلطة الفلسطينية. يحمل شهادة الدكتوراه في الهندسة من جامعة عين شمس بالقاهرة، وراكم خبرة طويلة في التخطيط التنموي وإعادة الإعمار.

شغل شعث مناصب محورية في السلطة الفلسطينية، أبرزها نائب وزير التخطيط، ووكيل وزارة التخطيط والتعاون الدولي منذ 1995، ووكيل وزارة المواصلات، إضافة إلى رئاسته للهيئة العامة للمدن الصناعية والمناطق الحرة الفلسطينية. ويُعرّف عنه معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني كخبير في السياسات الصناعية والتكامل الاقتصادي وإعادة الإعمار.

غير أن هذه السيرة “التكنوقراطية النظيفة” هي نفسها مصدر الإشكال الأساسي؛ فشعث لا يمتلك قاعدة سياسية أو فصائلية، ولا يستند إلى تفويض شعبي أو انتخابي، ما يجعله رئيسًا إداريًا بلا غطاء وطني جامع، في بيئة مشبعة بالاستقطاب والمقاومة والاحتقان الشعبي.

المرجعية الدولية والوصاية المالية

أحد أخطر أبعاد تجربة لجنة التكنوقراط يتمثل في مرجعيتها المالية والسياسية. فميزانية اللجنة، بحسب المصادر، ستكون مستقلة ومموّلة من الدول المانحة، وتخضع لإشراف لجنة دولية يرأسها نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي السابق لعملية السلام، والذي سيوقّع بروتوكول عمل اللجنة إلى جانب علي شعث.

هذا الترتيب يعني عمليًا إخضاع القرار المالي الفلسطيني لرقابة دولية مشروطة، وربطه بنموذج “نبذ الإرهاب” الذي سيُطلب من كل عضو في اللجنة التوقيع عليه. وهو شرط سياسي–أمني بامتياز، يعيد إنتاج منطق “التمويل مقابل السلوك”، ويحوّل إعادة إعمار غزة إلى أداة ضغط سياسية.

كما أن وضع اللجنة تحت إشراف “مجلس السلام الدولي” الذي يرأسه ترامب، يعمّق الطابع الوصائي للتجربة، ويجعلها أقرب إلى إدارة انتدابية غير معلنة، لا إلى إدارة انتقالية وطنية.

فرص النجاح: الممكن المحدود

نظريًا، تمتلك اللجنة بعض عناصر النجاح الجزئي. فوجود كفاءات مهنية قد يسهّل إدارة الملفات الخدمية العاجلة في قطاع منكوب، ويتيح إعادة تشغيل بعض المرافق الحيوية، خصوصًا إذا توافرت أموال الإعمار وجرى فتح المعابر بشكل منتظم.

كما أن الرعاية المصرية، وتوافق فصائل فلسطينية وازنة في القاهرة – بما فيها حماس والجهاد والجبهات – قد يوفّر غطاءً سياسيًا مؤقتًا، يمنع انفجارًا داخليًا سريعًا، ويُستخدم كمدخل لوقف الحرب وتخفيف الخروقات الإسرائيلية.

لكن هذه الفرص تبقى محدودة ومشروطة، ولا ترقى إلى ضمان استقرار أو بناء حكم مستدام.

التحديات البنيوية والتهديدات الكامنة

أول وأعمق التحديات يتمثل في غياب الشرعية الشعبية. لجنة غير منتخبة، ومفروضة بشروط دولية، تعمل في ظل احتلال فعلي، ستواجه حتمًا أزمة قبول مجتمعي، خصوصًا في قطاع قدّم عشرات آلاف الشهداء دفاعًا عن حقه في تقرير المصير.

ثانيًا، التحدي الأمني. فالفصل القسري بين الإدارة المدنية والمقاومة المسلحة، دون حل سياسي شامل، يخلق ازدواجية سلطة، ويهدد بانفجارات أمنية في أي لحظة، خاصة إذا استُخدمت اللجنة كأداة لتجفيف بيئة المقاومة.

اقرأ أيضا: تكنوقراط تحت الوصاية: إدارة غزة كأداة للمرحلة الثانية الأمريكية

ثالثًا، التهميش المتعمّد للسلطة الفلسطينية. فرغم الحديث عن “تمكين لاحق” للسلطة، إلا أن استبعادها من تشكيل اللجنة، ومنحها دورًا ثانويًا في الملفات المالية والإشراف الدولي، يعمّق أزمة النظام السياسي الفلسطيني بدل حلّها.

وأخيرًا، يبقى الاحتلال الإسرائيلي هو المحدد الأعلى لفشل أو نجاح أي تجربة. فدون إنهاء السيطرة العسكرية على غزة، وضمان حرية الحركة والسيادة على المعابر والموارد، ستبقى أي لجنة مجرد مدير أزمة تحت رحمة الاحتلال.

لجنة تكنوقراط غزة، بصيغتها المطروحة، ليست حلًا سياسيًا بقدر ما هي إدارة أزمة مؤقتة تهدف إلى ضبط القطاع ومنع انفجاره، لا إلى تمكينه. هي تجربة محكومة بالوصاية، محدودة الصلاحيات، مشروطة التمويل، ومفتوحة على كل احتمالات الفشل، ما لم تُدمج ضمن مسار وطني شامل يعالج جذور الصراع، ويعيد الاعتبار لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه في اختيار من يحكمه.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال

علي شعث رئيسا لـ"تكنوقراط غزة": ما الذي نعرفه عن اللجنة التي ستدير القطاع؟ - موقع نيوز 180 | تحقيقات 180°