تقترب الولايات المتحدة من إعلان تشكيل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لإدارة الشؤون اليومية في قطاع غزة المدمر، في خطوة تهدف إلى تقويض نفوذ حركة حماس، وفق ما نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين مطلعين.
وتعيد لجنة التكنوقراط المزمع تشكيلها لإدارة غزة، إلى الأذهان، التجارب السابقة من الإدارات الانتقالية. فقد شهدت مناطق النزاع التاريخية تجارب متباينة في قيام إدارات انتقالية دولية أو محلية. ففي كوسوفو وتيمور الشرقية بعد حروب 1999، وسَّطت الأمم المتحدة إدارتين انتقاليتين كاملتي الصلاحيات، في حين طبقت سلطات أمريكية أو محلية أخرى نماذج مختلطة في العراق وجنوب السودان وفلسطين وليبيا.
سنسلط الضوء هنا على 6 تجارب سابقة (UNMIK في كوسوفو، UNTAET في تيمور الشرقية، سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق، حكومة جنوب السودان الانتقالية بعد نيفاشا، السلطة الفلسطينية ما بعد أوسلو، والإدارة الليبية المؤقتة في طرابلس) ونقارن بينها وبين تجربة غزة، فقاً للمعايير الخمسة التالية: السياق السياسي والتدخل الدولي، الطابع القانوني للهيئة، درجة السيادة والارتباط بالقوى الأجنبية، تحديات التمويل والأمن، وفرص الاستدامة أو الفشل.
إدارة الأمم المتحدة في كوسوفو (UNMIK)
في أعقاب حرب كوسوفو (1999) دخلت الأمم المتحدة بالقرار 1244 مجلس الأمن لتسيير شؤون الإقليم المتمرد. أنشأ المجلس بعثة الإدارة المؤقتة في كوسوفو (UNMIK) بمنحها صلاحيات تشريعية وتنفيذية كاملة، حيث تولت الأمم المتحدة إدارة الأرض ومواردها بالكامل. وفق هذا الإطار، لم يكن هناك أي حكم ذاتي محلي حقيقي في البداية؛ بل جُدّدت القوانين السابقة بمرسوم أممي، وعُيّن مسئولو UNMIK في كل منطقة ومجلس بلدي لإدارة شؤون الناس. ومع مرور الوقت أنشأت الأمم المتحدة “هيئات حكم ذاتي مؤقتة” بمشاركة رمزية للألبان والأقليات، بما في ذلك برلماناً وحكومة مؤقتة (المؤسسات الذاتية المؤقتة) بحلول 2001. إلا أن السلطة الفعلية بقيت بأيدي ممثلي الأمم المتحدة وليس بحكومة منتخبة من السكان المحليين. من الناحية القانونية، كانت UNMIK كياناً أممياً مستقلاً بقوانين خاصة (Constitutional Framework) ولا تملك سلطة خاضعة للشعب الكوسوفي إلا تدريجياً.

من حيث السيادة والارتباط بالخارجيين، عملت UNMIK تحت إشراف مجلس الأمن مع قوة حفظ سلام (KFOR) بقيادة الناتو. وبقيت كوسوفو فعلياً تحت انتداب دولي لحين إعلان استقلالها عام 2008. أما من الناحية المالية، فكانت البعثة تمول سنوياً من حساب خاص بالأمم المتحدة، إنفاقها كان من موازنة المانحين الدوليين (ميزانية حوالي 44 مليون دولار لسنة 2021). وميدانياً، مرت كوسوفو باضطرابات أمنيّة (مثل أعمال العنف 2004) لكن وجود القوة الدولية مكّن من فرض الاستقرار الجزئي. تمثل نموذج UNMIK إدارة أممية كاملة مع آلية انتقال للسيادة إلى حكومة محلية لاحقاً. واستمرت تجربة كوسوفو بانفصال نسبي عن الدولة الأم (صربيا) وحصولها على استقلال فعلي، رغم استمرار التوترات العرقية وعدم اعتراف بعض الدول به.
إدارة الأمم المتحدة في تيمور الشرقية (UNTAET)
بعد موافقة إندونيسيا على استفتاء تقرير مصير في أغسطس 1999، شهدت تيمور الشرقية موجة عنف عنيفة. اجتمعت القوى الدولية ودعت الأمم المتحدة لتسيير إدارة مؤقتة في الأراضي المُحررة. وبموجب قرار مجلس الأمن 1272 (1999)، أُنشئت إدارة انتقالية موحدة (UNTAET) من أكتوبر 1999، كانت «مسؤولة بالكامل عن إدارة تيمور الشرقية خلال انتقالها إلى الاستقلال». تولَّت بعثة UNTAET مهام الأمن والقانون (بعد حل قوات الاحتلال الإندونيسية)، وبناء الإدارة المدنية والخدمات، وتنسيق المساعدات الإنسانية والتنمية.

أطلق المجتمع الدولي وعوداً مالية هائلة لدعم الانتقال؛ ففي مؤتمر مانحين بطوكيو (ديسمبر 1999) تعهّد المانحون بأكثر من 520 مليون دولار لدعم الأنشطة الانتقالية في تيمور. وبقي القائد المدني (المفوض السامي) والأمين العام للأمم المتحدة أشخاصاً أجانب بسلطات تنفيذية وتشريعية عريضة. بيد أن الإدارة الأممية سرعان ما أدمجت مشاركة محلية من خلال إنشاء «المجلس الاستشاري الوطني» (11 تيمورياً و4 أمميين) لإشراك النخبة التيمورية في وضع تشريعات أساسية (الميزانية، والنظام القانوني، والجمارك، والمحاكم الأولى). ثم أقيمت هيئات دائمة مختلطة (برلمان مؤقت وحكومة) وأُجريت انتخابات أولية في عام 2001، تمهيداً لصياغة دستور واعتماد عملة مستقلة.
بالنسبة للمستقبل، انتهت مهمة UNTAET بتحقق الاستقلال الرسمي لتيمور الشرقية عام 2002، ما يعني نجاح النموذج في بناء دولة جديدة. ورغم التحديات الأمنية واللوجستية الكبيرة في أعقاب العنف، عجز أي فصيل محلي آنذاك عن مقاومة الإدارة الأممية الفاعلة المدعومة بالخبرات الدولية والشرطة الدولية. تُظهر تجربة تيمور أن الإدارة الأممية الانتقالية «تكنوقراطية» بأيدي الأمم المتحدة، تكلّف بإعادة بناء الدولة من الصفر، وتدعمها تمويلات كبيرة، وتنتهي بنقل السلطة إلى حكومة منتخبة (هوالاستقلال).
سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق (2003-2004)
على عكس إدارات الأمم المتحدة، كانت تجربة العراق حصيلة احتلال عسكري غير معلن دوليًا بقرار أممي. بعد غزو العراق عام 2003 بإسناد أمريكي-بريطاني، أنشأت واشنطن «سلطة الائتلاف المؤقتة» (CPA) بقرار داخلي لإدارة شؤون العراق بصفة انتقالية. استندت CPA إلى قرار مجلس الأمن 1483 (مايو 2003) الذي عرف الولايات المتحدة والدول الحليفة كمحتلين يُشرفون على المنطقة، ولكنه نَسَبها إلى «قانون الاحتلال»، ما أعطاها غطاءً قانونياً محدوداً.
![]()
تولّت سلطة الائتلاف جميع السلطات التنفيذية والتشريعية عبر أوامر تنفيذية (orders) طبقتها وفوقها الغاء أو تعديل القوانين السابقة. ومن أوامره الشهير حل الجيش العراقي وتطبيق «إبطال» لنظام البعث وإصلاحات اقتصادية جذرية (خصخصة القطاع العام، تعديل قوانين الاستثمار والضرائب). أخضعت CPA كل الموارد العراقية، فتدفقت عشرات المليارات من الدولارات من صندوق تنمية العراق لاستعمالات الإنفاق. وفي المقابل، كانت السلطة غير منتخبة بالكامل وهي سلطة احتلالية بالأصل، ما جعلها مقبولة دولياً فقط عبر القوى الحليفة وليس شعبياً.
من الناحية الأمنية، رافقت CPA عمليات عسكرية أمريكية واسعة لمكافحة العصيان، لكنها عجزت عن منع انتشار المقاومة المسلحة. وبما أن سيادة العراق الفعلية منحت لاحقاً للحكومة المؤقتة العراقية (يونيو 2004)، فقد انتُقِدَت السلطة الانتقالية لتحميلها المسؤولية عن فشل إعادة بناء المؤسسات بسرعة ونشوء الفساد والفتنة المذهبية. ويمكن القول أن نموذج العراق يختلف جوهرياً: فهو سلطة استيطان احتلالي تقوده قوى عسكرية وبلا مشاركة شعبية، أعادت بناء الدولة نهضوياً دون الانتقال إلى حكم ذاتي، وقد فشلت في تحقيق استقرار دائم.
الإدارة الانتقالية في جنوب السودان (ما بعد اتفاق نيفاشا)
أُبرم اتفاق السلام الشامل (اتفاقية نيفاشا) بين حكومة الخرطوم والحركة الشعبية لتحرير السودان في يناير 2005، منهياً أطول حروب أهلية في أفريقيا. نصّ الاتفاق على منح جنوب السودان «حكمًا ذاتيًا فعليًا» لمدة سبع سنوات، مع احتفاظ السودان بشمال موحد. نشأت بموجبه هيئات انتقالية: حكومة وطنية مشتركة في الخرطوم (بإجماع الرئيس عمر البشير والنائب الأول سلڤا كير)، وحكومة منتخبة للجنوب (رئاسياً وبرلماناً). وُزِّعت عائدات النفط بالتساوي تقريباً، واتُفقَ على ترتيبات أمنية لفك الارتباط التدريجي بين القوات الحكومية وجيش الجنوب، بالإضافة إلى تحديد الحدود النهائية وإدارة المناطق المتنازع عليها.
قانوناً، حصل جنوب السودان على حكم ذاتي واسع بموجب الاتفاق، وهو ما مكّن قيادته من تولي مهام الحكم الكاملة داخلياً دون قوات أجنبية على أرضه (عدا بعثة حفظ سلام دولية محدودة). عملياً، أُنشئت مؤسسات تنفيذية وتشريعية جنوبية، وأُجريت انتخابات وطنية في 2010، تلتها استفتاءات على تقرير المصير. كانت التجربة مدعومة دولياً بهبات تنموية وضمانات سياسة (المجموعة الرباعية والمجتمع الدولي)، لكن تمويل الجنوب اعتمد بشكل رئيس على النفط ومستحقات الحكومة المركزية. نجحت المرحلة الانتقالية بحصول الجنوب على الاستقلال عام 2011 عقب تصويت ساحق في الاستفتاء.
مع ذلك، واجهت الحكومة الانتقالية تحديات أمنية داخلية كبيرة (مثل تمرد في جبال النوبة)، وعانت من ضعف المؤسسات وهشاشة الحكم بعد الانفصال. ورغم استقلالها، دخلت جنوب السودان نزاعاً أهلياً جديداً عام 2013 تسبب في دمار إضافي. مما يشير إلى أن تجربة جنوب السودان نجحت في إقامة دولة مستقلة بعد مسار انتقال ديمقراطي جزئي، لكنها لم تفرز استقراراً مضموناً في الأجل البعيد.
السلطة الفلسطينية ما بعد اتفاق أوسلو (1993–الآن)
تشكَّلت السلطة الفلسطينية عام 1994 نتيجة مباحثات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. وقد وُجدت كـ«هيئة حكم ذاتي انتقالية» محدودة الصلاحيات في أجزاء من الضفة وغزة. قانونياً، استندت السلطة إلى سلسلة من الاتفاقات (إعلان المبادئ وملحق غزة وأريحا) وإلى تشريع إسرائيلي مؤقت. ومنذ البداية، بقيت تحت سيطرة جزئية للإدارة الإسرائيلية: التنسيق الأمني في الضفة كان دائماً بتوجيه إسرائيلي وثيق، وكانت مفاتيح الاقتصاد (الجمارك والإيرادات الضريبية) تخضع لتنظيم عبر بروتوكول باريس مع تبعية اقتصادية كاملة.

تشريعيًا وتنفيذيًا، ضمت السلطة رؤساء وزراء ووزراء يعينهم الرئيس (أولاً عرفات ثم عباس)، ومع ذلك أجريت انتخابات تشريعية في 1996 و2006. إلا أن انقسام السلطة مع حركة حماس منذ 2007 (حيث تعمل حماس في غزة بموازاة سلطة الضفة) عزز غياب الاستقرار السياسي الداخلي. إذ وصفت دراسات الوضع الفلسطيني بعد أوسلو بأنه «عبء ضخم ومصدر التباس» إذ حبَّس المؤسسات الفلسطينية في «نظام تعاوني معيـب» يسمح بتآكل مكتسبات الشعب تدريجياً.
من حيث السيادة، كانت السلطة مكتوفة اليدين: لم تنسحب إسرائيل من الضفة أو غزة بالكامل (إسرائيل ما زالت تسيطر على أمن الحدود والمناطق المصنفة C). وتوفر الدعم المالي للسلطة تمويلات خارجية منتظمة (أموال المانحين، إعانات قطرية أو غربية، وإيرادات عائدات النفط المحلية)، غير أنها تُعاني من أزمات مالية بسبب الكتل الإسرائيلية الدورية للمعابر. كما أنتج تفويض الأجنبي (إسرائيل) سياسة الأمن المشتركة، فأصبحت السلطة مشاركة في أعمال مكافحة «الإرهاب» (المقصود بها التصدي للمقاومة) بوصفها مقاولاً فرعياً لإسرائيل في الضفة.
باختصار، تُعد السلطة الفلسطينية نموذجاً لحكم ذاتي جزئي – سياسي وهجين – نشأ بوساطة دولية (بإشراف أمريكي وأوروبي) ولكن ضمن منظومة الاحتلال. نجحت السلطة جزئياً في إقامة مؤسسات مدنية (شرطة ومدارس وإدارات)، إلا أن هذه المؤسسات ظلت ضعيفة ومنقسمة، وفشلت في تحويل الحكم الانتقالي إلى دولة فلسطينية مستقلة.
إدارة طرابلس في ليبيا بدعم دولي
بعد سقوط نظام القذافي عام 2011 بدعم حلف الناتو، قام المجلس الوطني الانتقالي (يقود الائتلاف الثوري) بإعلان إدارة مؤقتة بطرابلس. هذه الهيئة – التي اعتمدها الغرب رسمياً في ذلك الوقت – وضعت جدولاً زمنياً للتحول الديمقراطي وإصدار دستور جديد. لكن الإدارة المؤقتة كانت تفتقر للاعتراف الشعبي والإطار المؤسساتي الفعال، فتولى عشرات الآلاف من المقاتلين الثوار (الذين رفضوا التسليم السلمي) مهام أمنية وانتشار للنفوذ مناطقيًا. ولم تحقق انتخابات التأسيسي في 2012 أهدافها بالكامل بسبب صراعات الميليشيات وفراغ أمني، مما أضعف شرعية المجلس الوطني ومرشحاته.
لاحقاً، ومع تصاعد الانقسامات، أُبرم الاتفاق السياسي الليبي في الصخيرات (ديسمبر 2015) برعاية الأمم المتحدة، والذي أنشأ «حكومة الوفاق الوطني» (GNA) ومجلساً رئاسياً يقوده فايز السراج. هذه الحكومة المعترف بها دولياً كان لها حضور في طرابلس وكانت ممولة ضمن ميزانية وطنية، حيث تعهد مجلس الأمن بدعمها. ومع ذلك، بقيت صلاحياتها العملية محدودة للغاية. فقد ظل هناك برلمانان متنافسان (طبرق وبرلمان طرابلس)، ومحاور قوة موازية يسيطر عليها اللواء خليفة حفتر في الشرق. يقول محللون غربيون إن «مجلس الأمن الدولي اعترف رسمياً بحكومة الوفاق» لكن «السراج بقي عالقاً في طرابلس مع سلطة حكم صغيرة جداً».
من حيث التمويل، اعتمدت حكومة طرابلس على إيرادات النفط، إلا أن السيطرة على المنشآت النفطية كانت أيضًا طرفية، فتأثر عائد الميزانية بالأحداث الميدانية. أما أمنياً، فقد انتشرت الجماعات المتشددة (مثل داعش في سرت) وتقاتلت الميليشيات المحلية، مما دفع بعلميات عسكرية خارجية (مصر، والإمارات) لدعم حفتر. بوجه عام، كانت الإدارة الليبية المؤقتة نموذجًا دوليًا مختلطًا: حظيت بدعم أممي وإقليمي وسياسي دولي، إلا أنها افتقرت للتماسك الداخلي واستقلالية القرار، مما جعل فرص تحويلها إلى سلطة مستقرة ضعيفة نسبيًا.
مستقبل "لجنة تكنوقراط غزة"
في ضوء ما سبق، تبدو مقترحات “المرحلة الثانية” لخطة إدارة غزة المطروحة أمريكيًا مناقضة إلى حد بعيد لمعظم النماذج التاريخية. فقد اقترحت إدارة ترامب أن تُدير غزة "لجنة فلسطينية تكنوقراطية غير سياسية" تحت إشراف هيئة دولية انتقالية (مجلس السلام) يرأسها هو. قانونياً، لا تستند هذه الخطة إلى قرار أممي أو اتفاق دولي ملزم، بل هي مبادرة سيادية أمريكية إسرائيلية بحتة. وهذا يختلف عن UNMIK وUNTAET اللتين تقرهما قرارات مجلس الأمن الدولية، وفرق أيضًا عن الاتفاقيات التشاركية مثل أوسلو أو نيفاشا التي وُقعت بوساطة دولية مع شرعية موقعة من الطرفين.
أما من حيث تمثيل السكان، فـ«لجنة تكنوقراط غزة» لن تكون ممثلة للمواطنين عبر انتخابات، بل من المفترض أن تضم خبراء مختارين بالتوافق الدولي والمحلي. وهذا يختلف عن تجارب أخرى مثل جنوب السودان (انتخابات مؤقتة) أو السلطة الفلسطينية (انتخاب أو تعيين من قيادات منظمة التحرير) أو UNTAET (مؤتمر تأسيسي). سينتج عن ذلك شُحٍّ في الشرعية الشعبية المحلية، خاصّة مع استبعاد حماس والقوى الأخرى عن الحكم بـصيغة الخطة.
أكبر الفوارق تتعلق بدور الاحتلال الإسرائيلي. في النماذج السابقة، إما انسحب المحتل تدريجيًا (كوسوفو بعد 2008)، أو وُجد اتفاق إنساني حول إدارة شؤون المحرر (تيمور بعد انسحاب إندونيسيا)، أو اشترط تسوية سياسية (جنوب السودان)، أو بقي احتلال محدود الأفق (الضفة وغزة في إطار أوسلو). أما غزة في الخطة الأمريكية فهي لا تزال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية المطلقة؛ فترامب نفسه شدد على أن إسرائيل لن تعيد احتلال القطاع، وأن الشرطة الإسرائيلية ستستمر بضمان الأمن على الحدود أثناء تشكيل قوى أمنية فلسطينية جديدة. بمعنى آخر، ستعمل اللجنة التقنية في ظل ظروف احتلال جزئي مستمر، ما يؤثر سلبًا على سيادتها وحريتها في إدارة القطاع.
فيما يخص التمويل والاستقرار الأمني، تعتمد الخطة على مساعدات دولية واستثمارات مقترحة، لكنها تفتقر إلى آليات دائمة. نُصَّ على أن التمويل سيُدار بنزاهة دولية، لكن لم تُوضح مصادره الثابتة. وبموازاة ضعف أي دعم محلي حقيقي، قد تواجه اللجنة صعوبات مالية إذا انقطع عنها الدعم الأجنبي. أمنياً، يقترح المحتوى نشر قوة استقرار دولية متدربة لمساعدة الشرطة الفلسطينية، لكن ثمة شكوك حول قدرة أي قوة خارجية على ضمان أمن داخلي، خاصة مع بقاء آلاف المسلحين الفصائل في نطاق القطاع.
أخيرًا، فرص نجاح تجربة اللجنة التكنوقراطية في غزة تبدو ضئيلة مقارنة بما تحقق في النماذج السالفة. فالتجارب التي نجحت (مثل تيمور الشرقية) تميزت بحقوق انتدابية دولية واضحة وتصميم داخلي شامل. والتجارب الفاشلة (العراق، ليبيا الحالية) كانت أسيرة انقسامات وتآمر خارجي.
لجنة تكنوقراط غزة ستعاني من نقص الغطاء القانوني (فهي ليست جزءًا من أي معاهدة معترف بها)، ومن قِلة تمثيل الشعب المحلي (فليس لها سند شعبي أو برلمان)، ومن تأثير الاحتلال الإسرائيلي المباشر (الذي يحتفظ بالسيطرة على الحدود والجو والبحر، ويشرف على جميع عمليات إعادة الإعمار). كل هذا يجعلها أشبه بـ«إدارة فوقية» مفروضة من الخارج وليست نموذجا انتقاليا مستداماً. وعلى هذا الأساس، تحذر التحليلات من أن فرض هيكل حكم تقني في غزة بلا تغيير جذري في قواعد الصراع قد يؤدي إلى مأزق مماثل لتلك التي تمر بها سلطة الضفة منذ أوسلو، وربما يعيد إنتاج حالة من الفشل السياسي بدلاً من تمكين القطاع.









