في خطوة تمثل كسرًا واضحًا للاصطفاف التقليدي مع أمريكا، أعلنت كندا موافقتها على خفض التعرفة الجمركية البالغة 100% المفروضة على السيارات الكهربائية الصينية، مقابل تخفيضات كبيرة على الرسوم الصينية المفروضة على المنتجات الزراعية الكندية. القرار أعلنه رئيس الوزراء مارك كارني، عقب يومين من الاجتماعات المكثفة مع القيادة الصينية في بكين.
وبحسب كارني، سيجري فرض سقف سنوي مبدئي يبلغ 49 ألف سيارة كهربائية صينية تدخل السوق الكندية، على أن يرتفع تدريجيًا إلى نحو 70 ألف سيارة خلال خمس سنوات. في المقابل، ستخفض الصين الرسوم على بذور الكانولا، أحد أهم صادرات كندا الزراعية، من 84% إلى نحو 15%، ما يعيد فتح سوق حيوية كانت شبه مغلقة أمام المنتجين الكنديين.
مقارنة مع واشنطن
لم يخفِ كارني أن بكين باتت شريكًا «أكثر قابلية للتنبؤ» مقارنة بأمريكا، الحليف التاريخي والجار الجغرافي لكندا. وقال إن العلاقات مع الصين شهدت تقدمًا ملموسًا في الأشهر الأخيرة، انعكس في نتائج عملية على الأرض، في إشارة غير مباشرة إلى تعثر المفاوضات مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وفشل كارني حتى الآن في التوصل إلى اتفاق مع ترامب لتخفيف الرسوم الأمريكية التي تضرب قطاعات حيوية من الاقتصاد الكندي، في وقت سبق أن تحدث فيه ترامب علنًا عن تحويل كندا إلى «الولاية الأمريكية الحادية والخمسين»، ما أثار غضبًا واسعًا في الأوساط السياسية الكندية.
تقارب سياسي متجدد
جاء الإعلان التجاري في سياق سياسي أوسع، إذ تعهد كارني والرئيس الصيني شي جين بينغ بتحسين العلاقات الثنائية بعد سنوات من التوتر. وخلال لقاء في قاعة الشعب الكبرى، أكد شي استعداده لمواصلة العمل على تطوير العلاقات، مشيرًا إلى أن اجتماعًا سابقًا جمعهما في أكتوبر الماضي على هامش مؤتمر اقتصادي إقليمي في كوريا الجنوبية فتح «فصلًا جديدًا» في العلاقات بين البلدين.
ووصف كارني، وهو أول رئيس وزراء كندي يزور الصين منذ ثماني سنوات، هذه الاجتماعات بأنها «تاريخية ومثمرة»، معتبرًا أن تحسين العلاقات مع بكين يساهم في إصلاح نظام الحوكمة العالمية الذي وصفه بأنه «يتعرض لضغوط شديدة».
أزمة الحوكمة العالمية
أشار كارني إلى أن النظام الاقتصادي العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية قد يتراجع لصالح ترتيبات ثنائية أو إقليمية، بدلًا من الأطر متعددة الأطراف. وتساءل علنًا عن طبيعة النظام الذي سيحل محل هذا النموذج، وعن مدى تماسكه أو تحوله إلى «فسيفساء» من الاتفاقيات المتفرقة.
هذا التحول، وفق كارني، يعكس إلى حد كبير نهج «أمريكا أولًا» الذي يتبناه ترامب، والذي أدى إلى فرض رسوم جمركية أضرت بالاقتصادين الكندي والصيني على حد سواء. وأكد أن حكومته تعمل على بناء اقتصاد أقل اعتمادًا على السوق الأمريكية، في ظل ما وصفه بـ«مرحلة اضطراب عالمي في التجارة».
ارتياح قطاع الأعمال
لاقى التقارب الكندي الصيني ترحيبًا في أوساط رجال الأعمال. ووصف جاكوب كوك، الرئيس التنفيذي لشركة WPIC للتسويق والتقنيات، زيارة كارني بأنها «مغيرة لقواعد اللعبة»، معتبرًا أنها أعادت الحوار والاحترام ووضعَت إطارًا جديدًا للعلاقة بعد سنوات من القطيعة.
وأكد كوك أن الطرفين لم يكونا يتحدثان فعليًا منذ أعوام، وأن هذه الزيارة كسرت الجمود السياسي والاقتصادي الذي خيّم على العلاقات الثنائية.
كندا وإرث ترودو الجمركي
كانت كندا قد انسجمت مع أمريكا في عهد رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، وفرضت رسومًا بنسبة 100% على السيارات الكهربائية الصينية، و25% على الصلب والألمنيوم. وردت الصين حينها بفرض رسوم مماثلة على زيت ووجبة الكانولا، و25% على لحم الخنزير والمأكولات البحرية، إضافة إلى تعرفة بلغت 75.8% على بذور الكانولا في أغسطس الماضي.
وأدت هذه الإجراءات عمليًا إلى إغلاق السوق الصينية أمام الكانولا الكندية، ما تسبب في تراجع واردات الصين من كندا بنسبة 10.4% العام الماضي، لتصل إلى 41.7 مليار دولار، وفق بيانات التجارة الصينية.
صناعة السيارات المحلية
سعى كارني لطمأنة شركات السيارات والعمال الكنديين، مؤكدًا أن سقف استيراد السيارات الكهربائية الصينية لا يتجاوز 3% من إجمالي مبيعات السيارات السنوية في كندا، التي تبلغ نحو 1.8 مليون مركبة. وأوضح أن الاتفاق يتضمن توقعات ببدء استثمارات صينية في صناعة السيارات الكندية خلال ثلاث سنوات.
وأشار إلى أن أكثر من نصف السيارات الكهربائية الصينية المصدرة إلى كندا ستكون بأسعار تقل عن 35 ألف دولار كندي خلال خمس سنوات، ما يجعلها في متناول شريحة واسعة من المستهلكين، ويساهم في توفير سيارات ميسورة التكلفة في وقت تتصدر فيه أزمة الغلاء أولويات الكنديين.
الصين واستغلال الفرصة
ترى بكين في ضغوط ترامب على حلفائه، ومنهم كندا، فرصة لدفعهم نحو سياسات خارجية أقل ارتباطًا بواشنطن. ورغم ذلك، شدد كارني على أن علاقة كندا بأمريكا أعمق وأكثر تشعبًا من أي علاقة أخرى، مؤكدًا أن الخلافات مع الصين، خصوصًا في ملفات حقوق الإنسان، لا تزال تحد من نطاق التعاون.
ومن المقرر أن يغادر كارني الصين السبت، متوجهًا إلى قطر قبل مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا، حيث سيعقد لقاءات مع قادة أعمال ومستثمرين للترويج للتجارة والاستثمار الكندي في مرحلة إعادة تموضع اقتصادي عالمي.










