20 يوليو 2026|القاهرة 28 °

قتلى في الجزيرة السورية: اتفاق هش على حافة الانفجار العسكري

إعلان الجيش السوري مقتل 3جنود وإصابة آخرين بعد عمليتي استهداف في منطقة الجزيرة السورية، بالتوازي مع حديث «قسد» عن اشتباكات عنيفة في محيط سجن «الأقطان» في الرقة، كشف أن خطوط التماس لم تُجمَّد فعليًا

بقلم: عمرو المصري
٢٠ يناير ٢٠٢٦
6 دقائق قراءة
13 مشاهدة
قيادة الأمن الداخلي السورية

قيادة الأمن الداخلي السورية

منذ لحظة الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار بين الجيش السوري و«قوات سوريا الديمقراطية»، بدت التهدئة أقرب إلى تفاهم ورقي منه إلى تسوية ميدانية راسخة، إذ جرى توقيعها في ظل اشتباكات مفتوحة، وانتشار متداخل للقوات، وغياب آليات ضبط فعلي على الأرض. الاتفاق، الذي قُدّم بوصفه امتدادًا لروح تفاهم مارس، لم يُبنَ على معالجة جذور الصراع، بل اكتفى بوقف النار الشكلي وإعادة انتشار جزئية، ما جعله عرضة للاختراق منذ ساعاته الأولى.

إعلان الجيش السوري مقتل ثلاثة جنود وإصابة آخرين بعد عمليتي استهداف في منطقة الجزيرة، بالتوازي مع حديث «قسد» عن اشتباكات عنيفة في محيط سجن «الأقطان» في الرقة، كشف أن خطوط التماس لم تُجمَّد فعليًا، وأن وحدات ميدانية لدى الطرفين ما زالت تتصرف بمنطق الاشتباك لا بمنطق التهدئة.

تضارب السرديات

أحد أبرز عوامل هشاشة الاتفاق يتمثل في التضارب الحاد في الروايات العسكرية والسياسية. دمشق تتحدث عن مجموعات «إرهابية» مرتبطة بـ«حزب العمال الكردستاني» وفلول النظام السابق تعمل على تخريب الاتفاق، فيما تصرّ «قسد» على أن ما يجري هو هجمات من «فصائل حكومة دمشق» على مواقعها رغم وقف إطلاق النار.

هذا التضارب لا يعكس فقط حربًا إعلامية، بل يكشف غياب غرفة تنسيق مشتركة، وافتقار الاتفاق إلى تعريف واضح لمن هو الطرف المنضبط ومن هو الطرف «المُخرِّب»، وهو فراغ يسمح لكل طرف بتبرير التصعيد تحت عنوان الدفاع أو الرد، ويحوّل أي حادث أمني محدود إلى شرارة اشتباك أوسع.

سجن داعش كفخ

يشكّل سجن «الأقطان» في الرقة، الذي يضم معتقلي تنظيم داعش، نقطة الانفجار الأخطر في معادلة التهدئة. تحذير «قسد» من محاولات الوصول إلى السجن والسيطرة عليه ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس إدراكًا بأن أي خلل أمني في هذا الموقع قد يعيد فتح ملف داعش بوصفه فاعلًا ميدانيًا، لا مجرد تهديد كامن.

من زاوية عسكرية، فإن السجون والمخيمات التي تضم عناصر التنظيم تمثل «نقاط انهيار» لأي تهدئة، إذ يكفي اشتباك محدود أو انسحاب غير منسّق لخلق فوضى أمنية واسعة، وهو ما يجعل السيطرة عليها مسألة سيادية حساسة بالنسبة للدولة السورية، في مقابل استخدامها ورقة ضغط استراتيجية من قبل «قسد».

انسحاب ملتبس

إعلان مظلوم عبدي الموافقة على الانسحاب الكامل من الرقة ودير الزور وإعادة التموضع في الحسكة، قُدّم بوصفه تنازلًا يهدف إلى «حقن الدماء»، لكنه في الواقع انسحاب مشروط وملتبس. فالانسحاب لم يترافق مع تسليم واضح للنقاط، ولا مع جدول زمني مُلزِم، ولا مع آلية إشراف ميداني محايدة.

هذا الغموض يسمح بظهور فراغات أمنية مؤقتة، تُستغل إما من خلايا مسلحة، أو من أطراف رافضة للاتفاق داخل بنية «قسد» نفسها، أو حتى من قوى خارجية ترى في الفوضى فرصة لإعادة خلط الأوراق في شرق سورية.

خطاب مزدوج

في الوقت الذي يتوجه فيه عبدي إلى دمشق للقاء الرئيس أحمد الشرع، ويؤكد التزامه بالاتفاق، تصدر القيادة العامة لـ«قسد» بيانًا يدعو الأكراد في سورية وتركيا والعراق وإيران وأوروبا إلى «الانخراط في صفوف المقاومة». هذا الخطاب المزدوج يضرب جوهر التهدئة، لأنه ينقل الصراع من مستوى تفاوضي داخلي إلى مستوى تعبئة عابرة للحدود.

سياسيًا، تعني هذه الدعوة أن «قسد» لم تحسم خيارها بين الاندماج في الدولة السورية أو الاستمرار كقوة فوق-وطنية مرتبطة بأجندة إقليمية، وهو ما يضعف الثقة بأي التزام طويل الأمد، ويجعل الاتفاق مرحليًا وقابلًا للانقلاب.

اتهامات المجازر

تصريحات وزارة الداخلية السورية حول متابعة تقارير عن «مجازر» في الحسكة على يد عناصر «قسد»، واستهداف متظاهرين احتفلوا بتوقيع الاتفاق، تضيف بُعدًا بالغ الخطورة. فحين تتحول التهدئة إلى لحظة عنف ضد المدنيين، فإنها تفقد أي غطاء سياسي أو اجتماعي، وتتحول إلى عامل تأجيج بدل تهدئة.

هذه الوقائع، إن ثبتت، تعني أن «قسد» تواجه أزمة ضبط داخلي، وأن قرار وقف النار لم يُترجم إلى أوامر صارمة في الميدان، ما يفتح الباب أمام انشقاقات سلوكية قد تتوسع مع أي ضغط عسكري.

انتشار الدولة

في المقابل، شرعت القوات السورية في الانتشار المنظم في ريف دير الزور الشرقي، وتأمين طريق M4، وسد تشرين، وريف الرقة الشمالي، وريف الحسكة الغربي، في خطوة تعكس مقاربة الدولة القائمة على فرض الوقائع الميدانية بالتوازي مع التفاوض.

هذا الانتشار يحمل رسالة مزدوجة: استعداد سياسي للاتفاق، وحزم عسكري في منع انهياره بالقوة. لكنه في الوقت ذاته يرفع منسوب الاحتكاك، خاصة إذا لم يُنسّق بدقة مع انسحابات «قسد»، ما يجعل أي خطأ تكتيكي شرارة اشتباك واسع.

الدور الأمريكي

حضور المبعوث الأمريكي توم براك في توقيع الاتفاق يمنحه غطاء دوليًا، لكنه لا يضمن صلابته. التجربة السورية تشير إلى أن الرعاية الأمريكية غالبًا ما تركز على إدارة الصراع لا حسمه، وعلى منع الانفجار الكبير لا معالجة أسبابه.

غياب ضمانات تنفيذية واضحة، أو ضغط فعلي على «قسد» لتفكيك بنيتها العسكرية الموازية، يجعل الدور الأمريكي أقرب إلى وسيط مؤقت منه إلى ضامن استقرار، خاصة في ظل تضارب المصالح الأمريكية بين محاربة داعش، واحتواء إيران، ومنع تمدد الدولة السورية الكامل شرق الفرات.

سيناريوهات الانهيار

نحن أمام عدة سيناريوهات. السيناريو الأول لانهيار التهدئة يتمثل في تصعيد موضعي حول السجون أو طرق الإمداد، يتدحرج سريعًا إلى اشتباكات واسعة بفعل غياب قنوات ضبط ميداني. السيناريو الثاني يرتبط بانشقاقات داخل «قسد» أو تمرد فصائل ترفض الانسحاب، ما يجرّ الجيش السوري إلى مواجهة مباشرة.

أما السيناريو الثالث، وهو الأخطر، فيتمثل في توظيف الفوضى لإعادة تنشيط خلايا داعش، بما يحول شرق سورية مجددًا إلى ساحة صراع متعدد الأطراف، ويُفرغ أي اتفاق سياسي من مضمونه.

تكشف الوقائع الميدانية أن التهدئة القائمة ليست سلامًا، بل هدنة هشة معلّقة على توازن دقيق بين السلاح والسياسة، وأن أي خلل في هذا التوازن قد يعيد الجزيرة السورية سريعًا إلى مربع النار.

عمرو المصري

التعليقات

أضف تعليقك

0/1000

لا توجد تعليقات بعد

كن أول من يعلق على هذا المقال